وبعد استعراضنا للرواية الأولى في القسم الأول، والتي بان حالها فيه، نشرع الآن في بيان حال الرواية الثانية في هذا القسم: وهي عبارة عن خبر لصفوان الجمال، وقد رويت بالصيغة التالية: عن جماعة عن التلعكبري، عن محمد بن علي بن معمر، عن علي بن محمد بن مسعدة، والحسن بن علي بن فضال، عن سعدان مسلم، عن صفوان الجمال، قال: قال لي مولاي الصادق علي السلام في زيارة الاربعين تزور ارتفاع النهار، وتقول: السلام على وليّ الله وحبيبه.. وذكر الزيارة، إلى أن قال: «وتصلّي ركعتين، وتدعو بما أحببت، وتنصرف» (1).

وهذه الرواية واضحة وصريحة في الزيارة، إلا أنها ضعيفة السند، ففيها ثلاثة مجاهيل: الأول: محمد بن علي معمر (2) وقد حاول البعض توثيقة بأنه من مشايخ المحدث الكليني أو أنه من مشايخ الإجازة، وهذا لايصح إذ إن هذا لا يثبت توثيقًا في علم الحديث، ومنهم من تعلق في ثناء ابن النديم (3) عليه، وهذا لا يثبت توثيقًا أيضًا إذا إن مطلق المدح لا يثبت ذلك إلا إذا كان ذلك المدح في طريقته في نقل الحديث على وجه الخصوص، وإلا فلا، وأما الثاني فهو محمد بن مسعدة (4) وهو مهمل، ولكن إهماله لا يضر لمشاركته في الرواية الحسين بن علي بن فضال.

وأما الثالث: فهو سعدان بن مسلم فهو مجهول الحال، وبهذا لا يمكن أن تقوم لهذا السند قائمة، وأما الرواية الثالثة فهي بلا سند أصلا فقد جاء في بحار الأنوار للعلامة المجلسي 98/ 329 ما نصه: وقال عطا، وهو عطية الكوفي: «كنت مع جابر بن عبد الله يوم العشرين من صفر فلما وصلنا الغاضرية إغتسل في شريعتها ولبس قميصًا – وكان معه طاهرًا – ثمّ قال لي: أمعك شيء من الطّيب يا عطا؟ قلت: سعد، فجعل منه على رأسه وساير جسده ثمّ مشى حافيًا حتّى وقف عند رأس الحسين «عليه السلام» وكبّر ثلاثًا ثمّ خرّ مغشيًّا عليه، فلمّا أفاق سمعته يقول: اَلسَّلامُ عَلَيْكُمْ يا آلَ اللهِ .. الخبر»، ولو نظرنا إلى متن الرواية فإنه حتى وإن صحت زيارة جابر بن عبد الله الأنصاري للقبر فإن ذلك لا يعد تشريعًا، ولايعد دليلًا لزيارة هذا القبر، إذا إن أدلة الشرع معروفة فهي لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم من أين لجابر بن عبد الله الأنصاري أن يعرف مكان القبر دون وجود الدليل.

فالحسين سلام الله عليه دفن وهو مقطوع الراس دون تمييز له عن غيره من الأصحاب الذي دفنوا بجانبه، وقد عرفت أن الذين تولوا دفن جثة الإمام الحسين وبقية أصحابه هم قبيلة بنو أسد، ولا يوجد في الرواية ما يشير إلى حضور أحد من بني أسد مع جابر بن عبد الله الأنصاري ليدله على موضع قبر الإمام الحسين سلام الله عليه، هذا على فرض أنهم يعرفون موضع قبر الإمام الحسين سلام الله عليه، ومن جهة أُخرى فإن جابر بن عبد الله الانصاري إن كان في المدينة، أو مكة، أو في أي مكان من أرض نجد، أو الحجاز، فإن وصول خبر مقتل الإمام الحسين إليه وهو في تلك الديار، ومن ثم مسيرتهُ نحو كربلاء لزيارة قبر الإمام الحسين، يحتاج إلى أكثر من 40 يومًا، بل ليس أقل من 60 يومًا، فالزيارة لموضع القبر ممكنة، ولكن أن تكون يوم الأربعين من مقتل الإمام سلام الله عليه فهذا من المستحيلات، ثم إن الزعم بأن ركب أهل البيت التقى جابر بن عبد الله الأنصاري عند موضع القبر في العشرين من صفر زعم لا يصدر إلا من رجل مهوس بالقبور، ولقد روى ابن طاووس روايتين متناقضتين في هذا الشأن، فزعم في الأولى بأن ركب أهل البيت قد التقى جابر بن عبد الله الأنصاري عند قبر الإمام الحسين في العشرين من صفر، وذلك أن زينب عليها السلام طلبت من حادي الركب أثناء مسيرتها من دمشق أن ينحرف بمسيره إلى كربلاء، وزعم في الرواية الثانية بأن ركب أهل البيت قد توجه إلى المدينة المنورة (5)، وهذا هو الصواب إذ إن الطريق إلى المدينة يختلف ويفترق عن الطريق الذي بين دمشق وكربلاء، ثم إن ركب آل البيت سلام الله عليهم، حتى وإن قدر لحاديهم أن يذهب بهم إلى كربلاء، فإن ذلك يحتاج إلى أكثر من 60 يومًا، إذ إن أهل البيت بما فيهم علي بن الحسين سلام الله عليهم قد حملوا إلى عبيد الله بن زياد في قصر الكوفة، وقد مكثوا عنده أكثر من 20 يومًا، لأجل أن يطلب عبيد الله بن زياد الإذن من يزيد في حمل ركب أهل البيت، ثم بعد أن حمُلوا إلى يزيد في الشام، مكثوا فيها أكثر من شهر، فهذا يلزم مدة لا تقل عن 60 يومًا، وبذلك يستحيل وصولهم إلى موضع القبر في العشرين من صفر (6)

لذلك يمكننا القول إن زيارة الأربعين ليس لها أصل تأريخي ولا سند روائي، وليس هنالك صحة في زيارة عبد الله بن جابر الأنصاري، ولا أهل البيت سلام الله عليهم لقبر الإمام الحسين المزعوم في كربلاء، وإنما ذلك من المخترعات التي وضعها الوضاعون في القرن الخامس الهجري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد