الفكر نتاج عقلي خالص يتأثر بما يتأثر به العقل، ويؤثر بما دام واتصَّل بخلفياته التاريخية على العقل الجماعي، فبالنَّظر إلى أهمية السياسة لدى كل المجتمعات ومنها المجتمع العربي، وسيلة لصناعة الحكم أو الوصول إليه لتحقيق المصالح العامة أو الفردية، والتي تمثل كذلك علاقة الحاكم بالمحكوم كونها السلطة الأعلى في المجتمعات الإنسانية في إطار بناء الدول وأنظمة الحكم.

تختلف ممارساتها ومبادئها باختلاف المجتمعات، فما يحكم السياسات العربية غير ما يحكم غيرها، وللخوض في ذلك لا بد من الخوض في العقل السياسي العربي وما ينتج منه من أفكار.

أو لنقُل إن صيرورة الفكر في كل المجتمعات هي من تحدد وتُكوِّن القدرة الحقيقية والعنصر الفعال خلف بناء الدولة مما يتماشى مع الواقع المَعِيش في خضم المعارك الفكرية والتجارب الناتجة منها؛ فما يحمله هذا الفكر من ترسُّبات كانت وما تزال متواصلة في الفكر العربي تَحُول لا مَحَالة إلى اتِّخَاذ السُّبُل نفسها، ومنه الوصول إلى النتائج نفسها ولو اختلفت قليلًا.

فحينما نتابع مسيرة ظهور العقل السياسي العربي، نرى أنَّه مرَّ على ثلاث مراحل (مرحلة الوعي الذاتي، مرحلة الوعي الموضوعي ومرحلة الوعي المطلق)، فبداية من الدعوة المحمدية التي بدأ فيها الوعي بالأنا الإسلامي بداية للعقل السياسي العربي في أداء دوره، مرورًا بمرحلة الوعي الموضوعي بقيام المجتمع السياسي الإسلامي ودخوله في صراعات خلال الرِدَّة والفتنة؛ انتقالًا إلى مرحلة الوعي المطلق التي أصبحت فيها السياسة تحاول تأسيس نفسها على الدين والفلسفة السلطانية والفلسفة السياسية وفِقهِ الخلافة.

للفكر السياسي العربي محددات يمكن من خلالها قراءة هذا التاريخ السياسي وهي (القبيلة، الغنيمة والعقيدة).

فالقبيلة هي العامل الذي يفرض العصَبِيَّة كما ذكر ابن خلدون في مقدمته، ويفتح باب التنافس بالاعتزاز والتعصب بعيدًا عن التنافس العقلاني الحيادي؛ لتظهر في الأخير السلطة السياسية حصيلةً لهذا التنافس.

والغنيمة هي الخراج والرِّيعُ الذي تأخذه الدولة لتعيد صرفه على أبنائها ورعاياها وهذا ما يؤدي إلى نشوء – ما نراه اليوم – عقلية ريعيّة غير منتجة.

أما العقيدة فلها التأثير القوي في اللاشعور السياسي للمجتمعات العربية؛ وهي في ذاتها تأثرت بعدة عوامل منها الإسلام والقبيلة؛ لتجعل ما لا يحتمل النِّقاشَ لدى البعض في غير ما أقرَّهُ الإسلام.

فبمزج هذا بذاك بين البنية المجتمعية العربية والمراحل التاريخية للفكر العربي السياسي نرى أنه يتم الاختلاف من هذا إلى ذاك باختلاف هذا عن ذاك في أحد المحددات المذكورة أو كلِّها حسب المصالح والانتماءات، ليتبنَّى كل مُخْتَلِفٍ ما يختَلِفُ به عن الآخَر، وكلَّما زاد عمق القضية في المجتمع زاد التفَرُّع في تبنِّي الاختلاف والانتماء.

ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار الإشكالات التي تتطرق لتفسير الحضارة العربية الإسلامية وفكرها، على أنها من بناء الإسلام وكل الشعوب التي انضوت تحت لواء هذا الدين باختلاف أعراقهم وأفكارهم.

لكن ثبت عبر التاريخ وفي الكثير من المحطات أنَّ لهذه الأمة ما يجمعها عند اختلافها وهما أمران اثنان، الإسلام العقلاني السَّمح الذي يبيُّن للأمة أمر دينها ودنياها ويحكم بينها بالعدل «فالعدالة الإلهية تنصر الرغبة الإنسانية في تجسيد العدالة» ويفتح للعقول أبواب العلم والفهم والتدبُّر، وثانيها اللغة العربية التي اصطفاها ربُّنا لغة للقرآن الكريم وما تحمله من آثار إيجابية في السلوك والطبيعة البشرية.

وذلك إذا تبنَّت الأمة ما يجمعُها وتركت ما يفرِّقها وتعالت على أحقادها وأضغانها لِما يحقق المصالح العليا لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد