يقول الروائي ميلان كونديرا في روايته حفلة تافهة: «أدركنا منذ زمن بعيد أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام، لم يكن سوى مقاومة وحيدة ممكنة، ألا نأخده على محمل الجد. هذه العبارة تلخص باحتراف ما يعيشه واقعنا الرقمي اليوم».

مع التطور الحاصل في مجال الإعلام الرقمي، حصلت تغييرات جذرية في مفاهيم قيمية وجوهرية تؤطر هذا الميدان. لا أخفي عنكم أنني شعرت بدوار حاد، عجزت أن أجد نسقًا أسلسل به أفكاري، هل أناقش أولًا المحتوى الهزيل أم تفاهة حمقى مشاهير التواصل الإجتماعي، أم بعض الجرائد الإلكترونية التي لا يربطها بالصحافة سوى الاسم أو مضامين بعض البرامج التلفزية. فسلمت مقالي للعصف الذهني.

دعونا نطرح بعض الأسئلة الجوهرية التي من شأنها مساعدتنا على حل هذه المعضلة ؛ كيف يمكن الحديث عن تربية رقمية عربية؟ هل هناك مسعى لتقنين هذا المحتوى «التافه»؟ هل هذا المضمون الرقمي حرية الإبداع أم تفاهة وابتذال؟ هل المنع هو الحل الذي من شأنه أن يرقى بالذوق العام؟

للجواب عن هذه التساؤلات يجب علينا معرفة وظيفة الإعلام بشتى أنواعه، والتي تتجلى في التربية أولًا، ثم الترفيه ثانيًا، ولكن الترفيه الهادف الذي يصب في مجرى التربية والتكوين، يعني ترفيه بنفس القيم المؤطرة لعملية التربية والتكوين.

إذ نلاحظ مضمون الإعلام العربي اليوم نجده يميل أكثر إلى الرداءة منه إلى الأهداف التي أنشأ من أجلها. لكن العرب ليسوا منفردين في التفاهة، بل حتى الدول المتقدمة باتت تعاني من ذلك، إذًا هناك أسباب أخرى تفسر هذه الضاهرة غير تدني الوعي.

الفرق بين بين العالم العربي والغرب هو وجود مقابل التفاهة أي وجود محتوى رقمي ثري بالأبحاث والدراسات، إذ إن هذه الدول توجه لكل فئة من المجتمع ما تبحث عنه، في حين أننا نضطر للبحث بلغات أجنبية للوصول للمعلومة؛ لأن لغتنا غائبة نسبتها قليلة من ساحة المعلومات (3٪؜ من مجموع محتوى الإنترنت). علمًا أن اللغة العربية رابع أكثر اللغات انتشارًا في العالم. وهذا ما يفسر جيدًا تأثير التفاهة على العالم العربي بشكل خيالي، وعدم نيلها من الغرب.

الإعلام من الميادين التي ترافق الإنسان منذ نعومة أظافره إلى آخر يوم في عمره، فيعمل على صناعة الإنسان الذي يرغب في الحصول عليه. فترة الطفولة على وجه الخصوص يكون فيها دور البرامج الموجهة للطفل لا تقل تأثيرًا على دور الأسرة والمدرسة، بل إن دور هاتين الأخيرتين لا يكتمل إلا بوجود برامج صحية وجيدة.

فمن حيث الأخبار فصرنا ضحية لبروباجندا هدفها السامي تصفية الحسابات بين الخصوم السياسية بدلًا عن الإخبار بالخبر الصحيح، ومن حيث الصحافة المقروءة فصرنا نقرؤ عناوين خالية من المصداقية همها الشاغل إثارة القارئ.

أما بخصوص البرامج الموجهة للأطفال، وهنا الطامة العظمى، باتت بعض القنوات تروج للمثلية، وتستبيح العلاقات خارج إطار الزواج. فكيف لطفل نشأ على هامش هته المحتويات أن يشب على المبادئ التي تحكم مجتمعه. وبعد انتهاء صلاحية الكرتون أثناء المراهقة، لتستلم مواقع التواصل الاجتماعي باقي المهمة، ليجد هذا الأخير نفسه في مواجهة عالم «حمقى المؤثرين» الذين ترتبط قيمتهم بعدد متابعيهم بغض النظر عن سبب المتابعة، يقومون بعرض تفاصيل حياتهم الشخصية على مواقع التواصل ظنًا منهم أن ذلك كفيل بجعلهم مؤثرين.

الحياة الوردية، السهلة، الجذابة بلا تعب ولا كد التي يظهرها رواد هذه المواقع جعلت أغلب المراهقين خاصة الإناث منهم يفكر في هجر مقاعد الدراسة واتباع نفس المنوال للظفر بالبذخ دون عناء وشقاء. فالمشكلة إذًا أكبر من الترويج للتفاهة أو المساهمة في تدني الوعي العام.

وسط كل هذه الفوضى، اقترحت فئة ممن تحركهم الغيرة على أبناء جلدتهم غلق القنوات والحسابات ذات المحتوى «التافه». لكن هل هذا هو الحل الذي من شأنه أن يرقى بالذوق العام، ويجعل الناس قادرة على التمييز بين النافع وفير النافع، ولو فقط الجيد الذي سيرقى بها؟

الجواب هو لا! لا يمكن للمنع أن يكون حلًا، القمع يولد ما أكثر منه، فالإنسان عندما تسلب إرادته لا بشكل سياسي ولا اقتصادي ولا ديني ولا اجتماعي سيكون التخلف قدره المحتم. لذلك لمحاربة ظاهرة أو سلوك في المجتمع، انتباهنا لا يجب أن يكون على الإنسان الذي ينتج، بل على المتلقي، وهنا تفعل التربية فعلها فترقى بالإنسان.

العمل المضني هو إن كنت أنا صاحب رسالة، أو مشروع، أو فكرة، وأردت أن أغير منكرًا فلا يجب أن أكتفي فقط باستنكاره، بل يجب أن أنخرط بكل جوارحي في عملية الإصلاح عبر التربية والتعليم ورفع الوعي، والاستثمار في المتلقي.