يخطئ من يظن أن الحياة تسير على نمط واحدٍ، وشاكلة واحدة، فالله قد خلق الأيام وجعلها دولًا بين الناس مؤمنهم وكافرهم وفقًا لنواميس أقرها في كونه ومخلوقاته وأقداره «وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» آل عمران 140، فيومٌ لك ويومٌ عليك، يومٌ تغمره السعادة، ويومٌ مَشوبٌ بالحزن، ويومٌ يتنفس السكينة وآخرُ يلهج بالغضب، ويومٌ في علوٍ ويومٌ في انخفاض…، لكنّ الحكيم من أدرك أنّ العزة في كل هذا والسكينة إنما هي في كنف الله مهما كانت حاله ومآلاته.

لقد عايشت كثيرًا من البشر ورأيت كثيرًا من الشعوب والثقافات، وخضت كثيرًا من التجارب وسمعت أكثر منها، فما رأيت أشد على الإنسان من الجهل والعجلة وفقدان البصيرة ولم لا؟ وقد وصف الله تعالى الإنسان في كتابه: «خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ» الأنبياء 37، نعم إنها الفطرة التي أوجدها للابتلاء والاختبار، ولكنه سبحانه قد قومها بما هو أعظم، فلا تستقيم نفس إلا بالعبادة ولا تطمئن إلا بالتقوى ولا ترى بنور الله إلا إذا استمدت بصيرتها من طاقة الإيمان.

لذلك كان الاستثناء العجيب لهذه الفئة من الناس ولا والله أظن هناك أعظم من هذا الاستثناء في كتابه «إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا*إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا*إِلا المُصَلين» سورة المعارج، فميزان الحكمة والبصيرة مرده للعبادة والقرب من الله والعيش في كنفه، وميزان الطمأنينة مرجعه لكتابه وذكره ودعائه «ألا بذكر الله تطمئن القلوب».

امحها يا عليّ…

نعم امحها يا عليّ وانظر لما هو خير من ذلك وما هو أعظم وأفضل، إنه ذلك التعبير العظيم الذي لم يعه كبار الصحابة في صلح الحديبية، وما فيه الحكمة التي افتقدناها في زمننا هذا ففقدنا الكثير من الأشياء الجميلة، وخسرنا الكثير من العمر بلا فائدة، وفوتنا نعيمًا عظيمًا ما كان ليفوت إلا لاستعجالنا الثمار قبل نضجها وقطافها، وضاعت علينا الكثير من مواطن النهضة والنصر والفوز على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول سواء بسواء.

أورد الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ، يَقُولُ : كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الصُّلْحَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: لَا تَكْتُبْ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: امْحُهُ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ، فَمَحَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ» انتهى من الحديث.

فالحكمة تقتضي بصيرة الإنسان بالواقع الذي يعيشه، واستشراف المستقبل بما سيكون وفقًا للأحداث والأسباب التي تحيط به، لقد وعى النبي صلى الله عليه وسلم وهو القائد الحكيم أن قريشًا لن تحفظ عهدًا؛ نظرًا للاستعلاء والكبر الذي يحيون به على سائر العرب، كما وعى حاجة المسلمين للاستعداد والتجهيز القوي لفتح مكة، ليس هذا فحسب بل أدرك النبي حكمة سهيل بن عمرو خطيب قريش ومبعوثها إليه، والذي كان يفاوضه بالصلح، فأراد صلى الله عليه وسلم استمالته للإسلام باستيعابه ومخاطبته قدر عقله وبما يعي، ضاربًا أروع الأمثلة في التواضع بغير مداهنة في الدين أو التخلي عن الثوابت والعقيدة. لم يستطع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه أن يمحو صفة النبي صلى الله عليه وسلم كونه «رسولا من عند الله» واستعظم الأمر في نفسه وما كان ليفعل؛ للعزة التي تملأ عليه جوانبه، والقوة التي يستشعرها من عبوديته لله ومن مصاحبة نبيه والتصديق التام به، والإيمان الراسخ في قلبه برسالته ونبوته، ولكنّ النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلم عليًّا وكبار الصحابة رضوان الله عليهم درسًا عظيمًا، وهو أنّ المسلمَ مطالبٌ بالنظر لما هو أبعد وليس فقط لما هو بين يديه وتحت قدميه.

وها هي الأيام وأيم الله تثبت حكمته صلى الله عليه وسلم وبصيرته وبعد نظره وإلمامه بكل شيء، فيشتد ظهر المسلمين ويقوى عودهم، فتنقض قريش الصلح وتُفتَحُ مكةُ ويُسلمُ سهيل بن عمرو، ويصبح منافحًا عن نبيه خطيبًا للإسلام ومن أشد المدافعين عنه وراويًا لسنة رسوله.

فكم نحتاج لها في زمننا هذا «امحها يا عليّ»، كم نحتاجها بين الزوج وزوجته، بين الأخ وأخيه، بين الأب وولده، بين الجار وجاره، بين ذوي القربى وعامة الناس، بين الرئيس والمرؤوس والحاكم والمحكوم، وبين القائد وجنده، دون إفراطٍ ولا تفريط، ولكن بحكمةٍ تُصلح، ودون مداهنةٍ ولكن بحجةٍ تُقنع.

إنّ نعمة الفهم وسعة الأفق والبصيرة والحكمة لهي من أعظم نعم الله على العبد فقد مدح الله بها أنبياءه ومن اصطفاهم من عباده، فهذا داوود يثني عليه ربه بقوله: «وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ» ص(20)، وذاك سليمان «فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا» الأنبياء (79)، وهناك الخضر يفارق موسى في سفره ويأبى مصاحبته لاستعجاله: «قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا» الكهف (78)، وهنا يوسف رغم كل ما حدث معه إلا أن سعة أفقه وحسن بصيرته جعلته يرى النجاة من المعصية في السجن وهو النبي الحر الصادق: «قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ» سورة يوسف (33).

نعم امحها يا عليّ، فكم من أخٍ فقد أخاه لأجل كلمة، وكم من زوجة هدمت بيتها لغضبها، وكم من أبٍ ضيّع أبناءه استعجالا للحصاد، وكم من حاكمٍ انتزع ملكه بسبب نظرته القاصرة، وكم من تاجر خسر تجارته طمعًا في كمال الربح، وكم من ولد ضاع مستقبله وعقّ والديه إثباتًا لرجولته، وكمٍ من فتاة دمرت حياتها رغبة في التقليد الأعمى لمن لا ينتمين لدينها ولا هويتها؟! فأي هلاك أصابنا وأصاب مجتمعاتنا وأمتنا لعدم امتلاكنا قلمًا يمحو وقلبًا سليمًا يبصر وعقلًا يعي؟!

فيا معشر من حمل السيف في موضع اللين وفقد الحزم في موطن الشدة، اعلم أنك لن تفلح إلا إذا استقامت الموازين، ولن تسع القلوب إلا بالحب، ولن تكسب الرجال إلا بالتجاوز عن الخطايا، ولن تملك المرأة إلا بالحلم، ولن تخضع لك الدول إلا بالحكمة، ولن تطأ الجنة إلا بالعفو… فاجعلها شعارًا لحياتك وليهتف بها قلبك كلما نسيت… امحها يا عليّ.

ولا أجد ختامًا لمقالتي هذه أعظم من قوله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة وهم من أخرجوه من أرضه وآذوه وعذبوه: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» تلك الكلمات التي لخصت أخلاق نبي، وحكمة قائد، وتواضع إنسان، ورحمة دم، ووفاء ذمة، فما أعظمك! وحُقَّ لنا أن نقرأها ونشدو بها ليل نهار «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» القلم (4). فهل وعينا الآن لماذا قال لهم ذلك؟ ولماذا عفا يوسف عن إخوته رغم كل ما لاقاه منهم «قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» إنها والله الحكمة وحسن البصيرة التي ترى بنور الله، فيا حظ من امتلكها وعمل بها.. امحها يا عليّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

امحها
عرض التعليقات
تحميل المزيد