في فصلٍ دموي جديد، قامت الأسبوع الماضي قوة عسكرية ترتدي ملابس الحشد الشعبي وتستقل سيارات تابعة للحشد باقتحام قرية (الفرحاتية) بعد أن اجتازت جميع الحواجز العسكرية التي نصبها اللواء 42 من الحشد الشعبي والتابع لمليشيات العصائب بقيادة قيس الخزعلي. وقامت تلك القوة باعتقال 12 شخصًا من القرية، ثلاثة منهم دون سن الثامنة عشر، بحجة التحقيق معهم لمعرفة منفذي عملية تفجير سابقة بعبوة ناسفة استهدفت أحد أفراد الحشد الشعبي في تلك المنطقة. لم تمض ساعة من الزمن حتى عثرت الشرطة الاتحادية على ثماني جثث تعود للذين اختطفوا، اثنين منهم دون الخامسة عشرة من عمرهم، ولا زال مصير الأربعة الباقين مجهولًا حتى الآن.

أهالي قرية (الفرحاتية) التي ينتمي إليها المختطفون والمقتولون، والتابعة لمحافظة صلاح الدين، تبعد 45 كم جنوب سامراء غرب الطريق الرابط بين بغداد وسامراء، قاموا بتحميل أفراد اللواء 42 التابع لمليشيا العصائب، مسؤولية قتل وخطف أبنائهم.

يُذكر أن قوات الحشد الشعبي المسيطرة على المنطقة، والتي جُل أفرادها من الشيعة وليسوا من أهالي المنطقة، قامت بتهجير أهالي منطقة الفريحات وقرية الرفيعات، كما فعلت في الكثير من المناطق ذات الأغلبية السنية أثناء سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» عليها. لكن في هذه المنطقة بالتحديد تريد مليشيا العصائب إعادة عمليات التهجير وإشاعة الإرهاب في مناطقهم لأسباب اقتصادية بحتة هذه المرة، فكما هو معلوم أن هذه المنطقة تحتوي على أربعة آبار نفطية، تستفيد منها مليشيا العصائب لتمويل نفسها، كما كانت تفعل عصابات «داعش» حينما استولت على العديد من الآبار النفطية في العراق وسوريا، ووجود هؤلاء القرويين سوف يعيق عملياتهم تلك ويفضحهم. فهي تسحب بواسطة مضخات نصبتها على هذه الآبار، ما يتروح بين 10-15 صهريج يوميًا، تبيع الصهريج الواحد منها بـ4 آلاف دولار، وفي هذا الصدد، فضح السياسي العراقي المثير للجدل مشعان الجبوري تلك الميليشيات، حينما ذكرها في تغريدة له قائلًا: «هل يعلم ولاة الأمر وقادة البلاد أن الميليشيات الولائية التي ارتكبت جريمة الفرحاتية تقوم باستخراج النفط من الآبار الموجودة بالمنطقة والمعروفة باسم حقل جنوب بلد، وبيعه لحسابها، وأن التطهير الطائفي الذي تمارسه هدفه التخلص من السكان الشاهدين على السرقة؟».

علمًا أن عمليات سرقة النفط وبيعه، تجري على نطاق واسع في المناطق المحررة من «داعش»، فعلى سبيل المثال، تستولي مليشيات (بدر) بقيادة هادي العامري، على آبار نفطية في غرب الموصل، وتسيطر أيضًا على مصفى بيجي، وحقل علاس وعجيل شرق تكريت، فيما تقوم فصائل حزب الله (العراقي)، بتهريب النفط من خلال أنابيب الخط الإستراتيجي في منطقة الصينية.

وبالعودة إلى قرية الفريحات، فإن مليشيا العصائب قامت بالسماح لأهالي القرية بالعودة إليها، بعد ضغوط سياسية وعشائرية، وذلك في شهر يوليو (تموز) الماضي من هذه السنة. رافق ذلك تضييقات من قبل القوات الحكومية لنشاطات اللواء 42 التابع لميليشيا العصائب غير القانونية، بالذات فيما يخص تهريبهم للنفط من تلك المنطقة. هذه التضيقات سببت تذمر قيادة وأفراد اللواء 42، وعدم ارتياح بين هذا اللواء وبين القوات الحكومية، الأمر الذي جعل رد فعل القوات الحكومية تجاه المذبحة التي حدثت لأهالي قرية الفريحات، سريعًا وقويًا، حيث قامت قوة من وزارة الداخلية واستجابة للضغوط الشعبية التي تفاعلت بشكل كبير مع الحادث، بالتوجه لمقر اللواء لغرض التفتيش والتحقيق مع أفراد هذا اللواء، لكن القوة التي تمسك الأرض هناك، رفضت تفتيش مقر اللواء، حينها طلبت لجنة التفتيش دعمًا من قوات وزارة الدفاع، فحدث اشتباك بالأسلحة بين قوات الجيش والقوة المسيطرة على مقر اللواء؛ أسفرت عن سقوط أربعة جرحى من أفراد اللواء 42 المليشياوي، واعتقال جميع الموجودين في المقر. وتحاول مليشيا العصائب الآن ممارسة ضغوطها السياسية لأجل اطلاق سراح معتقليها، لكن حتى الأن لم تثمر تلك الضغوط عن شيء، وتم نقل المعتقلين إلى قيادة عمليات سامراء لغرض التحقيق معهم.

سياسيًا أدانت الأطراف السياسية السنية حادثة مجزرة الفريحات، وحدث تعاطف شعبي كبير مع ضحايا المجزرة، رافق ذلك، إجماع أهالي القرية على أن قوات اللواء 42 الميليشياوي هي المسؤولة عن هذه المجزرة. في الوقت ذاته، طالب تيار الحكمة بقيادة عمار الحكيم، وتحالف النصر بقيادة حيدر العبادي، بمحاكمة الجناة مهما كانت صفتهم، بينما حاولت سريا السلام التابعة للتيار الصدري مسك العصا من الوسط، وقالت إنها لا تستبعد أن يكون «تنظيم الدولة» هو المسؤول عن الجريمة التي حدثت، في محاولة منها لأبعاد التهمة عن مليشيا العصائب.

المجزرة المرتكبة في قرية الفريحات، وما تلاها من تداعيات، يوضح للمراقب إن الحكومة تحاول التضييق على نشاط المليشيات غير الشرعي بسرقة النفط الخام وبيعه لتمويل نفسها، لكنها جعلت مواطني المنطقة كبش فداء لمحاولاتها تلك، وجعلتهم بمواجهة حقيقة مع هذه المليشيات المسلحة، فإرجاع القوات الحكومية لأهالي هذه المنطقة كان لتشكيل ضغط على نشاط المليشيات هناك، فما كان من المليشيات، إلا استخدام العمليات الإرهابية للضغط على الأهالي، ودفعهم للهجرة من أراضيهم مرة أخرى لمناطق أكثر أمنًا. وإذا ما بقيت الحكومة غير جادة في ردع هذه المليشيات بقوتها العسكرية، فإن البلاد مقبلة على فوضى عارمة، فالأهالي سيضطرون لحمل السلاح للدفاع عن أنفسهم إزاء هذه الهجمات المتكررة ضدهم. بالمقابل، إذا ما توفرت الإرادة والقوة الكافيتان للحكومة، في ردع هذه المليشيات وبالقوة، فإن من المرجح أن تتخلى القوى السياسية التي توفر لهذه المليشيات الغطاء اللازم لعملها، وتتبرأ منها خشية خسارة مستقبلها السياسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد