«الحب الأفلاطوني» هو مصطلح فرض وجوده في اللغة العربية ليعبر عن الحب البريء غير الشهواني بين الرجل والمرأة، وهي تعود لغويًا للفيلسوف اليونان القديمة أفلاطون، كما ارتبط بهذا الاسم مصطلح آخر وهو «المدينة الفاضلة» أو «يوتوبيا» والتي ارتبطت في أذهان الكثير بكونها مدينة مثالية تخلو من أي ظلم ويحكمها الفلاسفة بالعدل والحكمة.

فهل كل هذا صحيح؟ في الواقع هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة حول أفلاطون وأفكاره، وعلى الرغم من كونه فيلسوف له إنجازات فكرية تجعل منه رمزًا للفلسفة في عصره، ولكن كان لأفلاطون بعض الأفكار التي تختلف كليًا عما اشتهر به وسط العامة، بل بعض المثقفين أيضًا. في هذا التقرير نقدم لكم أفلاطون بشكل ربما لم تعرفوه من قبل.

نافذة على أفلاطون 

يعد هو أول من وضع تعريف للفلسفة على أنها «علم الحوار العقلي» الذي هدفه هو الوصول للحقيقة، وكان أول من وضع للفسلفة منهجًا باعتبارها علمًا للحوار، وطبق هذا المنهج في فلسفته، فكتب كل فلسفته على هيئة محاورات وناقش خلالها أفكار الفلاسفة الآخرين، سواء من سبقوه أو من عاصروه في نفس الوقت باليونان القديمة.

هذا المنهج نجح من خلاله بتقديم مذهب فلسفي مفتوح يقبل الرأي والرأي الآخر، وواقع الأمر أن معظم المؤرخين يعتبرون فلسفة أفلاطون هي الأصل الذي استند عليه كل تاريخ الفلسفة اللاحق، حتى أن الفيلسوف المعاصر ألفريد نورث وايتهيد، يعتبر تاريخ الفلسفة كله هوامش مقارنة بما وضعه أفلاطون، وهو أمرًا غير بعيد عن الواقع بما أن أفلاطون وتلميذه أرسطو قد اقتسما التأثير على تاريخ الفلسفة التي لحقت عصرهم، وبما أن أرسطو كان تلميذًا له مدة زادت عن 20 عامًا.

ومن أكثر الأفكار تعقيدًا التي قدمها للبشرية، والتي ربما لا تعد بنفس غرابتها وقت عرضها في اليونان القديمة مقارنة بعصرنا الحالي الذي يتحدث علمائه عن العوالم الموازية، فهي نظرية العالم المعقول والعالم المحسوس، وافترض افلاطون أن العالم الذي نعيش فيه نحن البشر هو عالم المحسوس، وهو النسخة الأقل مثالية من عالم المعقول، حيث تعيش نسخ أخرى من البشر أكثر عدلًا وذكاءً وحكمة، ونحن – البشر – في عالم المحسوس مجرد ظلال غير مكتملة، وغير مثالية لعالم المعقول. 

لماذا كان يكره الشعراء 

نزوعه للمثالية لم يظهر في فكرة عالم العقول، وعالم المحسوس فقط، بل تجلت تلك النوازع في «المدينة الفاضلة» التي كان يحلم بها، وكتب عنها الكثير، والتي بناها على تصوره الخاص عن العدالة، والتي تمنح لكل فرد من أفراد الدولة الحق في التربية والتعليم، وتلزم الدولة بأن تمنح هذا الفرد الوظيفة المناسبة له بعد تعليمه الذي تخصص فيه «بحكم طبقته» وهي الجملة التي سنشرح أبعادها في النقاط القادمة من التقرير.

تلك المدينة لم ير من هم أنسب من الفلاسفة في حكمها، نظرًا لتمتعهم بالحكمة الكافية التي تسمح لهم بتحقيق العدالة بين مواطنين المدينة، وعلى اعتبار أنهم من نجحوا في اجتياز كل المراحل التعليمية الشاقة من الطفولة حتى سن الخمسين، بينما حرم أفلاطون الشعراء من دخول المدينة الفاضلة، وظهر الشعراء في كتب أفلاطون التي وصفت الجمهورية الفاضلة كخصوم لمشروع الجمهورية، لأن تلك المدينة – من وجهة نظر أفلاطون – يجب أن تبنى على العقلانية، ولكن الشعراء يمنعون الناس من إدراك ذلك بتشويش أذهانهم بقصص ومعاني غير صحيحة من خلال الشعر، ما يجعل البشر يفقدون الثقة في وجود أي مشاريع عقلانية ومنتظمة.

«لا للديمقراطية.. نعم للعبودية»

حتى نفهم فكرته عن المثالية، يجب أن نفهم طبيعة المجتمع اليوناني الذي كان يعيش فيه. مجتمع اليونان القديم كان يمارس العبودية على نحو واسع، وقد كان معظم سكان مدينة أثينا من العبيد وتجلى هذا بوضوح في كتابات هوميروس للإلياذة والأوديسة، وكان أفلاطون يرى أن العبيد لا يصلحون لأن يكونوا مواطنين، بل يجب أن تُفرض عليهم الطاعة العمياء لأسيادهم، والمفارقة أن أفلاطون نفسه مر بتجربة أن يكون عبدًا عندما كان في صقلية بسبب أفكاره التي تعارضت مع رغبات حكامها، ولكن سرعان ما افتداه أصدقاؤه وحرروه من العبودية.

وقد مرر أفلاطون أفكار العبودية لتلميذه أرسطو، والذي كان يرى أن بعض الناس خلقوا لكي يكونوا عبيدًا للآخرين، وكأنهم آلات تعمل على خدمة البشر فقط، وليس لهم حرية الإرادة، أو حتى التفكير، ومن هنا جاء مصطلح «بحكم طبقته» الذي وضعه في وصف مدينته الفاضلة، فتلك المدينة مثالية من وجهة نظره لأنها تطبق الطبقية بين فئات المجتمع، ومكانة الإنسان من وجهة نظر أفلاطون كانت مرتبطة بعلمه أيضًا. 

وقد تجلى هذا في رفضه لفكرة الديمقراطية، أو منح حق التصويت لعامة الشعب الذين – من وجهة نظره – ليس لديهم الحكمة والعلم الكافي للحكم على الأمور، وقد قُتل سقراط بسبب تلك الديمقراطية حين صوّت عامة الشعب بإعدامه لأنه من وجهة نظرهم يفسد الشباب بأفكاره المهرطقة، ومن وقتها اتخذ أفلاطون موقفًا معاديًا للديمقراطية وكتب في كتابه «الجمهورية» أن الديمقراطية أسوأ الأنظمة بعد النظام الاستبدادي موضحًا أن مشكلة الديمقراطية أنها « تمنح الرعاع قولًا في الشأن العام» وشرح – في نفس الكتاب – كيف تنحدر البلاد عندما يقرر مصيرها الرعاع، إلى الفوضى والتأخر، وكيف يطالب الناس لاحقًا بحاكم قوي لإعادة الأمن والاستقرار للمجتمع.

الأسرة «مشروع اجتماعي فاشل»

في مدينته الفاضلة، سحب حق الزواج من طبقة الحكماء والجنود، مع منحهم حق ممارسة الجنس الحر، وهذا حتى يتفرغوا لصالح مدينتهم الفاضلة دون أن تعطلهم الروابط العائلية، والتي تمنح الإنسان العاطفة والدفء ولكنها في المقابل – من وجهة نظره – تقيده بالجبن، والتردد، والشعور بالخوف على تلك العائلة التي يحبها، فالزواج لديه هو مجرد مشروع اجتماعي يمثل عثرة في طريق تطور الإنسان الذاتي، وأداء واجباته تجاه المجتمع، وتجاه نفسه، وتحقيق أحلامه، ومع غياب مفهوم الأسرة، يختفي بالضرورة دورًا مهمًا من أدوار المرأة في تلك المدينة.

ولذلك حين يفكر أحدهم أن يصف حبه لشريكة حياته المستقبلية بأنه «حب أفلاطوني» تعبيرًا عن الرومانسية والحب الشديد؛ فهذا التعبير بعيد عن المراد منه، خاصة عندما يدرك هذا الشخص وجهة نظر أفلاطون عن المرأة.

في كتابه «أفلاطون والمرأة» شرح أستاذ الفلسفة المصري إمام عبد الفتاح إمام موقف أفلاطون من المرأة أنه كان يعتبرها جزءًا من ملكية الرجل حين يتزوجها، وبإلغاء فكرة الزواج، والتي من الأساس كان يراها أفلاطون أنها مجرد هدف للتكاثر، وليس للوقوع في الحب والمشاركة العاطفية؛ فبهذا ينتهي دور المرأة من وجهة نظره، ولا داعي لها أن تكون امرأة مرة أخرى، فتخيلها في المدينة الفاضلة بعد انتهاء دورها كامرأة تنضم لصفوف الجيوش، وتتعلم فنون القتال، وتتشبه بالرجال في الشكل، وتسير عارية دون خجل بغرض إسقاط صفة الأنوثة عنها تمامًا، كما كان يعتقد أفلاطون أن رحم المرأة هو مجرد حيوان مفترس يعيش في جسدها، ويتنقل من مكان آخر، ويصيبها بالأمراض.

ما هو «الحب الأفلاطوني» 

مفهوم الحب الأفلاطوني يظن البعض أنه يعبر عن الحب العذري بين الرجل والمرأة، ولكن مفهوم أفلاطون عن هذا الحب مختلف تمامًا، وهذا لأن المثلية الجنسية كانت منتشرة في اليونان القديمة، وقد هاجم أفلاطون الإغراق في ممارسة الجنس المثلي بين الرجال في اليونان، ولكن ليس لصالح الحب المغاير بين الرجل والمرأة، ولكن لأن ممارسة الجنس المثلي بتلك الحيوانية تعتبر إهانة لهذا الحب بين الرجال من وجهة نظره.

كان كارهًا للممارسات الجسدية الجنسية بشكل عام، وفيما يخص المثلية الجنسية أراد أن تكون علاقة الرجل بالرجل علاقة حب وصداقة «عذرية» ولا يتدخل فيها الجنس حتى لا يفسدها، بمعنى أن الحب عنده لم يكن سوى تسام لمفاهيم المثلية الجنسية، لا للحب العذري بين الرجل والمرأة، وحصر أفلاطون الجنس بين الرجل والمرأة لهدف واحد فقط، وهو التكاثر.

فلسفة أفلاطون كانت انعكاسًا واضحًا لكراهية المرأة المتأصلة في التراث اليوناني، وكان يراها على أنها مثل الطفل أو العبد، لا يحق لها أن تشارك في الحياة العامة، وظهر هذا واضحًا وبتجل في كتابات المؤرخ هيرودوت عندما جاء إلى مصر، حين وصف وجود المرأة في بأنها تسير في الطرقات وتتحدث مثل الرجال، ولها شخصية مستقلة؛ على أنه أمر غريب ومستنكر.

إن المجتمع الأثيني كان مجتمعًا أبويًا، الرجل فيه هو «السيد» و«المالك» لجميع الحقوق المدنية والسياسية، فهو المالك للأرض والعقارات، وهو أيضًا المالك للزوجة والأبناء بالمعنى الحرفي للملكية، ومن حقه أن يرفض أي طفل من ذريته عند ولادته، بينما ليس من حق المرأة أن تجهض طفلًا في حالة عدم رغبتها في الولادة، وهذا يعرضها للعقاب من الزوج والمجتمع، وليس لأن الإجهاض في هذه الحالة يعد قتلًا لكائن حي لم يولد بعد، بل لأن تلك الفعلة تعد تمردًا على الزوج في المجتمع الأثيني، ولذلك ما نراه من أفكار في فلفسة أفلاطون عن المرأة والحب، لا يعد فكرًا خاصًا به ابتكره، بل كان هو الخط الفكري العام في اليونان بذاك الوقت. حتى وإن اختلف المحدثون بعد مرور السنين مع بعض الأفكار التي روّج لها أفلاطون، فهذا لا ينفي دوره المهم في إرساء الفلسفة، وتمريرها لأجيال من الفلاسفة تلته، وكان قدوة ومرجعًا بالنسبة لهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد