لا صوتَ يعلو فوقَ صوتِ فيروس الكورونا المستَجَدْ، والمستبد أيضًا. لاسيّما وعدّاد الإصابات الموثَّقة والضحايا لا يكف عن التغير صعودًا، وإن تباطَأ قليلًا في الأسابيع الأخيرة، فمع النجاح في السيطرة النسبية على بعض البؤر الكبرى الوباء كإيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا، وألمانيا؛ بدأت بؤر أخرى في التصاعد في أرقام الإصابات والوفيات مثل: البرازيل، والمكسيك، والإكوادور، ومصر.

لكن لا تقتصرُ أضرار (كوفيد-19) على ما يسببه من ضرر مباشر على صحة المُصابين؛ فهناك العديد من المشكلات الصحية الجسمانية والنفسية غير المباشرة، والتي لا تقل عنها خطورة، بل قد يكون عدد من تعرضوا لها أضعاف أعداد الإصابات الموثقة بعدوى الوباء.

بالطبع لا تسمح المساحة المتاحة هنا بالإحاطة بكل تلك المضاعفات، لكن سنركز على الأكثر شيوعًا من بينها، ونحاول تقديم وسائل فعَّالة وسهلة في الوقت نفسه لمنعها، أو على الأقل تخفيف آثارها.

كورونا يستنزف الخدمات الطبية ماديًا ومعنويًا

أول وأخطر المضاعفات الصحية غير المباشرة لوباء (كوفيد-19) هو ما تسبَّبَ فيه من تأزُّم الخدمات الصحية حول العالم، حتى في أشد البلدان تقدُّما ونظامًا، بطريقيْن رئيستيْن.

الأولى: في المناطق التي حدث فيها تفشٍّ وبائي خارج عن السيطرة بآلاف الإصابات، ومئات الحالات الحرجة يوميًا، كإقليم لومباردي الإيطالي، ومدينة نيويورك بالولايات المتحدة، والعاصمة الإسبانية مدريد. فقد انهارت المنظومة الصحية نتيجة تشبع خدمات الطوارئ والرعايات المركزة بطوفان حالات (كوفيد-19) الذي انقضَّ عليها في مساحة زمنية ضيقة. وفي أوضاع كتلك، ضاع حق الكثير من المرضى الآخرين – غير المصابين بـ(كوفيد-19) – في رعاية طبية ملائمة.

الثانية: فقد تسبب الخوف من كون المشافي، لاسيَّما المزدحمة منها، بؤرًا خطيرة لنقل العدوى، في خوف العديد من الناس من طلب الخدمات الطارئة في المستشفى، لاسيّما أصحاب الأمراض المزمنة، مما قد يعرض حياة الآلاف من هؤلاء لخطرٍ حقيقي. كذلك أوقف معظم الأطباء والمنظومات الصحية أغلب الأنشطة العلاجية والعمليات والتدخلات الطبية غير الطارئة، لتوفير طاقة المشافي لمواجهة الوباء، وخوفًا من انتقال العدوي من المرضى إلى مقدمي الرعاية الطبية، والعكس.

والمحصلة في كلتا الحالين، أن معظم الحالات المزمنة معرضة لخطر التدهور في أية لحظة، وقد ينجم عن هذا وفياتٍ تفوق ما سببه (كوفيد-19) بشكلٍ مباشر، وكذلك تتضرر جودة حياة الملايين لعجزهم عن الحصول على خدمة طبية مهمة لهم، لكنها بالمقاييس الطبية غير طارئة. فمثلًا مريض البواسير، أو الفتاق، أو التهاب المرارة المزمن، الذي يحتاج إلى جراحة، سينتظر أشهرًا قبل الحصول عليها، ويعاني ما تسببه حالته من ألم وأعراض أخرى. وقِس على هذا في كافة التخصصات الطبية.

لكن.. كيف نتغلب على هذه المعضلة كأفراد؟

بالطبع تقع المسؤولية الكبرى هنا على كاهل الحكومات المنوط بها حسن تنظيم الخدمات الصحية، وتأهيلها للتعامل مع الطوارئ الوبائية وغيرها، لكن مع التخبط العام في الآداء في معظم دول العالم، فعلينا كأفراد أن نحمي أنفسنا بما نستطيع، وهذه بعض الاقتراحات:

1. على الملايين من أصحاب الأمراض المزمنة، كالسكري، والضغط، والقلب، والقصور الكلوي، الالتزام الشديد بتعليمات الأطباء فيما يتعلق بأنماط طعامهم، والعلاجات الموصوفة لهم، وذلك لتقليل فرص حدوث المضاعفات الطارئة، والتي تستدعي اللجوء إلى طوارئ المشافي المُثقلة الآن ماديًا ومعنويًا بالجائحة العالمية.

2. عدم إرهاق الخدمات الطبية لاسيّما الطارئة بالشكاوي غير الضرورية، لكن ذلك لا يعني أن يتردد من يشعر أنه يحتاج إلى الخدمة الطارئة، في الذهاب إلى المستشفى، حتى لا يتعرض لمخاطر صحية أكيدة تفوق خطر إصابة محتملة بفيروس (كوفيد-19).

صحة

منذ شهر
من الإنفلونزا إلى كورونا.. لماذا وكيف تتحوَّر الفيروسات؟

3. على أصحاب الأمراض المزمنة الحفاظ على تواصلٍ بالحد الأدنى مع أطبائهم، ولو عبر الاتصال عن بعد، لمراجعة جرعات الأدوية، والتعليمات الصحية، وأخذ رأيهم الأولى في أية أعراض مستَجَدة، ليحدد الطبيب مدى ضرورة الحاجة للعرض المباشر على الطبيب، لتجنب الذهاب إلى أماكن الخدمة الصحية دون ضرورة.

4. الحفاظ على حدٍ أدنى من المجهود الرياضي، أو على الأقل الحركة والتمارين البسيطة في نطاق المنزل؛ لأن هذا يساهم إيجابيًَا في تحسين حالة العديد من الأمراض المزمنة، أو على الأقل تجنب بعض مضاعفات قلة الحركة الخطيرة مثل جلطات الأوردة، والشريان الرئوي.

أمراض القلب لا تقل خطورة عن الكورونا

بالرغم من أن رقم 300 ألف قتيل حول العالم نتيجة وباء (كوفيد-19)، في بضعة أشهر فحسب، هو رقم مفزع، وموجِع؛ لكن هل تعرف أن أمراضًا أخرى تفتك بهذا العدد في أقل من أسبوعين فحسب؟ إنها أمراض القلب.

عام 2016 قتلت أمراض شرايين القلب أكثر من 9 مليون إنسان، بالرغم من التطور الكبير الذي شهده طب القلب، وتقنيات القسطرة القلبية العاجلة والعلاجات الدوائية المختلفة. أي أن متوسط الضحايا حوالي 750 ألف إنسان شهريًا، أي 25 ألف إنسان كل يوم. بينما كان عدد ضحايا وباء (كوفيد-19) في ذروة انتشاره عالميًا، حوالي 7 آلاف ضحية يوميًا فقط. ليس هذا تقليلًا من خطورة الجائحة العالمية، إنما تأكيد على مدى خطورة أمراض القلب، وأنها تتربص بأكثرنا في الظروف الحالية.

للأسف، فإن الحالة التي فرضها وباء (كوفيد-19) على غالبية البشر، تُفاقِم عوامل الخطر المسببة لأمراض القلب، ومضاعفاتها التي قد تصل إلى الوفاة. فإيقافُ معظمِ الأنشطة الرياضية، مع البقاء في المنزل لمعظم الوقت، يزيد فرص حدوث السمنة، والتي تعتبر من أهم العوامل المساعدة على حدوث وتفاقم أمراض ارتفاع ضغط وسكر الدم، التي تُعد أخطر عوامل الخطر المسببة لأمراض القلب، بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقًا من اضطراب التواصل بين أصحاب الأمراض المزمنة والخدمات الطبية الملائمة؛ مما يزيد فرص حدوث المضاعفات لديهم، وفي القلب منها أمراض القلب.

إذًا.. كيف نحمي قلوبنا خلال الجائحة؟

1. تجنُّب الإصابة بالفيروس قدر المُستطاع بتطبيق تعليمات الوقاية كالتباعد الاجتماعي، والنظافة الشخصية، وتجنب التجمعات، وارتداء الكمامات، فقد سُجلت مضاعفاتٍ خطيرة على القلب لبعض المصابين، مثل الالتهاب الشديد في عضلة القلب والذي قد يسبب فشلًا في وظائف القلب، وصدمة قلبية في الدورة الدموية، ويعتبر من أهم أسباب الوفاة بـ(كوفيد-19).

2. القيام بحدٍ أدنى من التمارين الرياضية يوميًا، ولو المشي لنصف ساعة بسرعة جيدة لا تقل عن أربعة كيلومترات في الساعة، ويمكن الاستعانة بمئات التطبيقات على الهواتف التي تحسب مسافة المشي، ومدته، وسرعته، وعدد الخطوات، وذلك للتشجيع. فممارسة المشي خارج أوقات الحظر، وفي مكانٍ مفتوح ليس فيها أية خطورة للإصابة بـ(كوفيد-19).

3. الإقلاع عن التدخين فورًا؛ لأنه من أشد عوامل الخطر تأثيرًا على القلب.

4. تجنب تناول العشاء متأخرًا، إذ يجب ترك الأكل قبل أربع إلى ست ساعات من النوم، لتجنب زيادة الوزن. والتركيز على الأطعمة صديقة القلب، مثل: الخضروات، والفواكه، والألبان منزوعة الدسم، والبقوليات، والدهون غير المشبعة، كزيت الزيتون، وقدرٍ معتدل من الشيكولاتة الغامقة.

الاضطرابات والأمراض النفسية تتفشى خلال الجائحة!

بلا أدنى مبالغة، لدينا قائمةٌ عريضة من الانعكاسات السلبية لوباء (كوفيد-19) على الصحة النفسية للجميع، فالضغط العصبي، والقلق، هما البوابة الواسعة لنفاذ العديد من الأمراض النفسية إلى الملايين من البشر، الذين يشعرون مع متابعة أخبار تفشي هذه الجائحة العالمية في كل ساعة، أن المرض والموت يقتربان حثيثًا منهم ومن أهلهم وأحبابهم.

ولدينا بالفعل مئات الآلاف حول العالم من الذين أصابتهم الجائحة بشكلٍ مباشر، ومئات الملايين من الذين أوقعهم الوباء تحت طائلة ضغطٍ شديد ولو مؤقتًا، بعد أن أفسد عليهم العديد من خطط العمل والدراسة والسفر، وسبّب لهم ضغوطاتٍ مالية واجتماعية شديدة نتيجة الخسائر الاقتصادية الجسيمة التي نتجت عن تلك الكارثة العالمية، والتي تركت العديدين خارج دائرتيْ الأمان الوظيفي والاجتماعي.

وأشد الاضطرابات النفسية شيوعًا الآن هي الاكتئاب المرضي، وتدهور الحالات القائمة منه إلى الميول الانتحارية، واضطرابات القلق بمختلف درجاتها، كما يزدهر الوسواس القهري، لاسيَّما المتعلق بالنظافة وتجنب العدوى.

كيف أحافظ على صحتى النفسية أثناء الوباء؟

1. الحفاظ على حدٍّ أدنى رشيد من الإجراءات الوقائية دون تكلف يجعل المهمة عسيرة، وتمثل ضغطًا نفسيًا، وعبئًا شديدًا. فالتباعد الاجتماعي، مع ارتداء الكمامة خارجًا، مع غسل اليدين جيدًا، كافية للغاية في الوقاية في معظم الحالات. أما ما نراه من هوس تعقيم الشوارع والبيوت، وخلع الملابس خارج المنزل، وتعقيم الأحذية، قد يكون الطريق الأمثل للحصول على اضطرابات القلق والوساوس القهرية.

2. إذا كانت متابعة الأخبار وأرقام الضحايا تسبب لك اضطرابًا نفسيا كبيرًا، وتفاقم القلق والتوتر، فتجنبها أولى.

3. التعرف المبكر على الأعراض الأولية للأمراض النفسية، كالأرق الشديد، أو النوم المبالغ فيه، أو تغير حاد في عادات الطعام زيادة ونقصانًا، أو الهواجس الانتحارية، أو فقدان الرغبة في القيام بأي شيء، والتواصل الفوري ولو تليفونيًا مع الطبيب النفسي دون تأخر.

4. الحفاظ على حدٍّ أدنى من التواصل مع الأهل والأحباب، ولو عبر وسائل التواصل، أو يمكن التجمع في أماكن مفتوحة مع الحفاظ على المسافة الآمنة.

5. القيام بما نستطيع من أعمالنا من المنزل، وذلك للشعور بالقيمة والأهمية، فهذا يحسن تعاطي المرء مع نفسه، ويقلل الضغط النفسي والعصبي عليه.

6. تخصيص أوقات مهمة للاستمتاع بالأجواء العائلية والأسرية مع المخالطين الإجباريين لنا في المنازل، والاندماج في تلك اللحظات الحيوية، للهروب مؤقتًا من الضغوط النفسية التي يسببها الوباء.

7. التمارين الرياضية، ولو مجرد المشي لنصف ساعة كما ذكرنا سابقًا، يساهم بشكل فعال في تحسين الحالة المزاجية وتقليل الضغوط العصبية.

8. تنظيم وقتك وعملك وهواياتك على مدار اليوم.

صحة

منذ شهر
إصابتك مؤخرًا بالإنفلونزا قد تحميك من كورونا! هكذا يعمل جهازك المناعي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد