من الذي حكمَ على العملية السياسية في سوريا بالفشل؟

منذ أكثر من خمس سنوات، تساءل الرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض، أحمد معاذ الخطيب، عمّا إذا كان يمكن لشمس الحل في سوريا أن تشرق من موسكو، فأتاه الجواب حينئذ من غالبية تيارات المعارضة السورية (السياسية والشعبية) بسيل عارم من التخوين والتقريع، واتهامات بالتبعية لروسيا أو التسويق لها وهي التي تدعم موقف دمشق ضد معارضيها، بحسب الرافضين آنذاك لطرح الخطيب.

وقتها لم تكن القوى المنخرطة في الملف السوري قد غاصت عسكريًا في مستنقعه، مثلما هو الحال الآن. قواعد أمريكية في شرق الفرات وانضمت إليها موسكو مؤخرًا، وسبقها قبل ذلك قاعدة ضخمة للروس في اللاذقية، بينما تتوسع تركيا في الشمال ابتداء من تأسيس مناطقها العازلة في درع الفرات وغصن الزيتون، وعلى ما يبدو لن يكون آخرها نبع السلام، فالحشود التي ترسلها أنقرة مؤخرًا إلى إدلب على مرأى من باقي القوى المتدخلة على الأرض السورية، يشي بمنطقة عازلة جديدة «ليست آمنة سيتم تأسيسها على أنقاض الحملة العسكرية في الشمال السوري، والمتفق عليها بين روسيا وتركيا في المقام الأول.

أوهام الحسم العسكري

لم يكن توقع الخطيب بدفء شمس موسكو هو المُخيب كما ادعى البعض في ذلك الوقت، بل إن ما كان قاتلًا وليس مخيبًا فقط، هي أوهام المعارضة المدفوعة من أصدقاء الشعب السوري وفق وصف معارضي الأسد، بدنو أجل النظام السوري من خلال الحسم العسكري، والذي سيتم عبر الدعم «السخي» الذي يقدمه أولئك «الأصدقاء».

لقد ساهم طول أمد الصراع في سوريا وعدم قدرة المعارضة على تحقيق مكاسب حاسمة على الأرض السورية، رغم غياب سلطة النظام السوري عن مساحات من الجغرافية السورية، إلى لجوء القوى المتنازعة على تثبيت نفوذ لها في سوريا، بالانتقال إلى مستوى أعلى من التدخل كانت تعلم أنها باللجوء إليه ستقتل آمال الحل السياسي الذي كان يرتجيه التيار الوطني السوري منذ إعلان جنيف وتعلقهم بحباله الضعيفة.

يمكن القول أن الفترة الممتدة على سوريا بين عامي 2015 و2017 كانت بوابة رئيسية لتؤسس مرحلة المزاد العلني على مناطق النفوذ في سوريا، والتي سيكون بعدها ليس كما قبلها تمامًا لأي حل قادم في البلاد.

قبل هذه المرحلة كان يمكن للتوافق الدولي – إن كان قد تم – أن يخلق قابلية لتنفيذ حل سياسي على أساس بيان جنيف (حزيران 2012) طالما جيوش الدول ومطامعها الاستراتيجية بقيت بعيدة عن الأرض السورية، أما الآن وإن نظرنا إلى خارطة النفوذ والرايات في سوريا قد نجد أنفسنا حائرين في متاهة الحل المزعوم الذي نسمع عنه في تصريحات «دول الصراع على سوريا».

فمن سيملك جرأة الخروج من سوريا، ومن أجل ماذا سيخرج، فكل يحضن دجاجته التي تبيض له نفوذًا في نظام عالمي يولد في سوريا، استحدثته واشنطن من أجل ضمان سيطرتها على المنطقة الأسخن، وتحاول روسيا إعادة رسمه في سعيها لبث الروح في أمجاد الاتحاد السوفييتي المدمرة.

غاية إيجاد «داعش»

قبل معركة كوباني ضد «داعش» (نهاية عام 2014) لم يكن هناك أية علاقة مباشرة بين الأمريكان ووحدات حماية الشعب الكردية (العمود الفقري لاحقًا لقوات سوريا الديمقراطية «قسد»)، هكذا اعترف قبل أيام القائد العام لـ«قسد»، مظلوم عبدي، خلال مقابلة صحفية، ما يعني بأي حال من الأحوال أن العلاقة التي نشأت بين الطرفين وسمحت لواشنطن بإيجاد موطئ قدم في سوريا لم تكن لتحصل لولا قتال تنظيم «داعش».

تلك العلاقة مع واشنطن هي التي أفرزت قواعد أمريكية في الشرق السوري، سواء في شرق الفرات أو التنف. القواعد العديدة التي كرس وجودها أوباما وعززها ترامب رغم كل تقلباته لا يمكن لها أن ترحل والأهداف الاستراتيجية التي تدعي واشنطن السعي لها لا يمكن أن تتحقق في ظل كل ظروف المنطقة عمومًا، وتداخلات الملف السوري على وجه الخصوص.

ما بين مسارات مواجهة النفوذ الإيراني وضمان النصر على فيروس «داعش»، «المؤهل للنشاط دومًا»، تدور الأسطوانة المشروخة لواشنطن وستبقى تدور لفترة غير معلومة.

فيروس «داعش» نفسه هو من دفع موسكو للتدخل وإن ادعت هي منذ أيلول 2015 بأنها تتدخل لقتال كل من يناوئ دمشق مقابل الاكتفاء بوصفهم بالإرهابيين، سواء كانوا معارضة عسكرية انشطرت واندثرت على وقع التطورات الميدانية المتلاحقة بعد ذلك، أو حتى جبهة النصرة وأشباهها.

كذلك كانت تركيا تحذو حذوهم وتدخل للقتال في سوريا علنًا بحجة قتال «داعش» في معارك درع الفرات ولتتسع بعدها الدائرة شرقًا وغربًا.

وحدها كانت إيران وأتباعها في «محور المماحكة» المتردي أعلنت عن نفسها أول المقامرين بمشروعها التوسعي عبر سوريا تجاه طريقها الضائع نحو القدس، وهي التي وجدت في مرحلة الصراع الأولى على الأرض السورية فرصة قد لاتعوض لها.

الحل السياسي الضائع

جولات عديدة في أروقة جنيف بمحصلة صفرية، ويبدو أن اللجنة الدستورية تسير على نهجها في ظل الارتباط المتلازم للمسار المدعوم من الأمم المتحدة بمدى تحقيق التطورات الميدانية من مكاسب يمكن استخدامها باعتبارها ورقة سياسية تدعم موقف دولة على حساب الأخرى، مقابل سعي الباقين لتحسين ظروف تفاوضهم على طاولة تقاسم النفوذ تسبق أي جولة مقبلة، وذلك إثر عودة للتصعيد بعد كل جولة سياسية تكون قد منحت كل طرف ترتيب أوراقه من جديد.

في المقابل فإن طرفًا محليًا كالنظام السوري بات يسلم مفاعيل التطورات العسكرية باعتبار أنها ورقة رابحة لمصلحة روسيا مقابل تركيا التي تسير وفق منظور حماية «أمن نفوذها» في معادلة دخولها للملف السوري.

وفي ظل كل الأوراق المبعثرة لا تزال دمشق تنفذ عن عمد أو بدون قصد؛ تعمل على إطالة عمر الفوضى التي اجتاحت مفاصل سوريا الدولة بكل مقوماتها الأساسية، على مبدأ أن «الإغراق بالتفاصيل» يطيل بقاء النظام الحالي في السلطة ولو على حساب آخر حجر معمور في البلد وآخر دولار مخزون في المصرف المركزي.

في المحصلة، أليس حريًا بنا التساؤل من سيسعى لحل سياسي وكيف سيكون، وعن أي عملية سياسية «حقيقية» نتحدث عنها في ظل صراع النفوذ القائم، والذي لن يقف عند حدود الطرق الدولية التي تمر في محافظة إدلب.

الأمم المتحدة كانت صراحتها مؤلمة عندما قال نيابة عنها المبعوث الخاص إلى سوريا، غير بيدرسن، بأنهم لا يملكون حلًا سحريًّا من أجل إدلب فقط، فما بالكم وأن إدلب هي نموذج مصغر عن باقي المصائب الواقعة في عموم سوريا.

لا يوجد لاعب إقليمي ودولي بوسعه الاقتناع بأن وجوده في سوريا غير شرعي طالما أن إطالة أمد الصراع فيها دفعه للدخول المباشر، مما يعني أن كلفة إرساء الاستقرار ستكون باهظة وأعلى حتى من المشاركة في إعادة الإعمار.

قد يجدوا الحل السياسي الحقيقي الشامل والضامن لوحدة واستقرار سوريا حلًّا غير عادلًا لهم بعد كل ما تصارعوا من أجله.

إن الحرب بالوكالة لن تنتج غير الحل القائم على الوصاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد