أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي فاتح دونماز، الأربعاء 14 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وصول سفينة التنقيب «أوروتش رئيس» إلى منطقة عملها شرقي المتوسط، وذلك بعد أن أصدرت البحرية التركية إخطارًا في ساعة متأخرة من مساء الأحد الماضي قالت فيه إن السفينة التركية ستجري مسحًا زلزاليًا في شرق البحر المتوسط خلال العشرة أيام المقبلة.

الخطوة من المرجح أن تُجدد التوترات مع اليونان، وقد جذبت السفينة التركية أنظار الكثيرين، مع ما تعكسه من مصالح متعارضة في منطقة تتشابك فيها المصالح والتحالفات، وتلقي السطور التالية الضوء على السفينة التي تبحر في خضم أمواج جيوسياسية لا تهدأ

أوروتش رئيس.. استلهام أمجاد الماضي لمواجهة تحديات الحاضر 

لطالما كانت منطقة البحر المتوسط وما حولها مسرحًا لصراعات على النفوذ والثروة والهيمنة في الماضي والحاضر وربما المستقبل، وتُذكِّر تركيا العالم من خلال إرسال سفينة المسح السيزمي بماضٍ تليد وذكريات الدولة العثمانية، يجسدها الاسم الذي اختارته للسفينة: أوروتش رئيس، والذي يعود لاسم بحار عثماني صال وجال في تلك المنطقة الملتهبة لسنوات طوال وسطَّر بطولات في واحدة من أكثر صفحات التاريخ إثارة للاهتمام خلال الفترة من 1500-1650م.

دولي

منذ شهر
من محمد الفاتح إلى أردوغان.. بانوراما العلاقات التركية اليونانية في 500 عام

أوروتش رئيس هو أحد الأسماء التي عرف بها عروج بن أبي يوسف يعقوب التركي، ولد سنة 1474م في جزيرة ميديلي التركية، وكان أصحابه ينادونه «بابا» احترامًا له، كما عُرف بلقب الرّيّس، ويعني: القائد البحري، وهو الشقيق الأكبر للقائد البحري العثماني المشهور خير الدين بربروس، بالإضافة إلى أخوين آخرين هما: إسحاق وإلياس.

في ميزان التاريخ.. بحار عظيم أم زعيم عصابة؟

في كثير من الكتابات الغربية، يصف المؤرخون عروج (أو أوروتش) وأخيه خير الدين بوصفهم قراصنة بنوا ثرواتهم ونفوذهم من القرصنة، فيما وصفه كُتاب عرب ومسلمون، كما في كتاب «مائة من عظماء الإسلام غيروا التاريخ» بأنه كان «بطلًا عظيمًا أنقذ آلاف المسلمين الأندلسيين، وأخرجهم من الأسر في السجون الإسبانية إلى شمال إفريقيا». 

لكن لم يختلف الطرفان حول بطولاته وتكتيكاته العسكرية المثيرة للإعجاب، وكما جاء في كتاب «تاريخ القرصنة في العالم»، أن المؤرخ الفرنسي دي جرامون وصف بابا عروج قائلا «إن الكثير من المؤرخين لا يرون في عروج إلا زعيم عصابة، وإنّني لا أعرف حكمًا جائرًا مخالفًا للحقيقة كمثل هذا الحكم، لقد كانت بداية أمره سعيدة وكان انتصابه بالجهة الغربية يسمح له بإلقاء المهاجمين الإسبانيين إلى البحر لولا أن قُتل بسبب خديعة حلفائه، ولقد مات، كما يقول المؤرّخ الإسباني هايدو: مأسوفًا عليه كل الأسف مِن جميع الذين انضووا تحت رايته وعملوا تحت لوائه». 

السفينة.. حُلم تركي تحقق وطموحٌ ينتظر 

من وجهة نظر تركية، تمثل سفينة أوروتش ريس خطوة في طريق طموح يتمثل في تعزيز المُقدرات التركية والحفاظ على حقوقها، وكما يقول جانكات أوزن، قبطان سفينة أوروتش رئيس، في حديثه لوكالة الأناضول، فإن العمل في سفينة مسح تركية كان حُلمًا تحقق أخيرًا، وأضاف القبطان: «عندما كنا نسافر إلى دول أخرى ونرى سفنها التي تقوم بعمليات المسح السيزمي، كنا نتساءل عما إذا كانت بلادنا ستمتلك يومًا ما مثل هذه السفن أيضًا، وكنا نحلُم بهذا. الآن، حققنا حلمنا». 

تركيا في أفريقيا

وتحتوي السفينة على مركبة غاطسة محلية الصنع تُدار عن بعد، ولها أنظمة رسم خرائط قاع البحر، وأنظمة قياس وأخذ عينات، وكذلك تحتوي أيضًا على مختبرات جيولوجية وعلم محيطات، ويبلغ عدد طاقمها 55، منهم 24 من البحارة و31 من الإداريين والباحثين، ويمكن للسفينة إجراء عمليات سيزمية ثلاثية الأبعاد يصل عمقها الى 8 آلاف متر، وعمليات سيزمية ثنائية الأبعاد يصل عمقها إلى 15 ألف متر.

خريطة العقبات الجيوسياسية في مواجهة أوروتش رئيس 

تقع مهمة التنقيب عن النفط والغاز الموكلة للسفينة في منطقة متنازع عليها بين اليونان وتركيا؛ إذ تعتبر اليونان أن بعضًا من المنطقة ينتمي إلى ما يسمى جرفها القاري «كاستيلوريزو»، وهو ما ترفضه تركيا بدعوى أن المنطقة بعيدة للغاية عن البر الرئيسي لليونان

تتداخلحدودالجرفالقاريلكل من تركياواليونانالعضوينفي حلف الناتو وتتشابكمَطالبهمابالأحقيةفيموارد الطاقة المحتملة في شرق المتوسط. هذا التنازع على المناطق الاقتصادية الخالصة كرسته ما يسمى بـ«خريطة إشبيلية» كما ذهب تحليل لمجلة فورين بوليسي، ذكر أنه «من وجهة نظر تركيا فإن الحدود البحرية الفعلية لشرق البحر المتوسط غير قانونية وتحرم تركيا من الحصول على جزء من منطقتها البحرية، لذلك ترى تركيا إن ترتيبات المنطقة لتطوير الغاز الطبيعي بالاعتماد على هذه الحدود هي ترتيبات غير شرعية، وعليه تعتبر تركيا أفعالها دفاعًا عن القانون الدولي».

دولي

منذ شهر
لماذا لا يمكن لقادة أوروبا طرد تركيا من جنة الناتو؟

وأوضحت المجلة أن «الانقسام الحادث يرجع إلى ما يسمى بـ «خريطة إشبيلية» التي ترسم الحدود البحرية المقبولة عمومًا للمنطقة، والتي أعدتها جامعة إشبيلية بتكليف من الاتحاد الأوروبي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتنص على استخدام ساحل كل جزيرة يونانية مأهولة، مهما كانت صغيرة بغض النظر عن مدى قربها من شواطئ تركيا، نقطة انطلاق. 

وفي هذا الصدد لدى تركيا وجهة نظر حول كون الترسيم غير عادل، إذ ترى أن ساحلها على البحر المتوسط ​​أطول من الحدود الأمريكية المكسيكية، وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ومبدأ الإنصاف والسوابق القضائية الدولية التي يستند إليها، من المحتمل أن يكون من حق تركيا منطقة بحرية أكبر مما حصلت عليه بسبب هذا الخط الساحلي الواسع، ولكن مع ذلك، ترفض تركيا أن تصبح من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مما يؤدي إلى إغلاق سبيلها للرجوع القانوني».

وبعيدًا عن هذه الخريطة التي ترفضها تركيا، عملت أنقرة على رسم منطقتها الخاصة من خلال الاتفاقية البحرية التي وقعتها مع حكومة طرابلس الليبية المعترف بها دوليًا في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، والتي ما لبثت اليونان بالرد عليها بتوقيع اتفاقية بحرية مع مصر في أغسطس (آب) الماضي قبل أيام من إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إرسال السفينة التركية للتنقيب عن النفط والغاز في تلك المنطقة.

لماذا أعادت تركيا السفينة إلى العمل؟

سحبت أنقرة السفينة من المياه المتنازع عليها شرقي البحر المتوسط، الشهر الماضي في أعقاب التوتر الذي شهدته المنطقة بعد إرسال السفينة وذلك «لإتاحة الفرصة لبدء الجهود الدبلوماسية»، حسب التصريحات التركية، قبل عقد قمة للاتحاد الأوروبي سعت خلالها قبرص إلى فرض عقوبات على تركيا، وبالتزامن مع مفاوضات برعاية ألمانيا وحلف شمال الأطلسي بين أثينا وأنقرة.

لكن لم تسفر تلك الجهود عن نتائج مُرضية للطرفين، ولم يستمر الهدوء طويلًا قبل عودة التوتر مرة ثانية مع إعلان تركيا استئناف السفينة لمهامها، وأجمل تقرير لقناة «سي أن أن» التركية أربعة أسباب وراء قرار تركيا بعودة إرسال السفينة: 

1- أنقرة أوضحت سابقًا أنه عند انتهاء عمليات الصيانة فستعود السفينة إلى عملها وأن اليونان لم تستغل الفرصة التي عادت فيها السفينة إلى تركيا

2- اليونان رغم تقدم المباحثات، لم تتخل عن مطالبها غير المتطرفة من وجهة النظر التركية، فأنقرة تقول إن خريطة إشبيلية تم رفضها من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لكن أثينا تصر عليها، وأن معارضة اليونان على أنشطة أوروتش رئيس على بعد 15 كيلومترًا من البر الرئيسي لها، هو جزء من تلك المطالب المتطرفة في رأي تركيا

3- نتائج قمة الاتحاد الأوروبي بداية الشهر الجاري، كانت مخيبة للآمال بالنسبة لتركيا

4- تركيا لم تجد جدّية من اليونان بشأن الحوار في شرق المتوسط، وفقًا للقناة.

وبحسب القناة ففي حين أبدت أنقرة استعداداتها بشأن المفاوضات مع أثينا، فقد أعطت رسالة بأنَها ستعطل كافة المُماطلات -من وجهة نظرها- من اليونان وغيرها، لذلك فإنها قامت بتحريك «أوروتش رئيس» مرة أخرى إلى موقعها السابق. وترى أنقرة أن إعلان اليونان لإجراء مناورات في بحر إيجة يأتي في إطار وضع العراقيل للحوار، ومحاولة التأثير في الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على تركيا، بعد فشلها سابقًا في ذلك.

من اليونان إلى إسرائيل.. الحلف المناوئ للسفينة

أثار إعلان تركيا استئناف أنشطتها المسحية حفيظة جبهة مناوئة لتركيا تضم اليونان وجمهورية قبرص اليونانية وفرنسا ومصر وإسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة، وتحاول تلك الدول تطوير استجابة جماعية لاحتواء تركيا لما تعتبره تهديدًا للاستقرار الإقليمي كما جاء في توصية لورقة بحثية نشرها «معهد القدس للاستراتيجية والأمن» والذي قال إن «على إسرائيل أن تعمل في هذه الأثناء مع مصر واليونان والإمارات العربية المتحدة لتعزيز الاصطفاف الذي يسعى لاحتواء تركيا. ومن الممكن أن يحدث هذا بالتزامن مع الإجراءات التي تتخذها الآن فرنسا، التي تشن حملة دبلوماسية بالإضافة إلى إظهار وجود عسكري في شرق البحر المتوسط (في ليبيا ولبنان). ومن الأهمية بمكان أيضًا زيادة الوعي الأوروبي بالسلوك الإشكالي الذي تنتهجه تركيا». 

من جانبها، استنكرت الولايات المتحدة الأمريكية، إعلان تركيا تجديد نشاط المسوح «الزلزلالية» وعودة سفينة «أوروتش رئيس» إلى المنطقة، مطالبة أنقرة بوقف ما وصفته بـ«الاستفزاز» شرق المتوسط، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية مورجان أورتاجوس في بيان، إن الولايات المتحدة تدعو تركيا إلى وقف ما تعتبره «استفزازًا» في شرق البحر المتوسط وبدء مفاوضات مع اليونان. ومن جهتها، أعربت باريس عن قلقها تجاه التحركات التركية الجديدة، وكان الاتحاد الأوروبي قد هدد بفرض عقوبات على أنقرة في حال عدم توقفها عن أنشطتها للكشف عن الغاز في المنطقة.

وفي المقابل أكدت وزارة الخارجية التركية، في عديد البيانات، أن سفن تركيا تنقب في جرفها القاري، وستواصل نشاطها، وقال أردوغان في تصريحات سابقة: «بدأنا أعمال التنقيب مجددًا، ولا أعتقد أننا ملزمون بالحديث مع من لا يملكون حقوقًا في مناطق الصلاحيات البحرية». ومن جانب آخر قال رئيس البرلمان التركي، مصطفى شنطوب في تغريدة، إن تركيا مصممة على حماية حقوقها في مياهها الإقليمية.

ما هي سيناريوهات أوروتش رئيس المحتملة؟ 

في إطار التعقيدات الجيوسياسية والاقتصادية التي تفرضها قضية الصراع على المناطق الاقتصادية الحصرية بمنطقة حوض شرق المتوسط، تلوح في الأفق تأثيرات محتملة، ليس بعيدًا عنها صدام بين عضوين في حلف شمال الأطلسي، ومن شأن صدام من هذا القبيل أن يزيد من تعقيد الجغرافيا السياسية لشرق المتوسط وربما يجر آخرين، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

ويرى تحليل نشره «المركز العربي للبحوث والدراسات» أن هناك سيناريوهات محتملة لهذا الصراع: 

1- سيناريو التوافق، ويستند هذا السيناريو على إمكانية التوافق بين دول المنطقة حول ترسيم الحدود البحرية وفق قواعد القانون الدولي

2- التصعيد، وقد يتراوح التصعيد بين العقوبات الاقتصادية والسياسية والمناوشات العسكرية إلى أن يصل حد المواجهة العسكرية المباشرة بين أكثر من دولة في هذه المنطقة.

دولي

منذ سنتين
جيران لكن أعداء.. لماذا يستمر العداء بين تركيا واليونان لقرون؟

لا يزال هناك احتمال في أن تتعاون الأطراف المتنافسة لحل الخلافات عن طريق التفاوض وليس تأجيج الصراعات والتحشيد العسكري، وكما قالت الأستاذة لوري هايتيان، خبيرة النفط والغاز الطبيعي، في ورشة نشرها «مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة» ففي ظل الصعوبات الاقتصادية والفنية التي قد تلاقيها عملية تنمية موارد الغاز في شرق المتوسط، لا غنى عن تعزيز التعاون الإقليمي باعتبار ذلك خطوة جوهرية نحو تلبية احتياجات الأسواق المحلية من الطاقة وكذلك تحسين كفاءة عمليات إنتاج ونقل وتسويق الغاز بالأسواق الدولية، بيد أن ذلك يتطلب تذليل العقبات الجيوسياسية والصراعات القائمة بين بعض أطراف المنطقة.

وبين ما تحمله سفينة «أوروتش رئيس» من اسم تاريخي وآمال وطموحات لتركيا، وما تحمله من تهديدات وقلق لليونان وشركائها، تواصل السفينة مهمتها في بحر تتلاطم فيه أمواج السياسة الهادرة التي تُحيط بالسفينة على أمل بإنجاز مهمتها المنشودة رغم التحديات

المصادر

تحميل المزيد