عانت المرأة على مرِ العصور من شتى أنواع الظلم والاضطهاد والحرمان والنبذ والسلب لحقوقها، فكانت الكثير من المجتمعات تعد إنجاب الأنثى بمثابة فضيحة وعار للأسرة والقبيلة، وكان الكثير من الآباء يظلُّون في حالة خوف وهلع طيلة فترة حمل زوجاتهم، خائفين من أن يكون المولود الجديد أُنثى، خائفين من أن تحلَّ اللعنة على رؤوسهم وتنقلب حياتهم رأسًا على عقب لما ستتسبب به الأنثى من جعلهم يشعرون بالعار والغضب والغصة والنفور، وإذا حدثت الفضيحة؛ أي ولادة الأنثى، فلوالدها الحق في تقرير مصيرها، فإما أن يقتلها، وإما يدعها تعيش مُهانة منذ لحظة ولادتها إلى أن تفارق الحياة.

فهل أعطى المجتمع الجاهلي للمرأة حقها أم سلبه؟ وما القيم التي أعطوها للمرأة؟ هل هي قيم ترفع من شأنها ومكانتها في مجتمعها؟ أم أنها كانت بلا قيمة، مذلولة ومضطهدة ومهانة؟

انقسم المؤرخون بشأن الإجابة عن هذه الأسئلة إلى قسمين، فمنهم من يقول إن المرأة وصلت إلى مكانة عالية في المجتمع الجاهلي، واستدلوا على رأيهم هذا بأن جميع شعراء الجاهلية وخاصة أصحاب المعلقات كانوا يبدؤون قصائدهم بذكر المرأة أي التشبيب بها، مما يدل على حبهم للمرأة، وكان بعضهم لا يخاف الحرب بقدر خوفه من بكاء محبوبته، كما يقول عنترة في عبلة:

يا عَبلَ لا أخشى الحِمَام وإِنَّما… أخشى عَلى عَيَنيكِ وَقتَ بُكاكِ

وكان يحرص الرجل العربي على كرامة المرأة، فكانت تُقام الحروب من أجل امرأة، مثل حرب الفجار الثانية بين قريش وهوازن، وكانت بسبب استنجاد امرأة بآل عامر للذود عن شرفها.

وقد ذكر بعض المؤرخين أن العرب كانت تسمي أصنامهم بأسماء الإناث، كإله للات والعُزى والمناة، وذلك إعلاء لشأن المرأة آنذاك.

لكن من كان يمتلك الحُجَّة الأقوى هم المؤرخون الذين قالوا بأن المرأة كانت مهانة حتى الحضيض في المجتمع الجاهلي، كانت مهانة منذ ولادتها؛ لأن الأنثى آنذاك كانت تعد بمثابة الفضيحة للأسرة والقبيلة، حيث ذُكر بالقرآن الدليل على ذلك بقول الله تعالى في سورة النحل «وإذا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القومِ مِن سُوء مَا بُشِّرَ بِهِ أَيمسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَم يَدُسُّه في التراب ألا سَاءَ مَا يَحكمون» (58-59)

تخبرنا الآية الكريمة بردة فعل الأب عند تبشيره بالأنثى، فكان يظلُّ وجهه مسودًا من كراهته لها، ويملؤه الغم بولادتها، ويتوارى عن أبناء جنسه؛ لأنه قد افتُضِح من سوء من بُشِّر به، وبعدها له حق في تقرير مصيرها إما أن يتركها حيَّة لتعيش بذل وإهانة، وإما أن يوئدها.

وأشارت الآية أيضًا إلى جريمة الوأد التي كانت ترتكب بحق الإناث.

فماذا نعني بالوأد؟ وهل كان منتشرًا في المجتمع الجاهلي؟ وهل جميع القبائل كانت تفعله؟ من الذي ينفذه؟ وبأي عمر يقومون بوأد الأنثى؟ وكيف تكون جريمة الوأد؟ وما الذي يدفعهم لارتكاب هذه الجريمة؟

كلمة الوأد مرتبطة دائمًا بالأُنثى، فالوأد يرتكب فقط بحق الأنثى، ونقصد بوأد الإناث أن يحفر والد الأنثى حفرة لها يضعها بها ثم يهيل عليها بالتراب ثم يذهب، أي أنه يدفنها حيَّة، وبالعادة لا ترتكب هذه الجريمة بعمر محدد؛ أي إن بعضهم يُوئد ابنته عندما يتراوح عمرها ما بين السادسة والسابعة، ومنهم من يقوم بوأد الأنثى بعمر الشباب، ومنهم في سن الطفولة، ومنهم من يوئدها فور ولادتها.

كانت عادة الوأد مشهورة عند بعض القبائل دون غيرها، ومن أشهر القبائل التي كانت ترتكب هذه الجريمة هي قبيلة بني تميم.

بدأت فكرة الوأد حسب ما ورد في كتاب محمد عبد المقصود «المرأة في جميع الأديان والعصور» عندما منعت قبيلة بني تميم إعطاء الإتاوة المفروضة عليهم للنعمان بن المنذر ملك الحيرة الذي جرَّد حملة لهم وسَبَتْ نساءهم، وعندما ذهب وفد من بني تميم ليفاوض النعمان بشأن النساء، فوافق النعمان بردِّ النساء بشرط موافقتهم على ذلك، وكان من ضمن هؤلاء النسوة بنت قيس بن العاصم – أمير بني تميم – التي اختارت مَنْ سباها على زوجها، وبعدها أقسم قيس على أن يدفن كل فتاة تولد، وفعل ذلك، واقتدى به قومه.

وبما أن المجتمع تحكمه السلطة الذكورية آنذاك؛ فكان الرجل هو صاحب السلطة وله الحق بتقرير مصير الأنثى، سواء كانت ابنته أو زوجته.

أما الأسباب التي كانت تدفع الأب لوأد ابنته فهي عدَّة، منها الخوف من العار والسَبي كما حدث مع سبي نساء قبيلة بني تميم، وإلا لماذا لا توأد الذكور؟

وأما الآخر وهو بسبب الوضع الاقتصادي السيئ والفقر المدقع الذي كانت تعيشه شبه الجزيرة العربية آنذاك، فكان الذكر هو مصدر الإنتاج؛ لأنه كان يرعى ويشارك بالغزوات والقتال، أما المرأة فكانت تشكل عبئًا على الأسرة لأنها لا تعمل ولم تكن مصدر إنتاج، لكن كيف نفسر وأد الأغنياء لبناتهم؟

وبالنهاية كانت تقتل الأنثى فقط لأنها أنثى، ولم يكن لها الحق بأن تعيش بكرامة تمامًا كالذكر، فكان يسلب منها أبسط حق لها، وهو البقاء على قيد الحياة، ومن غير المنطق أن يُسلب حق الإنسان بالحياة لإن الله خلقه أنثى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد