نظر محمد الفاتح من بعيدٍ في حنقٍ بالغ إلى أسوار بلجراد الحصينة، التي كانت مدافع جيشه الضخمة تُصليها بالحمم على مدار الأسابيع الماضية. لم يخطر بباله أبدًا، أن أية أسوار في أوروبا أو العالم بأسره تستطيع الصمود بوجهه بعد أن تهاوت أمام ناظريْه أسوار القسطنطينية الشامخة، قبل ثلاث سنوات فحسب، في فتحٍ اهتزَّت له الدنيا بأسرها من مشارقها إلى مغاربها.

تاريخ

منذ 4 شهور
أطول حروب محمد الفاتح.. قصة الحرب التي دامت 16 عامًا مع البندقية

ولعل ما شعر به محمد الفاتح من ألم الهزيمة أمام أسوار بلجراد عام 1456 ميلاديًّا، كان سيزول لو عرف أنه بعد 65 عامًا بالتمام، سينجح ابن حفيده، سليمان الأول ابن سليم الثاني، والذي لقبَّه أعداؤه قبل أنصاره بسليمان العظيم، في فتح تلك المدينة المستعصية، لتنفتح معها أبواب أوروبا الشرقية والوُسطى، لتنطلق جيوشه بعدها في سنواتٍ قليلة لتسيطر على كامل شبه جزيرة البلقان، وأراضي مملكة المجر، وتصل إلى ضواحي فيينا.

سترتفعُ الرايات العثمانية على أسوار بلجراد في أحد أيام شهر أغسطس (آب) عام 1521، الموافق للسادس والعشرين من شهر رمضان من عام 927 هجريًّا، بعد عدة أسابيع من الحصار المُطبق. لترتج أوروبا المسيحية بأسرها هلعًا من فتح إسلامي كبير جديد، يعلن عودة بنادق العثمانيين ومدافعهم مجددًا إلى أوروبا (تلك العودة التي ستستمر  قرونًا) بعد 40 عامًا من وفاة فاتحهم الأعظم، محمد الثاني – الفاتح – إذ كان ابنه بايزيد الثاني أكثر حذرًا في حروبه الأوروبية، بينما انشغل سليم الأول والد سليمان، بالحروب الشرسة ضد الإمبراطورية الصفوية بإيران، وضد دولة المماليك التي قضى عليها في عدة أشهر، وورث ممالكها، وأبرزها مصر والشام.

ولكن قبل الحديث عن فتح بلجراد، سنتحدث قليلًا عن السلطان العثماني سليمان القانوني صاحب هذا الفتح، والذي استهلَّ به سلسلة فتوحاته الطويلة، التي ستضم عشرات الحبات الأكثر بريقًا في تاريخ الدولة العثمانية، والتي ستشهدها ساحات أوروبا، والبحر المتوسط، والخليج الفارسي، والعراق وسواها.

أبواب التحديات تنفتح في وجه السلطان الشاب

يعد عصر سليمان القانوني – أو سليمان العظيم كما تصفه معظم المراجع الأوروبية – والذي استمرَّ لأكثر من 46 عامًا، هو واسطة العقد في تاريخ المجد العثماني السياسي، والعسكري، والاقتصادي، والإداري، والثقافي، لتبلغ بنهايته مساحة الأراضي الخاضعة للحكم العثماني 15 مليون كم مربع، يعيش فيها ما يقارب 30 مليون إنسان، وهو رقم شديد الضخامة بمقاييس ذلك الزمان.

ولد سليمان في حدود عام 1494م، أي إنه كان في السادسة والعشرين من عمره، حين تولى السلطنة العثمانية عام 1520م. تسلَّم سليمانُ الدولة العثمانية وقد أصبحت قوة عظمى، بعد أن ضاعف والده مساحة سيطرتها ثلاثة أضعاف ما تركها عليه الفاتح، لتصل إلى أكثر من 6 مليون كم مربع. وجعل من جيشها قوة ضاربة عمادها المقاتلون الإنكشاريون، والذين بلغت أعدادهم عشرات الآلاف، وكانت حياتهم مكرَّسة للعسكرية منذ نعومة أظفارهم، إذ كانوا يُجلَبون صغارًا من أوروبا، لاسيما من شبه جزيرة البلقان، ويُدربون على الإسلام والمهارات الحربية ومعارف عصرهم، وبالطبع الولاء للسلطان العثماني.

مقطع قصير عن بعض الجوانب المميزة في تاريخ سليمان القانوني وشخصيته:

لكن الفرق الإنكشارية كانت كثيرة التقلب والتمرد، لاسيَّما في أوقات الخمول العسكري والتراجع، وكانوا لا يطيعون سلطانًا إلا إذا أظهر الشدة والحزم، وتبنى سياسة حربية هجومية. ولذا فقد استهانوا في البداية بسليمان الشاب عندما خلف أبيه على كرسي السلطنة، خصوصًا وأنه لم يكن صاحب تاريخ عسكري كبير، فخبراته السابقة كانت ولاية كافا في شبه جزيرة القرم في عهد جده بايزيد، وولاية مانيسا في آسيا الصغرى في عهد أبيه، وهذه وتلك ليست من الولايات الكبرى، ولم تشهد أحداثًا حربية تذكر.

لذا وضع سليمان نصب عينيه منذ اللحظات الأولى له كسلطان، أن يشغل المارد العسكري العثماني بالفتوحات، قبل أن يشغله بالتمردات والاضطرابات، وكانت العديد من الساحات مهيأة لنشاط عسكري عثماني واسع، فقد بدأت القوى الأوروبية بالتجرؤ على الثغور العثمانية في البلقان بعد سنواتٍ من انشغال العثمانيين بساحات الشرق الأوسط، وكذلك استولت إسبانيا الكاثوليكية المتعصبة على السواحل الإسلامية الجنوبية للبحر المتوسط، من طرابلس الغرب شرقًا، إلى وهران الجزائرية غربًا، مرورًا بتونس، وقطعت الأساطيل البرتغالية الكثير من خطوط التجارة في البحار والمحيطات الإسلامية، وفرضت سطوتها البحرية على الموانئ الإسلامية في الهند والخليج الفارسي وسواها.

سيتفاجأ الجميع، وعلى رأسهم الإنكشارية، منذ الأسابيع الأولى لحكم سليمان، بما تجلَّى في أدائه من قوة وسطوة وطموح، رغم التحديات التي بدأت منذ اللحظة الأولى. فقد تمرد الأمير المملوكي جان بردي الغزالي، حاكم الشام بمجرد أن وصلته أنباء وفاة سليم الأول، وكان الغزالي من أبرز المماليك الذين خانوا السلطان المملوكي قنصوة الغوري، عندما حاربه سليم الأول. 

ظن الغزالي أن السلطان الشاب سليمان ضعيف الجانب، فراسل زميله المملوكي الآخر خاير بك حاكم مصر ليخلع الطاعة أيضًا، لكن خاير بك أنبأ سليمان بما حدث، فما هي إلا أسابيع قليلة حتى كان سليمان قد جرَّد حملةً عسكرية ضخمة أخضعت الشام سريعًا، وقضت على تمرد الغزالي، الذي أُرسِلَت رأسه إلى إسطنبول مع مطلع عام 1521م. 

كانت الرسالة المدوية التي مثَّلتها رأس المملوك المتمرد الطائرة، هي أن سليم الأول لم يمُت، وأن خليفته الشاب ليس باللقمة السائغة أبدًا. ولذا سرعان ما استقرت الجبهات الداخلية لسنواتٍ، مما مكَّن سليمان من توجيه طاقته إلى مشروعاته الأهم في أوروبا.

فتح بلجراد الذي عجز عنه محمد الفاتح

بلجراد هي عاصمة دولة صربيا الحالية وأكبر مدنها، وواحدة من أهم المدن تاريخيًّا في شبه جزيرة البلقان بأكملها، وطالما كان الاستيلاء عليها هدفًا لكل الدول التوسُّعية في منطقة شرق أوروبا وجوارها، من الرومان قبل الميلاد، إلى ألمانيا النازية في القرن العشرين، مرورًا بالبيزنطيين، والبلغار، والمجر، والعثمانيين، والنمساويين. ويعني اسمها المدينة البيضاء، وهي تحتل موقعًا وسيطًا ومحوريًّا في منطقتها، ويتقاطع بها نهران عظيمان، أحدهما نهر الدانوب، ثاني أطول أنهار أوروبا.

أراد السلطانُ سليمان الطموح أن يفتتح عامه الأول في السلطة بفتحٍ كبير، يكون إيذانًا بعصر جديد من القوة والهيمنة العثمانية في أوروبا، فتوجهت أنظاره على الفور إلى بلجراد شديدة التحصين، التي عجز أعظم السلاطين العثمانيين، محمد الفاتح، عن فتحها، مما يُكسب فتحها رمزيةً إضافية كبيرة، إلى جانب أن موقعها يجعل منها أحد المُنطلقات المثالية للتوغل غربًا في شرق أوروبا ووسطها، لاسيَّما إلى عمق مملكة المجر، أقوى خصوم العثمانيين في تلك المنطقة، والتي كانت بلجراد آنذاك إحدى حواضرها.

موقع مدينة بلجراد بالنسبة إلى باقى الأراضي العثمانية عام 1521م

كان مبرر الغزو متوفِّرًا وبقوة، فقد قتل المجريون الرسول العثماني الذي وفد إليهم من إسطنبول ليُعلمَهم بتولي السلطان سليمان العرش، ويذكرَهم بدفع الجزية مقابل السلام. استشاط العثمانيون غضبًا من هذا التصرف، وأعلنوا الحرب الشاملة ضد مملكة المجر، التي اختار حُكامُها أسوأ الأوقات لاستفزاز جارهم العثماني المتحفز، فقد كانت مملكة المجر تعاني من اضطراباتٍ سياسية جمة، تسببت في تفكك أوصالها، وعجزها عن القيام بجهدٍ عسكري منظم يجابه العنفوان العسكري العثماني، وكان الملك المجري لويس الثاني، عاجزًا عن السيطرة على تمردات بعض النبلاء والحكام المحليين.

جهَّز سليمان جيشًا هائلًا في أسابيع قليلة، مكونًا من عشرات الآلاف من المقاتلين، وأكثر من 100 سفينة بحرية، ليُحكمَ الخناق على المدينة الحصينة من اليابسة ومن الماء معًا. وبدأت الحملة الضخمة في التوجه إلى بلجراد في مايو (أيار) عام 1521م، واحتلت كل المُقتَربات الحيوية المحيطة بالمدينة، وإحدى الجزر القريبة للغاية منها في مجرى نهر الدانوب، ونصبوا عليها المدافع الضخمة التي أمطرت الجحيم على رأس المدينة ومن فيها.

أما حامية المدينة فكانت أقل من الألف مقاتل، اعتمادًا على متانة تحصيناتها، وعلى وصول الإمدادات من داخل مملكة المجر لفك الحصار، لكن لم يحدث هذا أبدًا، وتُرِكَت المدينة لتواجه الطوفان العثماني بجهودها الذاتية.

شدَّد العثمانيون تحت القيادة المباشرة للسلطان سليمان، الحصارَ وموجات القصف التي لا تنتهي على بلجراد طوال شهر يوليو (تموز)، وبدا مع قدوم أغسطس أن سقوط المدينة التي أثخنت فيها قذائف العثمانيين، مسألة وقت لا أكثر. كما استولى العثمانيون على العديد من الحصون والمواقع الاستراتيجية القريبة من بلجراد، لحماية ظهورهم، 

وبالفعل في يوم 26 رمضان عام 927هـ، وقبل يومين من نهاية شهر أغسطس 1521م،  اقتحم العثمانيون المدينة التي هلكت معظم حاميتها، والعديد من سكانها في الحصار والقصف، وحوَّل السلطان إحدى كنائسها إلى مسجد، وصلى فيه صلاة الجمعة مع جيشه المنتصر، وأمر بإعادة بناء المدينة الحصينة لتكون مُنطلقًا للجهود العثمانية صوب قلب أوروبا.

عاد سليمان القانوني إلى إسطنبول وقد سبقته أنباء النصر العظيم، ووصلته رسل التهنئة من قيصر روسيا، ومن جمهورية البندقية، التي كانت آنذاك في سلامٍ مع العثمانيين بعد حروب طويلة.

ما بعد بلجراد

لقرابة قرنين من الزمان، ستظل بلجراد حصنًا عثمانيًّا محوريًّا، لكن عام 1688م، سينجح النمساويون في الاستيلاء عليها، ثم على مدار قرن ونصف تاليين، سيتبادلون مع العثمانيين السيطرة عليها، حتى القرن التاسع عشر الميلادي، والذي سيشهد تدريجيًّا ولادة إمارة ثم مملكة صربيا المستقلة وعاصمتها بلجراد.

بعد استيلاء العثمانيين على بلجراد عام 1521م وتأمينها، أتيحت الفرصة للسلطان سليمان القانوني لتجهيز حملة عسكرية بحرية وبرية ضخمة في العام التالي، اجتاح بها جزيرة رودس بالبحر المتوسط، والتي كانت معقلًا للقراصنة الصليبيين. لكن بعد أعوام قليلة، سيعود سليمان مجددًا إلى أوروبا متوغلًا غرب الدانوب بعد أن فتحت له بلجراد أبواب تلك النواحي على مصراعيْها، ليخضع معظم أجزاء مملكة المجر، وبعض مناطق النمسا إلى حكمه، خلال أقل من عقديْن، كانت أبرز انتصاراته فيها على مملكة المجر في موقعة موهاكس عام 1526م، والتي دُمر فيها الجانب الأكبر من قوات مملكة المجر.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«أسوأ من هزيمة موهاكس».. المعركة التي «سحق» فيها العثمانيون أقوى جيوش أوروبا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد