«الشرطة تقول للمتظاهرين: لماذا تأخرتم عن الثورة.. هذه ليست مواعيد منضبطة»، كانت هذه العبارة واحدة من المقولات الفكاهية التي تداولها المصريون في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2019، في اليوم الذي شهد خروج بعض المظاهرات البسيطة في مصر استجابة لدعوة الفنان والمقاول المصري محمد علي، وسط تشديدات أمنية كبيرة تسببت في حدوث شلل في وسط العاصمة.

في هذا اليوم لم تحدث استجابة جيدة من قبل المصريين للنزول، لكنهم في الوقت ذاته كانوا يبحثون على الشبكات الاجتماعية عن أي صور أو فيديوهات تثبت نزول مصريين للتظاهر. وبالفعل انتشرت عدة مقاطع وصور لمظاهرات سابقة على أنها مظاهرات جديدة، وبدأ عدد ليس بالقليل في إعادة نشر هذه الصور. هؤلاء الذين قاموا بنشر هذه المقاطع وقعوا في فخ «الأخبار الكاذبة»، في محاول لإثبات شيء ما ينحازون إليه ويؤيدونه.

«لماذا يصدق الكثير من الناس الأخبار الكاذبة وينشرونها بكل هذه السهولة، بل وربما يشككون بالحقيقة المقابلة؟»

أصبح هذا السؤال محل اهتمام ليس فقط الباحثين ولكن حتى الصحفيين والعاملين بمجال الإعلام لما تمثله هذه الأخبار المضللة من مشكلة حقيقية لعالم الصحافة والإعلام في السنوات القليلة الماضية.

ربما ظهرت الكثير من المعلومات التي تتحدث عن كيفية إنشاء المعلومات المضللة، ولماذا يلجأ البعض إلى خلقها من الأساس؟لكن ربما لم تتح لك الفرصة أبدًا لاستكشاف دوافع الأشخاص الذين يؤمنون بهذه القصص ويشاركونها. من هنا لجأ باحثون إلى القيام بالمزيد من الأبحاث المتعمقة لفهم هذا الأمر وتحليله.

«طائراتنا تدك تل أبيب».. أبرز 8 كذبات خدع بها الإعلام المصريين

من حيث سرعة الانتشار: الأخبار الكاذبة تكسب

أظهر تحليل للتغريدات المنشورة على موقع «تويتر» من قبل 3 مليون شخص بين عامي 2006 و2017، أن الأخبار المزيفة تنتشر أكثر من الحقيقية على وسائل التواصل الاجتماعي. وكان الباحثون في مختبر وسائط الإعلام التابع لـ«معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» تابعوا انتشار 126 ألف قصة على «تويتر». وتعتبر التغريدة بمثابة قصة إذا تضمنت ادعاءً ما، ما يعني أنه لا يجب ربطها بأي قصة معينة من مؤسسة إخبارية.

Embed from Getty Images

(الأخبار الزائفة أسرع انتشارًا من الحقيقة)

ما وجده الباحثون كان مخيفًا، إذ تنتقل الأخبار الكاذبة أبعد وأسرع وأعمق وأوسع من الحقيقة في كل فئة من فئات المعلومات بشكل مضاعف عدة مرات. فقد استغرقت التغريدات الحقيقية ستة أضعاف المدة الزمنية لتوزيعها عبر «تويتر» على 1500 شخص. وبصورة عامة، كانت الأكاذيب في العينة أكثر احتمالًا بنسبة 70% لإعادة تغريدها من تلك الحقيقية.

السير مع القطيع.. البشر كائنات اجتماعية

من الطبيعي أن نقول إننا الآن مغمورون بحجم معلومات أكثر بكثير مما يمكننا التعامل معه. المشكلة الكبيرة هنا هي أن الأحكام التي يتخذها البشر تعتمد أيضًا على معلومات ثانوية لا تأتي من أي مصدر معروف، وتوفر واحدة من أقوى الأدوات التي نمتلكها للتعامل مع الطوفان نفسه. هذا المصدر هو المعلومات الاجتماعية أو بعبارة أخرى: ما نعتقد أنه يفكر فيه الآخرون.

يمكننا تبسيط هذا المعني بمثال. تخيل أنك الآن في مسرح مزدحم، ثم بدأ الناس من حولك فجأة بالذعر والبحث عن مخرج. ما الذي ستفعله في هذه اللحظة؟ حواسك ستنقل لك الحقيقة المجردة وتخبرك أن الأشخاص الآخرين حولك يتحركون بشكل محموم. أنت الآن بحاجة إلى تفسير هذه المعلومة، ليصبح التفسير الاجتماعي لهذه المعلومات هو المحرك الأساسي لك للخطوة التالية التي ستأخذها. هذا التفسير يقول لك إن هؤلاء الأشخاص يعتقدون أن شيئًا سيئًا يحدث، وهذا يعني أنه من المحتمل أنك ستحاول الهرب معهم أيضًا.

على الأقل، هذا تفسير ممكن. قد تكون أنت أو هم مخطئون. ربما كان هناك إنذار خاطئ، أو ربما تم إساءة فهم جزء من المشهد. حسنًا كل هذا يبدو منطقيًّا وطبيعيًّا. إلا أن المعلومات المتعلقة بالثقافة الرقمية أدخلت شيئًا جديدًا في هذه المعادلة النفسية التقليدية، ألا وهو مستوى جديد تمامًا من الاعتماد على المعلومات الاجتماعية، ومجموعة جديدة كاملة من المخاطر والقلق حول الأخطاء وعمليات التلاعب وشلالات التأثير.

يطلق الباحثان الدانماركيان فينسنت هيندريكس وبيل هانسن على هذه العمليات المضطربة اسم «عاصفة إعلامية»، بمعنى التدفق المفاجئ للمعلومات الاجتماعية. في نظرهما، بدلاً من اتخاذ قرار يائس بأننا نعيش الآن في عصر ما بعد الحقيقة الذي تحكمه قوى غير عقلانية، يجادلون في كتابهم «Infostorms»، بأن العديد من المواقع الأكثر انقسامًا في العالم الرقمي هي في الواقع نتائج صنع القرار العقلاني تمامًا من قبل المعنيين نتيجة لطبيعة بيئات المعلومات نفسها.

Embed from Getty Images

عندما ينتشر خبر كاذب معين، بمجرد أن يقوم عدد صغير من الأشخاص بمشاركته على صفحاتهم على الشبكات الاجتماعية، سيواجه أي شخص يواجه هذا الخبر خيارًا ثنائيًّا: هل هذا الخبر الماثل أمامهم صحيح أم خطأ؟ وعلى افتراض أنهم ليس لديهم معرفة مباشرة بصحة الخبر، فمن الممكن نظريًا أن يبحثوا عنه في مكان آخر، عبر عملية تحقق تكون شاقة وتنطوي على العديد من المطبات.

لكن هذه الرفاهية لا يملكها أغلب الناس، فعلى حد تعبير هندريكس وهانسن: «عندما لا تمتلك معلومات كافية لحل مشكلة معينة، أو إذا كنت لا ترغب في ذلك، أو ليس لديك الوقت الكافي لمعالجتها، فقد يكون من المنطقي تقليد الآخرين». فعندما نعرف القليل عن شيء ما، أو تكون المعلومات المحيطة به غير كافية، فمن المنطقي أن ننظر إلى معتقدات الآخرين الواضحة باعتبارها دليلًا على ما يجري.

تحول هذه الملاحظة إلى أمر أوتوماتيكي هي واحدة من الأفكار التأسيسية في عصر الإنترنت. كان الابتكار المبدئي الكبير لمحرك بحث «جوجل» هو أنه بدلاً من محاولة المهمة المستحيلة المتمثلة في التوصل إلى تقييم أصلي لجودة وفائدة كل موقع ويب في العالم، يمكن أن تصبح تصرفات المستخدمين ومواقفهم هي المقياس الرئيسي. ومن خلال النظر في كيفية ارتباط صفحات الويب ببعضها البعض، اعتمدت خوارزمية «جوجل» لتصنيف الصفحات على مواقف منشئي المحتوى في صلب عملية التقييم.

على الإنترنت، تعتبر مفاهيم المصادر الموثوقة عالميًا والإعلانات التي يمكن الوصول إليها عالميًا إشكالية. يبدو الأمر واضحًا بشكل صارخ اليوم، ولكن يجدر التوقف مؤقتًا للنظر في مدى أهمية قياس وإدارة المعلومات الاجتماعية لكل شركة تسعى تقريبًا لتحويل تريليونات البايتات من البيانات عبر الإنترنت إلى ربح.

البحث عن الأخبار الكاذبة.. الناس يصدقون ما يريدون تصديقه

عند التفكير في الاستقطابات السياسية الواقعة حاليًا في كثير من البلاد العربية ودول العالم أيضًا، من المهم أن نتذكر أننا نفسر المعلومات الجديدة التي تصل إلينا بهذه الصورة: نحن نصدقها إذا كانت تؤكد معتقداتنا ونرفضها إذا كانت تتعارض مع تلك المعتقدات.

من الناحية الفسيولوجية، توضح الأبحاث أن معالجة المعلومات التي تدعم معتقدات الشخص تؤدي إلى اندفاع مادة الدوبامين في المخ، مما يخلق مشاعر السعادة. يقول عالم النفس الأخلاقي جوناثان هايدت، إن «الحزبية المتطرفة قد تكون إدمانًا حرفيًا». وعلى الجانب الآخر، عندما يتعارض شيء ما مع المعتقدات الحالية، يميل الناس إلى التعثر. المعلومات التي لا تتفق مع معتقدات المرء تنتج استجابة عاطفية سلبية.

 

بمعنى آخر، يرى الناس ما يريدون رؤيته، من أجل تصديق ما يريدون تصديقه. بالإضافة إلى ذلك، يحب الجميع أن يكونوا على صواب، وتغيير وجهات نظرهم هو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين، أو على الأقل كان لديهم فهم غير كامل لقضية ما. وغالبًا ما ترتبط المعتقدات مع الهويات. إذا كان تغيير إيمانك يعني تغيير هويتك، فإنك تكون في خطر الرفض من مجتمع الأشخاص الذين تشترك معهم في هذه الهوية، وبالطبع هذا أمر صعب على الإنسان.

هذا الأمر يفسر لنا لماذا يحاول بعض الناس، ليس فقط نشر الأخبار الكاذبة، بل البحث عن العناوين المزيفة التي تدعم وجهة نظره في مواجهة الفريق الآخر. أنت تريد أن تكون على صواب حتى وإن لجأت إلى معلومات غير مؤكدة. يظهر هذا الأمر جليًا في مواسم الأحداث الكبيرة.

إذا كنت تؤيد مرشحًا معينًا للرئاسة وظهرت لك معلومات مزيفة سلبية عن المرشح المنافس، عدد ليس بالقليل من الناس سيقومون بنشر هذه المعلومات والتحدث عنها على أنها حقيقة لا تقبل النقاش. قس على هذا الأحداث الكبيرة الأخرى مثل الحروب والثورات والمظاهرات، بل وربما حتى بطولات كرة القدم.

نظرتنا للعالم.. سر انتشار الأخبار المزيفة

الأخبار الكاذبة تنتشر بسرعة أكبر بين الناس من الأخبار الحقيقية. السؤال هنا: لماذا يصدق الناس هذه النوعية من الأخبار غير الحقيقية؟ هناك افتراض على نطاق واسع بأن الأخبار المزيفة تنتشر لأننا نحب أن نصدق القصص التي تؤكد نظرتنا إلى العالم. لكن إحدى الدراسات تشير إلى خلاف ذلك، إذ وجدت أن اعتقادك بأن هذا الخبر مزيف أو حقيقي له علاقة أكبر بقدرتك على مقاومة «الاختصارات العقلية».

Embed from Getty Images

البشر معروفون بتفادي التفكير كلما أمكن ذلك. يتميز اللاوعي بأنه تفكير تلقائي بديهي سريع بدون عناء، يسمح لنا أن نكون مقتصدين بمواردنا العقلية المحدودة. الجانب السلبي هو أنه يغذي أيضًا ميلنا إلى القفز إلى الاستنتاجات وفشلنا في تحدي الصور النمطية غير المفيدة. يمكن أن يساعدنا التفكير الفعال في التشكيك في تحيزاتنا، لكن الأبحاث أظهرت أنه يمكن استخدامه أيضًا لدعم الآراء المستقطبة مثل تغير المناخ والمؤامرات الخارجية وغيرها.

أراد علماء النفس ديفيد راند من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجوردون بينيكوك من كلية إدارة الأعمال بجامعة ريجينا معرفة ما إذا كان الناس يؤمنون بالأخبار الكاذبة بسبب الجهل المتعمد أو ما إذا كانوا يتوقفون عن التفكير. وجدوا في دراستهم أن الأشخاص الذين كانوا أكثر قدرة على التفكير السريع كانوا أكثر قدرة على التمييز بين الأخبار الحقيقية والأخبار المزيفة، بغض النظر عما إذا كان الخبر يتفق مع سياساتهم وأيدولوجيتهم أم لا. يقول راند: «هذا يشير إلى أن الوقوع في فخ الأخبار الكاذبة يتعلق أكثر بعدم الاهتمام».

هذا الأمر لا يتعلق بمقدار ذكاء الشخص. إذ إن الميل إلى الانخراط في التفكير يختلف عن قدراتك في التفكير. عندما تتوقف عن التفكير فيمكن أن تصل إلى إجابة صحيحة أو إجابة خاطئة، ولكن هل تكلف نفسك عناء التفكير في الأمر في المقام الأول؟ الخبر السار هو أن هذا قد يجعل المشكلة أسهل في معالجتها. يقول راند: «أنت لست مضطرًا لحمل الناس على أن يكونوا أقل حزبية والتخلي عن تحيزاتهم، الأمر أبسط من ذلك بكثير – تحتاج فقط إلى حمل الناس على التفكير أكثر قليلاً».

التفكير التآمري.. البشر يميلون للبحث عن المؤامرة

وجدت إحدى الدراسات حول نظريات المؤامرة والخرافات أن الأشخاص الذين يشعرون بالعزلة أو الذين يتواجدون خارج الحشد هم أكثر عرضة لتطوير شعور بأن العالم يتآمر ضدهم، وهو ما يؤدي إلى معتقدات تعارض الآراء التقليدية السارية بالمجتمع. وأوضح الباحثون أن الأشخاص الذين لا يشعرون أنهم لائقين في المجتمع هم أكثر عرضة للبحث عن معنى في القصص المشكوك فيها أو المعقدة والتي قد تكون أو لا تكون حقيقية. ربما يساعد هذا الأمر في تفسير ظاهرة «الأخبار المزيفة» التي تعصف بالإنترنت في الوقت الحالي.

يمكن أن يؤدي التفكير التآمري إلى إطلاق دورة خطيرة، تبدأ بدفع الأصدقاء والعائلة بعيدًا مما يؤدي لتعميق مشكلة الاستبعاد الاجتماعي. ثم يبدأ هؤلاء في مما يجعلهم يبحثون عن معنى في حياتهم وهو ما قد يؤدي بعد ذلك إلى تأييد بعض نظريات المؤامرة.

«فيسبوك» بديلًا لوسائل الإعلام.. تغير المصدر

تربطنا شبكات التواصل الاجتماعي بالآخرين، إذ تسهل تبادل المعلومات مع الناس. بما أننا لم نعد نتلقى أخبارنا مباشرة من مصادر محترمة، فنحن عرضة للأخبار المزيفة من الإعلانات ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين يصنعون أخبارًا لتحقيق مكاسب مالية.

إن مشاركة القصص من قبل صديق أو أحد أفراد الأسرة يمكن أن يعزز بالفعل من المصداقية مع القراء. هذا يرجع إلى حقيقة أن الناس قد يفكرون بطريقة مختلفة ببساطة عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي عن طريقة تفكيرهم عند مشاهدة الأخبار المسائية. إذ لماذا لا نريد أن نصدق قصة شاركها أصدقاؤنا؟

خدمات وسائل التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» تعج بالكثير من الأخبار، مما يجعل من الصعب على هؤلاء المستخدمين التمييز بين الواقع وما هو الخيال. هذا لأنه على وسائل التواصل الاجتماعي، يسعى المستخدمون بشكل سلبي إلى الحصول على المتعة والترفيه، مما يسهل تصديق الأخبار الكاذبة.

تظهر الأبحاث أن عقلية المتعة التي نستخدمها أثناء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي تجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لنا للتفكير فيما يتعلق بالتفكير النقدي. يجعلنا هذا الاستخدام أقل عرضة للاختيار والتحقق من المعلومات التي نراها. ثم نقوم بمشاركة المعلومات دون التحقق اللازم، مع إعادة توجيه مسؤولية التحقق من صحة المعلومات إلى تلك الروابط التي ننشرها فقط.

جزء من المشكلة أيضًا قد يكون في كيفية استجابة وسائل الإعلام التقليدية لتغير عادات القراءة لأولئك الذين يبحثون عن الأخبار. المشكلة لا تتعلق فقط بعدم تكيف وسائل الإعلام التقليدية مع وسائل الإعلام الاجتماعية، بل المشكلة الأساسية هي عدم وجود رقابة صحفية على المعلومات التي تنتشر. ستواجه وسائل الإعلام التقليدية صعوبة في إيقاف تأثير مصادر المعلومات المزيفة بغض النظر عن مدى سرعة تكيفها. هنا نقول إن المزيد من العبء يقع على منصات وسائل التواصل الاجتماعي لتمكين المصادر المشكوك فيها من هذا الانتشار.

قصة الشركة المصرية التي أغلق «فيسبوك» صفحاتها 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد