لا يخلو زمن في العراق من حراك شعبي لفتيانه وشبابه، وهم يقارعون سلطة الظلم والجبروت، ورغم التعنيف والبطش الذي يلقونه، وبالرغم من المجازر والجرائم التي ينالونها من تلك السلطات إلا أنهم لم يهنوا، ولم يضعفوا عن التمرد بوجه الطغيان، شاهدت الشباب وهم يصرعون ويعتقلون بعد الانتفاضة الشعبانية، وبعد انتفاضة عام 1999، حيث أزهق كثير من الأنفس وشردت كثيرًا من العوائل، وهدمت البيوت، وسرقت الأملاك، وسجنت النساء والأطفال، وقتلوا بدمٍ بارد، ولا عزيز يذب عنهم، أو شريف يجيب صرختهم، بعضهم وجدوا له جثة أو أثرًا، والبعض الآخر ما زال أهلهم ينتظرون الموعد للقائهم أو معرفة مصيرهم، والبعض آيسوا وسكنوا في صمت طويل جدًا.

بعد كل هذه التحركات الشعبية وما شهدناه كجيل أخير على جرائم حزب البعث وفظائع الإرهاب، نعجز اليوم عن القدرة على إخراج أنفسنا من فكرة الطائفية التي زُرعت في عقولنا منذ أن كنا أطفالًا ونحن نتغذى على كره الأكراد والانتقاص منهم، وعلى كره الشيعة للسنة، وكره السنة للشيعة، واعتبار المسيحيين والصابئة أنجاسًا، والتشمت بما حصل ليهود العراق، ولهذه اللحظة أنا شخصيًا أعجز عن أن أقول (نحن) شاملًا فيها الجميع، فما زالت (نحن) بالنسبة لي هي المناطقية والطائفية والقومية، فنحن أقصد بها أهل البصرة، ونحن أقصد بها الشيعة، ونحن أقصد بها العرب، وتأتي أخيرًا نحن التي أقصد بها العراقيين بجميع طوائفهم وقومياتهم وأديانهم.

في هذا الحراك وهذه الثورة الشبابية لمست سبب فشلنا المستمر وعدم قدرتنا على إيجاد مستقبلٍ أفضل للجيل اللاحق لجيلنا، مع أننا خضنا تجارب صعبة وخرجنا بنتائج هزمنا من خلالها الصعاب والإرهاب وزرعنا الخوف في قلوب أعدائنا، إلا أننا لم نستطع ان نهزم خوفنا من السلطة، ما زلنا نرهب البعث ونخشى تسلط الاخرين علينا، لم نستطع أن نعالج هذا التقرح الدامي الذي يصيبنا بالصداع والالم المستمر، وما يزيد الأمر سوءًا هو أننا نحاول أن ننقل هذا المرض إلى عقول أبنائنا ونحن لا نشعر بذلك، إن الجيل الذي خرج متظاهرًا ضد الفساد وضد الفاسدين، وبسلمية وروح معنوية عالية، ولم ترهبه أدوات القتل وأساليب الترهيب لم يكن يرى سوى العراق والعراقيين، لقد انعدمت في قلوبهم روح الكراهية لبعضهم البعض، فهم لا يميزون أنفسهم بالطائفة والدين والمعتقد، بل بقلوب صافية تريد حياة كريمة دون هوان وذل.

شجاعتهم تكمن في وحدتهم، إنهم يحبون العراق ويعشقون هذا العلم الذي لم نكترث له طول حياتنا، ولم نشغر بالغيرة عليه، ونراه اليوم سيد الساحة، ولا تخلو يد من أيديهم، إلا وهي تحمله، إنه العراق وهم يريدون لأنفسهم وطنًا قد أضعناه، يريدون ما كنا طوال سنوات القحط والشدة نبحث عنه، يريدون ما كنا نحلم في يوم من الأيام أن يكون لنا كما للآخرين، وطن ننتمي له ونرتمي بين أحضانه آمنين مستقرين، إنهم يطلبون ما مزقناه عن عمد، أو غير عمد، ولم يعد الوقت مناسبًا لنبرر أخطاءنا، لقد أثمنا حينما انجررنا إلى الطائفية، وإن كنا أحرارًا كما نزعم، فعلينا إما أن نسكت ونترك الشباب يكملوا ما بدأوه حتى يجدوا وطنهم، أو أن نقف معهم ونلبي نداءهم فنكون معهم، نتعلم منهم ما لم نتعلمه من قبل، فنكون لهم لا عليهم، فمعكم معكم لا مع أنفسنا الأمارة بالطائفية.

ما على الشباب سوى الحذر من جيلنا إن حاولوا تثبيط هممكم وعزمكم، حافظوا على صبركم إكرامًا لما قدمتموه من دماء ولأولئك الشهداء الذين قضوا نحبهم لأنهم قالوا وطننا العراق، الدفة بيد طلبة الجامعات فهم من بيده التغيير، وهم من يمتلك فرصة التنظيم والسيطرة والتثقيف وتفويت الفرصة على أبواق الفتنة، لم يعد صعبًا ان تفتحوا صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي تمثلكم جميعًا، تُسكِتون بها أصوات النشاز، لقد حان الوقت لتنتظموا، وأحرارنا سيكونون معكم بخبرتهم وطول أناتهم وبُعدِ تفكيرهم، أنتم قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلمكم، وجدار السجن الذي يحتجز العراق بدء يتشقق، وسيرى النور بسواعدكم، فلكم ننحني إجلالًا وتعظيمًا لأنكم أهلٌ لهذا الاحترام.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد