كان الوضع في مكة مضطربًا، إذ لم يكن ملائمًا لحركة احتجاج تحتاج لوجود عناصر بشرية لحمايتها في وقت أفرغت فيه الفتوح الإسلامية الحجاز من العناصر البشرية المحاربة والتي يمكن أن تدعم أي حراك، بعد أن التقى طلحة والزبير بأم المؤمنين في مكة لم يكن لديهم رؤية للتحرك، فالعودة للمدينة والتصادم مع المتواجدين منذ قتل عثمان أمر مستحيل.

ونظرًا للطبيعة الجغرافية لمكة وبعدها عن مراكز الثقل الاستراتيجية، المدينة والعراق والشام، كان ينبغي حسم القرار بالتوجه إلى إحدى البلدان الثلاث، يأتي ذكاء عبدالله الحضري هنا بالتداخل قائلًا: «قد كفاكم الشام من يستمر في حوزته» في إشارة لقدرة معاوية على السيطرة على الشام وإحكام قبضته ولإبعاد الشام خططيًا للدخول في أي مواجهات مبكرة، وهنا ينتهي الرأي للذهاب إلى البصرة لطلب طلحة والزبير من أم المؤمنين أن تشخص معهما لإقناع البصريين للانضمام بحركتهما.

لم تستطع تلك القوى المتحالفة من جمع أكثر من سبعمائة رجل من الحجاز والسير بهم إلى منطقة المربد قرب البصرة، لكن خطبة طلحة وبعده الزبير ثم كلمة أم المؤمنين في الناس، لتثبيت إقامة الحد ومن أجل إرساء الشرائع وإعزاز الدين وسلطانه فهم لم يخلعا عليًا، ولم يتراجعا عن بيعتهما، لكن ما سبق كان يخصم من رصيد الخليفة، إذ بدأ الناس في التجمع حول حركة طلحة والزبير والانضمام لهما.

كانت حركة أبي الحسن ديناميكية وسريعة في اتجاه ضرورة تثبيت السلطة الشرعية من أجل جمع الكلمة، فالعودة لنقطة ما بعد مقتل عثمان في حال تنامي الانضمام لحركة طلحة والزبير سوف يزيد الأمر تعقيدًا رغم صحة موقفهما، ورغم تمسك والي الكوفة عثمان بن حنيف بولائة للإمام عليّ، إلا أنه لم يستطع وقف أعمال الاقتتال التي بدأت قبل قدوم أبي الحسن، وهنا كانت قد اندلعت باكورة الحرب الأهلية، فقد جرى اقتحام البصرة وقتل عدد كبير من المسلمين، هنا أدت تلك الأحداث لمزيد من التصلب في الرأي والمواقف من قبل قبائل البصرة والكوفة.

بعدها تسارعت الأحداث وأُفلت الزمام من يد الوالي عثمان وفقد السيطرة على المدينة وتم القبض عليه وألقي في السجن، بينما أبو الحسن يحاول التمركز في الكوفة على اعتبار أنها مستقر رجال وأعلام العرب، لكن النقطة التي غابت عن أبي الحسن أن انتقال الصراع إلى مناطق الأطراف سوف يزيد من استباحة الدماء، فلا قدسية للأماكن هنا ولا قَدر لأصحاب السبق من الرجال.

على الرغم أن عدد من التحق من الصحابة بجيش الخليفة كان ثمانمائة من الأنصار وأربعمائة ممن شهدوا بيعة الرضوان، وذلك نظرًا للمكانة المعنوية الكبيرة التي يمثلها هؤلاء في وجوه الكارهين من القرشيين والمتحالفين مع بني أمية والنفوذ الكبير لأم المؤمنين عائشة وتجمع الناس حولها، هنا خروج أبي الحسن في اتجاه البصرة يعني الخروج النهائي للخلافة من الجزيرة العربية ونقطة التحول التاريخيه في عمر الدولة الإسلامية، حيث لا عودة لمؤسسة الخلافة إلى مدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

كان للشخصيات الفارقة دورها الكبير في ترتيب الأحداث والمشاهد، أبو موسى الأشعري رجل الكوفة المهم الذي يتمتع بنفوذ كبير لأن الكوفيين هم من اختاروه وثبتوا حكمه أمام الوالي الأموي، ولكنه ورغم ولائه لأبي الحسن إلا أنه كان يرى أنها فتنة عمياء وأمر أهل الكوفة أن يغمدوا سيوفهم ورفض تجهيز الجيش من رجالاتها. ولكن الخليفة أمر ابنه الحسن بتجاوز الوالي وعزله وتم تجهيز جيش قوامه عشرين ألفا من الرجال.

ربما الأحداث الضاغطة لم تعطِ فرصًا أكبر لأبي الحسن لاتخاذ قرارات استراتيجية، فالطرق مغلقة وبعد سد الطريق عليه في البصرة والخطوط الخلفية في الشام بيد معاوية، أي المواقف تلك التي بلغت ذروتها في وحشة طريقك يا أبا الحسن.

المجتمعات منقسمة من الداخل مع الأحداث والأوزان النسبية تتساوى فبينما يقف طلحة والزبير وأم المؤمنين في البصرة يقف على الجانب الآخر الخليفة ومعه أكثر من ألف رجل من المهاجرين والأنصار في موقف يعجز العقل عن وصفه، وكلاهما على موقف صواب وثابت على مبدئه، أنى للجماهير أن تستطيع استيعاب ما يحدث ورجال الدولة وساداتها في موقف المواجهة، لا يمكن جمع الكلمة والسيوف خرجت من مغامدها، لا يمكن جمع الكلمة بلا تنازلات في وقت تعني فيه التنازلات سقوطًا مروعًا للمجتمع المسلم، بعيدًا عن هذا الاشتباك يقف أمير الدهاء معاوية يتتبع ما يحدث ملجمًا فرسة منتظرًا عما سوف تسفر المواجهات، أيًا كانت المواجهة عسكرية أم كلامية هي نقصٌ من رصيد أبي الحسن داخل القلوب وبين الجماهير.

ثمه تغير استراتيجي يغير طرفي المعادلة ليس في صالح أبي الحسن، إذ انضمت له الجماعة الأولى من القراء السابقين الذين لم تتغير رؤساؤهم الأشتر النخعي وزيد بن صوحان وعدي بن حاتم وغيرهم وقد اشتركوا في غزو المدينة وحسبوا في عداد قاتلي عثمان، وبالتالي كان يلاحقهم العقاب من أجل القصاص لدم عثمان وتلك النقطة التي يتوقف عندها التاريخ سائلًا الإمام علي: لِم لم تنتبه لها يا أبا الحسن؟ حتى وإن لم يشاركوا في أحداث الاغتيال، فقد أصبحوا سياسيين ربطوا مصيرهم بمصيره. لماذا لم تخرجهم من الجيش؟ ثمه أحد لم يلتفت لهذا الخطأ الاستراتيجي أم أن الأحداث باتت تسير في طريق المواجهة الحتمية، حالة من الأحداث المتسارعة وعقد المفاوضات والمحادثات السياسية، خشية أن تنزلق الدولة ومؤسسة الخلافة في حرب أهلية قرب البصرة، يحاول أبو الحسن لملمة الأمور وتجميع القلوب في محاولات يبدو أنه انتهى وقتها.

في المقال القادم: المواجهة المسلحة الأولى في تاريخ الدولة الإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد