البشر لا يعرفون حقيقتهم، تاهت هويتهم وسط الصراعات والنهم من أجل امتلاك المال والسلطة. منهم من تنازل عن حقيقته البشرية الفطرية طواعية، واعتنق دين إبليس، وأصبح مسخًا رأسماليًّا يسرق شقاء الغلابة خسة وكبرً، وأكثرهم من استسلم للعبودية وأصبح كالبقرة التي تحلب كل صباح، أو كالفرخة التي تبيض الذهب وإذا مرضت تعدم.

أصبحنا أطيافًا أو أشباحًا تملأ الأفق كل صباح ذهابًا للعمل إيابًا للنوم في مضاجعنا الإسمنتية كقطعان النمل.

هذا المقال عن الطريقة التي سرقت بها الهوية البشرية.

عام 1439 اخترعت آلة الطباعة على يد الألماني جوهانس جوتنبرج، وكانت الكنيسة الكاثوليكية تحكم أوروبا في هذا العصر، وعلى الفور منعت نشر أي كتاب إلا بموافقة منها وإصدار تصريح حصري محدد المدة لدار النشر «وليس الكاتب»، تابعت السلطات منع كتب والسماح بكتب أخرى تؤيد وتعزز أفكارها فقط، إلى أن أصدر أول قانون رسمي عام 1710 في إنجلترا لتنظيم عمليات الطباعة والنشر، ومنح حق الملكية الفكرية للناشر والكاتب لمدة 14 سنة، عام 1790 شرع القانون نفسه من الكونجرس الأمريكي، إلا أن الناشرين والكتاب لم يكتفوا بـ14 عامًا مدة للتربح من النشر وملكيتهم الفكرية، وأعلنوا الحرب على الكونجرس الأمريكي إلى أن زادت المده لـ56 عامًا ثم إلى 70 عامًا «وفي مصر طوال حياة المؤلف وحتى 50 عامًا بعد وفاته».

بالطبع الشركات ودور النشر وليس الكاتب هم من لم يبخسو جهد في منع نشر الكتب والعلم وإتاحتها للجميع طوال هذه المدة إلا لمن يدفع، وتحولت قوانين حقوق الملكية لقانون احتكار للعلم والمعرفة بدلًا من أن يكون قانونًا من شأنه تحفيز الكاتب لنشر العلم ومكافأته.

الشركات لا تؤمن بأن المعرفة حق أصيل للإنسان، وأن توارث هذه المعرفة هو توارث الهوية البشرية ذاتها وتطورها، بدون كتاب أصل الأنواع وكتب داروين لما كان علم الأحياء الحديث، بدون نشر نيوتن مفهومة عن الجاذبية لما كان تعريف أينشتاين للجاذبية ونظريته عن والزمكان والنسبية، بدون العلم ونشره لما كان البشر.

تخيل أن من اكتشف الزراعة لم يعلمها للآخرين، تخيل أن من اكتشف سر اشتعال النار لم يخبره إلى بقية القبيلة.

إلا أن جشع الشركات والرأسماليين من رحم إبليس لم يكتفوا بهذا، فمثلًا شركة «والت ديزني» رفعت دعوى على روضة أطفال لاستخدامها صورًا لميكي وشخصيات ديزني بدون تصريح، شركة «وارنر» والتي كانت صاحبة حقوق الملكية لأغنية عيد الميلاد الشهيرة «happy birth day to you» كانت تجني كل عام مليوني دولار بالغش للسماح للمنتفعين الآخرين باستخدام الأغنية، تعويضات شركة «أوراكل» وصلت إلى 3.1 مليارات دولار عام 2010 لحقوق الملكية الفكرية.

يتحدث زيا كواريش مدير التنمية الاقتصادية في البنك الدولي سابقًا أن أيضًا شروط براءات الاختراع، والتي من شأنها إثبات نسب الاختراع لحفظ حق المبدع شروط تتبناها حماية قوية جدًّا لا توفر حافزًا بل على العكس تزيد تكاليف التكنولوجيا الجديدة وتبطئ من الإنتاج وتزيد من عدم المساواة.

بيترا مواسير، وهايدي ويليامز نشرا دراسة في هذا الشأن، والتي تشير إلى أن شروط براءات الاختراع بالأصل شروط دفاعية تعزز الاحتكار والقضاء على المنافسين المحتملين من الشركات الكبرى، تمثل الدعاوى القضائية المتعلقة بانتهاك الملكية الفكرية في براءات الاختراع إلى ثلاثة أخماس جميع الدعاوى القضائية في أمريكا بين 1990 و2010 بتكلفه 500 مليار دولار.

لماذا لا يوجد علاج للسرطان حتى الآن! لأن العلاج الكيماوي مربح، لماذا واحد من كل عشرة أشخاص على الكوكب لا يحصل على ماء شرب صالح للاستخدام في حين أن الإنفاق العالمي على الأسلحة وصل إلى 1981 بليون دولار العام الماضي، وببجاحة يصرح بيتر راديك رئيس مجلس إدارة شركه نسله العملاقة السابق أن الماء ليس حقًّا لجميع البشر ويجب أن يخصص!

كل هذا الجشع واحتكار المعرفة والتكنولوجيا والسبل للحياة الآدمية أدى إلى انتشار موجة مضادة من الإصلاحيين والثوريين ومن القراصنة الذين تطاردهم السلطات وترسلهم للسجون كل يوم، حتى لو كانوا بأهداف نبيلة، وتطورت الموجة المضادة إلى إنشاء أحزاب سياسية في بعض الدول كحزب القراصنة في السويد، وحزب القراصنة في أيسلندا الذي يتمتع بصاع كبير من الشعبية، وتنادي هذه الأحزاب برفض الملكية الفكرية، وآخرون إصلاحيون مثل لورنس ليسنج الذي يتفاوض على شروط أقل صرامة، مثل حق النشر مع ذكر اسم الكاتب أو المبدع وغيرها من شروط.

في النهاية وبالرغم من المقاومة الشرسة من القراصنة والأحزاب السياسية التي تنادي برفض الملكيه الفكرية، وبالرغم من وجود وسائل تكنولوجية حديثة لاختراق هذه القوانين، فإن الناس ما زالت تذهب للسينما والمسرح مع وجود المحتوى نفسه في الشاشات على الإنترنت مجانًا، ما زالوا يقرؤون الكتب الورقية مع وجود معظمها للتحميل على الإنترنت أيضًا مجانًا، لأن التجربة نفسها إن كانت مميزة لن يتخلى الناس عنها وسيدفعون المال بابتسامة أما احتكار المحتوى ومنعه من المنبع هو عمل رأسمالي خسيس.

كيف يكون النشر سرقة! السرقة هو أن تأخذ الشيء من صاحبه أما أن تنشر الشيء مع وجود النسخة الأصلية في يد صاحبها هو كتحول الأكسجين إلى ثاني أكسيد الكربون ثم إلى أكسجين لبقاء هذا الكوكب على قيد الحياة حتى الآن.

بدون تداول المعرفة بحرية كيف نحافظ على حرية البشر في الحياة ضد تلك الشركات وهم فقط من يملكون حق المعرفة! حق المعرفة معركة بقاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد