السلام عليك.

شكرًا لسؤالك، في بداية إجابتي أحب أن أشير إلى أن الشخص الذي بلغ سن التقاعد لم يصل بعد لنهاية الحياة كما يحب أن يشير الآخرون لذلك، يتعاطف الناس مع من بلغوا سن التقاعد بشكل عاطفي ومؤثر زيادة عن اللازم؛ لأنهم بلغوا السن الذي يرى المجتمع أو بعض طوائفه أن الحاجة إليهم انتهت أو ما شابه، وهو درس قاس للمجتمع أن هذه أكذوبة فعلًا، لا تمت للواقع ولا للحقيقة بصلة، وكل من ينقلها أو يصدق فيها فهو يشجع كذبة على الاستمرار.

كم هو سن التقاعد أصلًا؟

يشير الكثيرون إلى أنه 60 عامًا أو 65 عامًا، أو في بعض الدول 55 عامًا، وفي بعض الدول هناك تقاعد مبكر عند 45 عامًا، وأحيانًا عند 40 عامًا؛ فالسن متفاوت، ولكن ما درج عليه هو 60 عامًا.

ولكن لِمَ التقاعد؟ ولماذا هذا السن؟

يشير أي نظام اجتماعي تشاركي خاص بالعمل إلى أن هناك سنًا يتقاعد فيها الموظف ويتقاضى معاشا كاملًا أو منقوصًا حسب عدد سنوات خبراته أو النظام الذي يتعامل معه، تقديرًا لجهوده وتكريمًا له، ليقضي ما بقي من حياته بعيدًا عن العمل، كما أن هناك عددًا كبيرًا من الدول لا توفر ذلك المعاش الاجتماعي، أو توفره بشكل ضئيل جدًّا لا يقارن بما يتقاضاه الموظف أصلًا.

نصل لنص السؤال وهو بماذا ننصح من يصل لسن التقاعد؟ دعني أسالك سؤالًا: هل من قضى أكثر من 30 عامًا يعمل ويتدرج في المناصب، ويدير بشكل ما ممتلكاته وأصوله المالية، ويدير عائلته التي أنتجت الآن أصلًا الجيل الثالث وهو جيل أحفاده، ترى أنه يريد النصيحة؟ هناك من يعمل أكثر من 40 عامًا أو 50 عامًا قبل أن يصل لسن التقاعد أصلًا، ويرى أن حقه فعلًا أن يرتاح ويستمتع بما بقي من حياته التي قد تستمر طويلًا ولا تنتهي، كما يربطها الناس بخروجه إلى المعاش.

حياتك ستبدأ ولن تنتهي كيف؟

بعد خطة ادخار طيبة، وحياة عائلية لطيفة، ومشروع زواج ناجح، وحياة طيبة، تقريبًا أنت كمتقاعد أوشكت على إتمام الجزء الأول من رحلتك، أليس كذلك؟ الآن لديك وقتك الخاص الذي تشاركك فيه زوجتك ويشاركك فيه أولادك من بعيد إن كانوا ما زالوا يقيمون أصلًا في دولتك نفسها، لديك الآن الوقت لتعيد الكثير من حساباتك، أليس كذلك؟

أحلامك التي لم تحققها، وخططك التي لم تنفذها، الآن وقتها، يمكنك الآن أن تكمل مراسم دينك، فتعتمر وتحج إن كنت مسلمًا، وتسافر إلى الدول التي حلمت أن تسافر إليها ولم تكن وقتها تملك السلعة الأثمن من المال، والتي لا تقدر بثمن، وهي الوقت.

لديك الآن الوقت لترفه عن نفسك، وتقرأ الكتب التي سمعت عنها، والتفاسير التي وددت كثيرًا أن تقرأها، تقضي مزيدًا من الوقت مع عائلتك، أن تدعو عائلتك كلها لقضاء يوم أو يومين معك، ستتخلي عن ضيقك الذي كنت تشعر به منذ سنوات أن لديك عملًا، و أن لديك وقتًا محددًا لقضائه معهم، الآن كل وقتك لهم ولك.

ستستمتع بكل لحظة مقبلة، ليس ذلك بخيار.

حسابيًّا مضى من عمرك أكثر مما بقي، فلو لم تستمتع بكل ما تفعله الآن فمتى الوقت؟ حققت كل أحلامك، ونفذت خططك المعلقة؟ تعلم شيئًا جديدًا.

أعتقد أنني في حالة وصولي لسن التقاعد سأتعلم الزراعة، كثيرًا ما رغبت في امتلاك حديقة جميلة ومميزة، وسأتعلم صيد السمك، الصيد بشكل عام ممتع وجميل، كما أنني سأرغب في تعلم إطلاق النار. قد أذهب في تعلم شيء جديد مثل القفر بالمظلة، إن كانت عظامي ما زالت سليمة، إن شاء الله.

سأنهي إجابتي بنصائحي التي سأكتبها لنفسي وساقرأها إن شاء الله عندما أصل لسن التقاعد الخاص بي، سأدير صندوق تمويل جماعي للعائلة تشاركي للأبناء – في حالتي بناتي «جميلة وليلى» – وأحفادي المستقبليين إن شاء الله، بحيث أي مشروع أو هدف أو خطة لدي أي فرد في عائلتي يمكن ببساطة أن يعتمد على التمويل الجماعي لتحقيقه، ولن أتقاضى فائدة ولا عمولة في سن التقاعد.

ليس معنى أنني وصلت لسن التقاعد أنني سأتوقف عن العمل، الأمر فقط سيختلف أنني سأعمل بطريقة مختلفة، إشرافية أكثر من كونها عملًا، لكونها وضع استراتيجية والعمل على تنفيذها، سأحاول أن أشارك وأشرك عددًا من الأصدقاء في ذلك العمل، فالعمل في ذلك السن يحتاج للسند، وليس هناك أجمل من الأصدقاء سند.

قد أتبرع بكل مكتبتي وقتها لمكان ما، أو أنشئ مكتبة خاصة لإقراض الكتب وقتها، وأشرف على المشروع حتى يرى النور، أنا أملك أكثر من 6 آلاف كتاب في مكتبتي في القاهرة وفي الدوحة، ولا أرغب في أن أورث كل هذا الكم لبناتي، يكفيهم جزء صغير وأتبرع بالباقي للعامة ليقرأوا منها كيفما شاءوا.

النصيحة الأخيرة التي أوجهها لمن بلغ سن التقاعد ولنفسي عندما أبلغ سن التقاعد: لا تتوقفوا عن عمل الخير ولا مساعدة الغير، يمكنك المشاركة بوقتك، وبجهدك، وخبرتك، وعقلك الذي وصل لقمة نضجه في ذلك الوقت، فلا تردد وراءهم أنك ضعيف وأصبحت الآن شيخًا تحتاج من يخدمك، طالما نفخ الله في روحك وطالما تسعى في الأرض فاحرص على أن تكون أوقاتك كلها أو معظمها مليئة بالخير والمحبة للناس، قد تبدو نصائحي من سني الحالي غير ملائمة لمن تخطوا سن التقاعد، ولكنني أجيب في كيورا وفقًا لما أملكه حاليًا من خبرات، ولا أدعي أن الإجابة تصلح فعلًا، ولكن عليك السعي وليس عليك حتمًا الوصول.

أرجو أن تفيدك الإجابة بشكل ما! في وقت لاحق سأحدث الإجابة إن شاء الله! لكن إلى أن يحين ذلك تقبل مودتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد