بتاريخ 22 فبراير (شباط) 2019، انطلقت الشرارة الأولى للحراك الشعبي في الجزائر، تعبيرًا عن رفض عهدة رئاسية خامسة للرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، وللمطالبة بإصلاحات وتغييرات تمسّ الحياة السياسية، الاجتماعية والاقتصادية. فكان الحراك الاجتماعي والسياسي صورة تعكس سنوات الكبت والحرمان لدى شريحة واسعة من الشعب الجزائري، وتعبّر عن أزمة عميقة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

أزمة ثقة في النظام، أزمة مشاركة سياسية، أزمة شرعية ومشروعية، أزمة هوية… إلخ، هذا ما ميّز تاريخ الجزائر السياسي منذ الاستقلال، وأفرز كبتًا وفجوة عميقة بين الشعب والسلطة، وهو ما كانت له مظاهر عديدة ومتنوعة على مدى نصف قرن من الزمن (حراك طلابي، جمعوي، إسلاموي، أمازيغي، عمالي، عنف مسلح، حراك شعبي واسع).

تميّز الحراك الجزائري منذ بدايته بمجموعة من الخصائص والصفات، أهمها: التنظيم، والوعي بعدالة القضية، السلمية، والإصرار على التغيير، والتدرج في المطالب وصولًا إلى المطالبة بتغيير نظام الحكم برمّته، والحشد من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، والتحلي بروح المواطنة والوحدة الوطنية، وافتكاك دعم المؤسسة العسكرية.

والمتابع لتطور الأحداث في خضم الحراك الجزائري طيلة سنة كاملة، يمكنه التعرف على بعض الإنجازات المحققة التي أتت نتيجة لهذا الحراك، ومن أبرزها ما يلي:

كسر قاعدة الصمت الشعبي خوفًا من قمع السلطة، فقد سمحت الشرارة الأولى للحراك بفتح المجال واسعا أمام حرية الرأي والتعبير والرفض لواقع مليء بالأزمات.

إحجام الرئيس السابق، بوتفليقة، عن الترشح لعهدة خامسة، ثم تقديم استقالته بتاريخ 2 أبريل (نيسان) 2019.

انطلاق حملة اعتقالات ومحاسبات، ثم محاكمات علنية في حق مسؤولين ووزراء ورجال أعمال، بالنظر إلى تورطهم في أعمال فساد.

تأجيل الانتخابات الرئاسية التي كان من المزمع إجراؤها بتاريخ 4 يوليو (تموز) 2019، بعد رفض شعبي واسع.

وضع هيئة مستقلة لتنظيم والإشراف ومراقبة الانتخابات، بعد أن كان الإشراف على الانتخابات من صلاحيات وزارة الداخلية والجماعات المحلية.

ظهور بعض البوادر لإصلاح المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، خاصة ما يتعلق بفرص العمل والإدماج المهني والعمل على خلق توازن جهوي، وإن كانت لا تزال غير كافية.

وتبقى مسألة نجاح وصمود الحراك الشعبي في الجزائر نسبية جدًا، خاصة في الفترة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية التي كانت بتاريخ 12 ديسمبر 2019، وأفرزت نجاح عبد المجيد تبّون برئاسة الجمهورية. فبعد هذا التاريخ أصبحت مسألة استمرارية الحراك على المحكّ، وذلك في ظل ما بات يكتنفه من اختراقات واضحة لصفوفه وأهدافه وثوابته، وفي ظل معوقات تجعله يراوح مكانه ويفقد بريقَه تدريجيًّا، من أبرزها:

الحراك الجزائري يرفض أن يُؤطَّر ويختار ممثلين له، وهو ما يجعله اليوم في حالة أقرب إلى الضبابية والعشوائية، خاصة في ظل مناداة السلطة الحاكمة بالحوار الشامل، فكيف يجري الحوار مع الحراك في هذه الحالة؟

الشعارات الأيديولوجية المتناقضة، والتي أصبحت تعكس حالة من عدم الثبات والانسجام في المواقف والأهداف، وهي ظاهرة سلبية جعلت الحراك مهدَّدًا بالانقسام والإجهاض، ومحاطًا بالتخوين وعلامات استفهام عديدة.

انحصر الحراك بعد استقالة بوتفليقة في رفض مشاريع ومبادرات الحكومة دون تقديم بدائل واضحة أو استثمار في أدوات التغيير من خارج النظام، وبذلك فإن السلطة «استطاعت نقل السياق من الهَبّة الثورية إلى الرواق الإصلاحي الضيق، مما عُدّ نجاحًا للسلطة وفشلًا للحراك»، كما يقول نور الدين بكّيس، الباحث الجزائري المتخصص في علم الاجتماع السياسي.

والواضح اليوم أن الحراك قد أصبح مادة دسمة لكسب شرعية البقاء، ففي أول تصريح للرئيس الجديد المنتخَب، عبد المجيد تبّون، تحدّث عن عزمه على الشروع في حوار وطني شامل لا يُقصي أحدًا من الأطراف، ثم تم إقرار يوم 19 فبراير يومًا وطنيًا بوصفه ذكرى انطلاق الحراك الشعبي «المبارَك». ومهما يكن من شأن الظروف الراهنة المحيطة بالحراك الجزائري ومساعي السلطة لاحتوائه، يمكن القول عمومًا بأنه يشهد ضعفًا وضبابية وعدم تنسيق، وشعار «يتنحّاو ڤاع» أصبح من الماضي وغير صالح للمرحلة المقبلة.

النظام السياسي الجزائري يسير بنفس نمط الحكم منذ استقلال البلاد سنة 1962، والمطلوب من الحراك اليوم أن ينظم نفسه بدقة ويضبط أهداف المرحلة المقبلة، بعيدًا عن الإثنية والجهوية والتخوين والشعارات الأيديولوجية، وهذا قبل أن ينخرط في حوار متوازن لا ترجح فيه الكفة لصالح السلطة، وإنما يكون مَبعَثًا لحلقات مستمرة من التغيير السلمي، الإيجابي والملموس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد