مما ينسب لرئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير قولها: «غدًا يموت الكبير وينسى الصغير وسوف تبقى هذه الأرض لنا»، ومن الواضح أن هذه النظرة الاستشرافية للمستقبل محكومة بمنطق الحياة والموت، وهي كذلك محكومة بمنطق علم النفس القائل أن الطفل يكبر على أحداث يعيشها في حياته ويتأثر بمحيطه، أي أنه إذا ما فصلنا الطفل عن تاريخه ونقلناه خارج أرضه فإنه لن يخالجه شعور الحنين إلى وطن لا يرتبط به لا زمانيًا ولا مكانيًا.

ولكن الحاصل أن ما عاناه الأجداد من اقتلاعهم من أرضهم وسرقة بياراتهم وتهجيرهم عن وطنهم ومكوثهم في الجبال ناصبين خيمة، أصبحت لاحقًا جزءًا من تاريخهم، نقلوه إلى ذاكرة الفلسطيني الطفل الذي شبَّ سواء أكان في الغربة أو كان في الأرض المحتلة، ومع استمرار المعاناة من آثار النكبة كما عاناها أجداده، رأينا كيف تبلورت شخصيته ونضجت ملكته العقلية بحيث ارتبطت الأحداث عقديًا بما يجري في فلسطين؛ فهو يشاهد في عينه كيف أن القوات الإسرائيلية تصادر أملاكه وتضيق عليه سبل العيش، والأقسى من ذلك رؤية الفلسطيني للإسرائيلي يسلب تراثه الشعبي من أثواب شعبية وأهازيج وطنية وأطعمة فلسطينية ويدعي أنها جزء من التاريخ اليهودي، فالفلسطيني يواجه صراعًا في جوهره صراع بين تاريخ يحاول الإسرائيلي طمسه، وحاضر يعمل على فرضه، ومستقبل يسعى إلى إعادة صياغته ليتناسب مع ادعاءاته!

لا يزال الفلسطيني يسير في طريق النكبة والشواخص تملأ جنباته؛ احتلال أرض، تهجير الملايين من بيوتهم، مليون فلسطيني عاش تجربة دخول أقبية التحقيق وما يرافقها من انتهاكات جسدية ونفسية، عشرات الآلاف أزهقت أرواحهم بسبب آلة الحرب الصهيونية، أطفال جردهم الصراع من كل ما يرافق الطفولة حتى بدى الواحد منهم أكبر من عمره، شواخص تمتد على جنبات طول طريق النكبة ورغم ذلك، فإن الفلسطيني لا يزال يرفع راية المقاومة بكل ما تحمله من معاني، والأحفاد لا يزالون يحتفظون بمفاتيح بيوت أجدادهم الذين هجروا من قراهم وبلداتهم، لقد خسر رهان جولدا مائير أن هذا الطفل الفلسطيني سوف ينسى أرضه وينغمس في الواقع الذي رُسِمَ له وفرض عليه في بلدان اللجوء، فهي ذهبت واستمر كل جيل يسلم راية المقاومة للجيل الذي يليه رافضًا بالفطرة التنازل عن حقه وعن كل ما سلب منه.

إذًا فالصراع الفلسطيني تجاوز حدود الأرض وما سلبه الصهاينة إلى صراع على الهوية الوطنية؛ فإسرائيل التي أخذت كل ما له قيمة مادية، تعمل باستمرار على أخذ كل ما يشكل التراث الفلسطيني والتاريخ العربي وتبديل الواقع الإسلامي في أرض فلسطين، وساهمت عدة عوامل في تقدم إسرائيل بمسعاها، أبرزها تطور آلة الحرب الصهيونية، والإمبراطورية المالية والإعلامية التي يملكها أثرياء العالم الذين يدينون بالصهيونية وينحازون لإسرائيل ويسخرون إمكانياتهم لخدمة مصالحها، كما أن صمت المجتمع الدولي أطبق على أنفاسه، في حين نزلت سكاكين أشقائه العرب في صدره ألمًا وحزنًا، حتى أصبح مطلب الفلسطينيين اليوم من الأنظمة العربية ليس مدّ يدِ العون، وإنما الصمت والتوقف عن الدسائس.

ولقد وجد الفلسطيني نفسه في نكبة تتغير ماهيتها في كل لحظة، ومن كان أخًا بالأمس غدا عدوًا واضحًا لا يتوانى في توجيه أذرعه الإعلامية نحو الطعن في حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه، وتسويق ادعاءات واهية عن جدوى الاستمرار في معاداة إسرائيل، بل والترويج لمكاسب محتملة من التطبيع، وكأن من عقدوا الصلح ثم وقَّعوا اتفاقية السلام جنوا العسل، متناسين أن ما حصلوا عليه لا يتجاوز الخيبة والفقر، لأن المتغطي بالمحتل عريان لا دثار له.

رغم ما جلبته الأنظمة العربية من هزيمة للقضية الفلسطيني عام 1948م بقبولها لأكثر من هدنة سمحت لإسرائيل بالتسلح وتقوية مركزها، وما رافقه من قطع الإمدادات العسكرية عن الفلسطينيين الذين خرجوا دفاعًا عن أرضهم، وما قدمته السياسات العربية من تنازلات وصلت اليوم إلى مرحلة التطبيع المكشوف مع إسرائيل، فها هي اليوم تنتقل إلى مرحلة جديدة نحو التواطؤ مع الاحتلال والتآمر على حقوق الشعب الفلسطيني، لكنّ الفلسطيني لا يزال يحتفظ بمفتاح بيته في صرة جدته أو صندوق جده، ولا زال ينطق بلهجته، ولا زال يتسلح بعلمه، واستمرت قضية القدس وفلسطيني تشكل هالة محيطة في جسد كل فلسطيني داخل فلسطين أو خارجها لا تنفصل عنه إلا بموته، فأصبحت فلسطين معيارًا للوطنية ومؤشرًا على صلابة العقيدة والارتباط الوثيق بالقدس وما تركه الأجداد خلفهم عنوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد