شَّكلت الثورة في سوريا منعطفًا جديدًا في حياة السوريين، من حيث المبدأ في ولادة فجر جديد متطلع للحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية، التي يمكن من خلالها العمل على بناء وطن جديد تنسجم فيه قيم العدالة، والمساواة، والتعبير عن الرأي، الذي غاب طوال فترة الخمسة عقود الماضية من حكم نظام الأسد وسيطرته على معظم مفاصل الدولة والحياة العامة في المجتمع من اعتقال، وتعذيب، وتهميش لمعظم الأمور السياسية، وغيرها مما يحدث في سوريا.

ليبدأ الحراك الشعبي مشكلًا متنفسًا آخر من مساحات الرأي عما يدور في ذهن الشارع وأهدافه من آمال اقتصادية، وسياسية، وعسكرية، من شأنها تغيير بنية النظام واقتلاعه من جذوره خلال تلك الفترة التي حكم فيها سوريا، وانعدام لأبسط الحقوق الأساسية، والتي نادى بها السوريون.

هتف الشارع بالحرية وبإسقاط النظام من خلال تجربته الأولى في هذا السياق من الزخم والتأييد الشعبي للثورة في سوريا، والتي عمل نظام الأسد على قمعها، وإنكارها باستخدام كافة الأساليب الوحشية لإخمادها، وإيقاف تمددها الذي ما كان له أن يصل إلى عقر داره، لولا التدخل الإيراني منذ البداية، الذي جلب منهم مستشارين وجلادين استخدمهم فيما بعد لممارسة أسوأ أنواع التعذيب في المعتقلات والسجون، كان يلقى القبض عليهم إما في الشوارع، أو في الاحتجاجات العامة للحراك الشعبي، ومن ثم حملات الاعتقال التعسفي والممنهج، بثقل كبير لآلته العسكرية التي زجَّ بها في ساحات المظاهرات والاحتجاجات السلمية منذ بداية الثورة، ليصل أعدادهم إلى عشرات الآلاف من المعتقلين القسريين في سجونه وزنازنه القسرية والمدنية، سيئة الصيط والسمعة، كسجن عدرا، وسجن صيدنايا، المعروف بالمسلخ البشري على أطراف مدينة دمشق وغيرها من المعتقلات الأمنية والعسكرية التي تملك لها فروعًا متعددة في كافة أنحاء المدن السورية، كالأمن السياسي، والأمن العسكري، والمخابرات الجوية، التي يتم فيها تعرية السجناء، وتعليقهم على الجدران والأعمدة بشكل مقلوب فيما يسمى بعملية (التشبيح)، بالإضافة إلى عمليات إغراق الرأس في الماء، وتركه حتى انقطاع النفس، مع ربط لليدين، والساقين، والتعذيب بالماء المغلي، ورميه على الجسد، ووضع الحديد المنصهر على الجلد، وطرق أخرى متعددة لم تزل تمارس من قبل جنود الأسد، وشبيحته بعد مرور 10 سنوات من انطلاقة الثورة في سوريا.

مستخدمًا بذلك نظام الأسد المعتقلين كورقة ضغط وسلاح يحمي به نفسه في وجه المنتفضين ضده، أو ضد أي تهديد قد يمس وجوده مرة أخرى, لكون أن معظم السجناء ممن يعتقلهم قد شاركوا بشكل مباشر، أو غير مباشر ضده، أو نتيجة مشاركة ذويهم في المظاهر السلمية، والنشاطات الاحتجاجية، بيد أنها ثورة عارمة وعمت كافة أنحاء المناطق في سوريا، والتي تتم فيها معاقبة معظم أبناء الشعب بالأساليب الوحشية، وطرق الاعتقال متعددة الأشكال، والأسباب، ومن بينهم الأطفال النساء اللواتي عملن من خلال تقديم الدعم الإغاثي والإنساني، والمشاركة في الثورة، ومن ثم ممارسة أبشع الأساليب الوحشية ضدهم بلا رحمة ولا هوادة، في صور جديدة لإجرام نظام الأسد مما يعانيه المعتقلون داخل السجون من خوف، وجوع، وأمراض مزمنة، تكاد لا تتسع لإعداد معتقليها من حيث المساحات الضيقة، والتي لا يمكن التعرف عليهم ومناداتهم في السجون من قبل السجانين، وما يتلقونه من تعذيب على أيديهم، إلا من خلال الأرقام الموضوعة لهم، والتي لم يتسن لذويهم التعرف عليهم ومعرفة مصيرهم من خلال دفع المبالغ الطائلة، أو من خلال الصور المسربة التي كشفت هول الجرائم وفظاعتها التي يرتكبها مجرمو وعناصر نظام الأسد بحق المعتقلين.

وفي نفس الوقت الذي تتم فيه مضاعفة العقاب وعمليات التعذيب للمعتقل، وربما القتل لمن يتجرأ من أحد أفراد أسرته أو ذويه بالسؤال عنه، أو طلب معلومات تكشف عن مصيره في سجون لم تردعها الخوف، ولا التهديدات الداخلية، ولا الخارجية بمعاقبة النظام المجرم ومفسديه ومحاسبتهم على جرائمهم في حق الشعب السوري، الذي وقف في وجه تلك الممارسات الوحشية المكشوفة وغير الإنسانية، في ظل غياب وسائل الإعلام، وتخاذل العديد من الدول التي وقفت ضده، وقدمت الدعم والمساعدة للأسد على مدى السنوات العشر الماضية، والتي قال فيها الشعب كلمته، وضحى لأجلها حريته وكرامته مع ظروف الموت القاهرة التي يعيشونها، وسوء المعاملة، والخدمات الطبية، والصحية، والغذائية في سجون نظام الأسد، التي لم تنأ عن الاستمرار في المطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية، وبناء وطن استحق أن يضحي أبناؤه لأجله حتى آخر قطرة دماء تنتهي فيها عصور الظلم والديكتاتورية المسيطرة على أبناء الشعب بالحديد والنار على مدى كل تلك العقود الخمسة الماضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد