أطلق الروس عشرات التصريحات من تاريخ توقيع اتفاقية سوتشي بشأن إدلب،  منذ يوم 17 سبتمبر (أيلول) 2018 وإلى اليوم، عشرات التصريحات التي تبين بشكل سافر وواضح نيتهم الأكيدة لاسترجاع إدلب وإعادتها إلى نظام الأسد.

كان أشهر هذه التصريحات، ما قاله وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يوم الأربعاء 13 من فبراير (شباط)، إنه لا يوجد اتفاق ضمني في الحفاظ على «الجيب الإرهابي في إدلب»، بمعنى أن اتفاق «سوتشي» الذي وقع في سبتمبر الماضي بخصوص المحافظة «مؤقت».

وأضاف لافروف، في تصريحات نقلتها وكالة «ريا نوفوستي» الروسية، وترجمتها عنب بلدي، «نص الاتفاق بين رئيسي روسيا وتركيا على حل مشكلة منطقة إدلب، وهو اتفاق مؤقت، وجرى تأكيده مرتين في الاجتماعات التي عقدت بين قادتنا في الأشهر الأخيرة».

كما قال لافروف إن روسيا ستدعم الجيش السوري في معاركه لتحرير كافة الأراضي السورية المتبقية خارج سلطة الدولة السورية، وأنه يجب القضاء على البؤر الإرهابية في إدلب، وأن اتفاق سوتشي كان مؤقتًا.

ما يُستنتج من مسلسل التصريحات الروسية بشأن اتفاقية سوتشي الخاصة بإدلب خلال سنة ونصف من 17 سبتمبر 2018 حتى هذه اللحظة هو أنهم نفَّذوا حرفيًّا كل ما قالوه، ولم يأخذوا بعين الاعتبار شريكهم الضامن الثالث ولم يحسبوا له أي حساب، ولم يُقيموا له أي وزن.

مما يؤكد أنهم لا يعرفون شيئًا اسمه الصداقة، وأنهم لا يرعون عهدًا ولا ذمة، وأنهم جاؤوا إلى سوريا بهدف ديني بحت، حيث إن بابا الأرثوذكس بارك قدومهم وشجعهم على ذلك وصلى لأجلهم، وأن هدفهم الثاني البعيد هو استعادة القسطنطينية، وسيستعيدونها إن عاجلًا أو آجلًا.

وسيفتحها المسلمون مرة أخرى حسبما تنبأ بذلك خير البشرية الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو وحي يوحى له، صلى الله عليه وسلم.

يقول الحديث المشهور:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: هَلْ سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالَ: فَيَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا، – قَالَ ثَوْرٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: جَانِبُهَا الَّذِي يَلِي الْبَرَّ ثُمَّ يَقُولُونَ الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الْآخَرُ ثُمَّ يَقُولُونَ الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَيُفْرَجُ لَهُمْ فَيَدْخُلُونَهَا فَيَغْنَمُونَ فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ إِذَا جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ: أَنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ. حديث صحيح.

يقال إِن هذه المدينة هي القسطنطينِية قد صحت الرواية إِنّ فتحها مع قيام الساعة.

وقد سبق أن نشرت مقالة مفصلة حول هذا الموضوع بعنوان: «هل سيسترجع قيصر روسيا القسطنطينية؟»، يمكن لمن لم يطلع عليها أن يجدها في الرابط.

ولكن المهم هو أن ما يجري في شمال سورية من قتال مبرمج ليس إلا تمثيليات هزلية «كوميدية»، ومسرحيات حزينة «تراجيدية»، وسيرك يُلقي فيه اللاعبون حبالهم وعصيهم ليسحروا أعين الناس بناء على سيناريو مكتوب ومُعطى لكل ممثل دوره الخاص به يؤديه أمام النظارة كما رُسم له حرفيًّا، فيسترجعون بلدة فيدخلونها وينسحب العدو منها – حسب الخطة المحكمة – فتصبح البلدة صديقة، ثم يعود العدو فيدخلها مرة أخرى – بعد سويعات قليلة وحسب السيناريو المكتوب – فينسحبون منها وتصبح البلدة عدوة ثانية، وهكذا دواليك.

وتصدر التصريحات المتضاربة والمتناقضة والمتعاكسة من هنا وهناك حسب السيناريو المكتوب، ويصدق أكثر الناس – إلا قليلًا – هذه الألاعيب السركية وينخدعون بها ويصفقون لها ويمجدون هذا ويثنون على ذاك، وطالما هكذا أمة تقبل أن تُخدع ويُضحك عليها، فتستحق مزيدًا من البلايا والرزايا تطرق رؤوسها حتى تصحو من سكرتها. «وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمࣲ لِّلۡعَبِیدِ».

علمًا بأن روسيا لا تقاتل في سوريا من أجل عيون بشار، وإنما تقاتل في سبيل عقيدة ودين، فهي مدعومة ومؤيدة من بابا الكنيسة الأرثوذكسية، وجاءت بدافع صليبي محض تريد منع قيام أي حكم حر، وأي حكم يؤدي إلى سيطرة المسلمين عليه، وأي حكم يهدد أمن الكيان اليهودي، وهدفها الاستراتيجي البعيد هو استرجاع القسطنطينية.

روسيا جاءت إلى سورية لتبقى أبد الآبدين، عينها اليسرى على دمشق وعينها اليمنى على إسطنبول، ولن تخرج بالمفاوضات ولا بالتمثيليات والمسرحيات التي تجري حاليًا في الشمال، ستخرج حينما تراق دماء الروس على جوانب الطرقات مدرارًا كما أريقت على أرض أفغانستان، على يد جيش محمد التوحيدي الذي لا يتلقى الأوامر إلا من الله وحده ولا يخضع إلا لله وحده. وهذا الجيش المحمدي – للأسف – غير موجود حاليًا، ويحتاج إلى زمن طويل لإعداده وتشكيله.

روسيا لن تُفسد خطتها بالاشتباك مع تركيا، ولكنها ستفرض ما تريد على الأرض بقوة سلطانها وجبروتها الصوري كما أن الأخيرة لا تريد أن تخسر مصالحها مع الأولى، ولذلك لن تشتبك معها، والمليشيات الأسدية ستستمر في التقدم والسيطرة على مزيد من الأراضي – حسب الخطة المرسومة – وسيستمر التهديد والوعيد والتصريحات النارية العنترية هي سيدة الموقف للتغطية على تقدمها ولامتصاص غضبة الناس الطيبين البسطاء المقهورين المخدوعين.

ولن يأتي يوم 15 مارس (آذار) القادم إلا وقد عادت إدلب بأكملها أو معظمها إلى حظيرة الأسد.

والذين لا يصدقون هذا نقول لهم، كما قال تعالى: «وَٱنتَظِرُوۤا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ».

وها قد طلع الصباح، وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح، طلع الصباح وظهرت الوجوه القبيحة، وجوه الخائنين المنهزمين المدبرين الهاربين الذين لم يكتفوا بتسليم أرضهم وديارهم بل سلموا وثائقهم ومستنداتهم وأسرارهم، طلع الصباح وكشف خسة ودناءة ونذالة قيادات الفصائل المسلحة التي كانت تحمل أسماءً براقة مثل «فيلق الشام» و«تحرير الشام» وأخواتها، والتي أمرت جنودها بالانسحاب وترك كل شيء للأعداء. سحقًا لهم وبعدًا.

لم يذكر التاريخ قط أن الثوار الفيتناميين أو الكوريين أو الأفغان، أو أي ثوار آخرين، قد خانوا شعبهم كما خان الثوار السوريون شعبهم، ولم يسلموا بلادهم كما سلم الثوار السوريون بلادهم عشرات المرات، لماذا فعلوا ذلك؟ لأنهم أُشربوا في قلوبهم العجل والخيانة والنذالة بكفرهم وفسقهم، فبئسما يأمرهم به إيمانهم إن كانوا مؤمنين.

يا ويلهم من عذاب الله الشديد، يا بؤس سوريا بهؤلاء الخونة الأنذال المرتزقة. وعلى هذا، فإن السوريين لن يذوقوا طعم النصر والحرية والخلاص من نظام الأسد، ولا في الأحلام ولو بقوا أبد الآبدين يردحون ويدندنون ويهتفون بسقوط النظام، طالما أنهم لا يواجهون الأعداء بالمقومات نفسها التي لديهم، طالما أنهم لا يقاتلونهم عن عقيدة ودين، وإنما يقاتلون لأجل لعاعة الدنيا أو لأجل التراب، أو الأرض أو استجابة لأوامر من يدفع لهم المال.

فالحديد لا يفله إلا الحديد، والعقيدة لا يقابلها إلا عقيدة، والسلاح لا يقابله إلا سلاح، فإذا كان السوريون لا يملكون عقيدة يقاتلون لأجلها ولا يملكون سلاحًا يكافئ سلاح الأعداء، فكيف سينتصرون؟ بأن يرفعوا أيديهم إلى السماء، فلن يستجيب لهم رب السماء؛ لأنه وضع قانونًا أبديًا سرمديًّا لا يجامل أحدًا.

«یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ یَنصُرۡكُمۡ وَیُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد