على الرغم من مرور عقدين في القرن الواحد والعشرين، وانتشار التمدن والحضارة في العديد من ربوع العالم، فإنه يبدو أن البشر لم يتخلصوا حتى الآن من بعض السلبيات التي اعتادوا عليها خلال الأزمنة الماضية. أبرز هذه العادات المؤذية تتضح في التمييز العرقي والعنصرية المبنية على الجنس أو اللون أو العرق.

بل إن التنمر نفسه ربما يعد أحد النماذج المصغرة من عمليات التمييز، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من عادات البعض في كل مدارس العالم تقريبًا. وتعددت التحذيرات بخصوص المشكلات والأضرار النفسية التي يمكن أن تسببها مثل هذه العادات السلبية، لكن يبدو أن الإنسان يأبى التخلص من هذه الأمور.

لكن الأمر الذي قد لا يتوقعه الكثيرون، هو أن التمييز والعنصرية، مهما كان نوعهما وحجمهما، لا يسببان الأذى على الصعيد النفسي فقط، بل إن الأثر السلبي يتعدى ذلك بكثير إلى مشاكل صحية جسدية حقيقية، تسبب أمراضًا لم يكن يظن أحد أنها قد تنجم عن مثل هذا الأذى النفسي.

أضرار العنصرية تصل إلى تغيرات في الجينات

وأشارت دراسات حديثة إلى أن المواقف الاجتماعية السلبية، مثل العنصرية والتمييز، تلحق الضرر بصحة المستهدفين من خلال إطلاق سلسلة من الاستجابات البيولوجية الشاذة، بما في ذلك النشاط الجيني الشاذ. ونتيجة لهذا، فليس من المستغرب أن تظهر التقارير التي توثق العمر وأسباب الوفاة نمطًا واضحًا في الولايات المتحدة يشير إلى أن الأمريكيين الأفارقة يموتون في وقت مبكر، ويتحملون عبئًا ثقيلًا مرتبطًا بالعديد من الأمراض، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والخرف، وسرطان الثدي في المراحل المتأخرة، وذلك مقارنة بالبيض.

في السابق، بحث العلماء عن وجود أسباب وراثية للفوارق الصحية بين السود والبيض، ولكن نجاحهم كان محدودًا. لكن في المقابل، تشير الأدلة الأكثر قوة حتى الآن إلى العوامل الاجتماعية البيئية مثل الفقر، وعدم المساواة في الرعاية الصحية، والتمييز والعنصرية، هي أسباب أكثر قوة تبرز هذه الفوارق الصحية بين السود والبيض.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
«أنت عربي إذًا أنت مضطهد».. أبرز مظاهر العنصرية ضد العرب في التعليم الإسرائيلي
1981
ميرفت عوف

العنصرية تسبب زيادة الالتهابات

حتى وقت قريب، لم يعرف العلماء الآلية التي تربط العنصرية بالصحة. كان علم النفس على مر السنوات يحاول تفسير كيف تنشأ التحيزات والقوالب النمطية والعنصرية. وفي الدراسة الأخيرة، ركزت الأبحاث في جامعة جنوب كاليفورنيا على فهم كيفية تفاعل العوامل المجتمعية مع البيولوجيا لإحداث تباينات في النتائج الصحية. وأظهرت الدراسة أن العنصرية تعزز الجينات التي تسبب الالتهابات، وهو ما يعد أحد الدوافع الرئيسية للمرض.

فقد أظهرت الدراسة أن الجينات التي تعزز الالتهابات يعبر عنها في كثير من الأحيان في البشر السود أكثر من البيض. ويعتقد القائمون على هذه الدراسة أن التعرض للعنصرية هو السبب. ليس هذا فحسب، بل سبق وأوضحت دراسات كيف يؤدي تنشيط العنصرية، مثل مطالبة الناس بتدوين جنسهم قبل إجراء الاختبار، في صورة قوالب نمطية، إلى إعاقة وظائف المخ مثل التعلم والذاكرة. هذا قد يفسر جزئيًّا ارتفاع معدلات الخرف في الأمريكيين الأفارقة مقارنة مع البيض.

لقد أثبت الباحثون جيدًا أن الإجهاد المزمن يغير وظيفة مناطق المخ، مثل الحصين، والتي تستهدف أمراض الدماغ مثل مرض الزهايمر. جرى توسيع هذا العمل من خلال مجال «الجينوم الاجتماعي»، ويوضح هذا الحقل الجديد نسبيًّا كيف تتأثر وظيفة الجينات – التي يطلق عليها «التعبير الجيني» – بالظروف الاجتماعية.

تجري عمليات البرمجة للجينات بحيث تقف أو تشتغل بطريقة معينة، لكن أنماط النشاط هذه يمكن أن تتغير اعتمادًا على التعرض البيئي، أو التعرض لأحداث بيئية أو مجتمعية معينة، وتظهر بعض المجموعات البشرية المهمشة أنماطًا غير طبيعية لنشاط الجينات في الجينات المسؤولة عن المناعة الفطرية، والمناعة الفطرية هي تلك المناعة المرتبطة بكيفية مقاومة الجسم والاستجابة لمسببات الأمراض الأجنبية.

وجهاز المناعة يتأثر سلبًا أيضًا

أطلق على هذا النمط من النشاط الجيني «الاستجابة المحفوظة للشدائد». وتشير إلى كيفية سلوك الجينات التي تتحكم في المناعة الفطرية في ظل ظروف بيئية إيجابية أو سلبية. عندما تؤدي الضغوط البيئية، مثل المشكلات الاقتصادية أو العنصرية، إلى تنشيط الجهاز العصبي السمبثاوي، الذي يتحكم في استجاباتنا للأمور الخطيرة، يتغير سلوك جيناتنا. وهذا يؤدي إلى أحداث كيميائية حيوية معقدة تؤدي إلى تشغيل الجينات، مما قد يؤدي إلى نتائج صحية سيئة.

ويتميز ملف هذه «الاستجابة المحفوظة للشدائد» بزيادة نشاط الجينات التي تلعب دورًا في الالتهابات، وانخفاض نشاط الجينات المشاركة في حماية الجسم من الفيروسات، ووجد الباحثون أن السود والبيض اختلفوا في النمط الذي يجري فيه تشغيل الجينات المؤيدة للالتهابات وإشارات الإجهاد. النتائج التي توصلوا إليها مهمة بشكل خاص؛ لأن الالتهاب المزمن يجهد الجسم ويسبب تلف الأعضاء.

وأخذ الباحثون في الاعتبار الفوارق الصحية، مثل الحالة الاجتماعية والاقتصادية والضغط الاجتماعي والوصول إلى الرعاية الصحية. على سبيل المثال، قاموا في هذه الدراسة بتجنيد الأمريكيين الأفارقة والبيض ذوي المكانة الاجتماعية والاقتصادية المماثلة. ودرسوا أيضًا الاختلافات العرقية في دراسات أخرى تتعلق بالإجهاد. وكان الأشخاص المختارون أيضًا في مستويات مماثلة من الضغوط الاجتماعية.

في هذه الدراسة بالذات، لم تفسر أيٌّ من هذه العوامل التقليدية السابقة السبب في نشاط جينات الأمريكيين من أصل أفريقي المسببة للالتهابات أكثر من البيض. ومع ذلك، وجدت الدراسة أن تجارب العنصرية والتمييز مثلت أكثر من 50% من الفرق بين السود والبيض في نشاط الجينات التي تزيد الالتهاب.

من هنا يجب معاملة العنصرية والتمييز كعامل خطر على الصحة، تمامًا مثل التدخين. هذه العادات السلبية سامة للصحة من خلال إتلاف الدفاعات الطبيعية التي تستخدمها أجسامنا لمحاربة العدوى والأمراض، والتدخلات المصممة لتخفيف التوتر المرتبط بالعنصرية قد تخفف من بعض آثارها الضارة في الصحة.

المثال الأبرز: العنصرية في المجتمع الأمريكي

ويعد المجتمع الأمريكي من أبرز المجتمعات في العالم التي تعاني من العنصرية وعدم  المساواة العرقية، والتي يصر الكثيرون على عدم الاعتراف بها بشكل واضح وعلني. ووفقًا لدراسة حديثة، فقد أظهرت أن العديد من الأمريكيين يبالغون في تقديرات الباحثين حول التقدم ​​في عملية إصلاح عدم المساواة العرقية، وهو ما يوضح عدم اقتناع المجتمع الأمريكي بتقلص التمييز العنصري هناك. ومن ناحية أخرى، يدرك عدد أكبر من الأمريكيين (حوالي 65%) أنه أصبح من الشائع بالنسبة للناس التعبير عن وجهات نظر عنصرية أو غير حساسة عنصريًّا، وفقًا لمسح أمريكي.

العنصرية ليست مجرد مواقف سلبية أو معاملة من شخص لآخر. للعنصرية جذور تاريخية عميقة في المجتمع الأمريكي، دعمت من خلال السياسات والممارسات المؤسسية، إذ يجري التعامل مع الأشخاص الملونين بشكل روتيني ومنهجي بطريقة مختلفة عن البيض. وهناك أدلة عديدة توضح هذا الأمر على مر التاريخ، لعل أبرزها قصة الطفل جورج ستيني، التي تعد رمزًا لعنصرية البيض وإجحاف القضاء في الولايات المتحدة عام 1944، بعد الحكم بإعدامه بتهمة قتل طفلتين من البيض، وهو ما ثبت عدم صحته لاحقًا.

كفرد أمريكي من أصل أفريقي، غالبًا ما يجرب هؤلاء تعليقات مثل «أنت لا تبدو أسود تمامًا»، أو «شوكولاتة» أو غيرها من العبارات التي تشير إلى لون البشرة بشيء من السخرية. هذه الأمور أُثبت بالفعل أن لها تأثير ضار جدًّا في صحة هؤلاء الأمريكيين.

العنصرية الحديثة.. أقل علانية ولكنها راسخة

على الرغم من أن العنصرية قد تكون أقل وضوحًا اليوم مما كانت عليه في أوائل القرن العشرين، فإن السياسات والقواعد الحكومية، والمعاملة غير العادلة من قبل المؤسسات الاجتماعية، والقوالب النمطية والسلوكيات التمييزية، تذكّرنا دائمًا أن العنصرية ما تزال حية، وهي تسهم في الوفيات المبكرة بالإضافة إلى تدني نوعية الحياة.

على سبيل المثال، يكون السود أكثر عرضة من البيض لاختبار المخدرات عند وصف المواد الأفيونية طويلة الأجل في الولايات المتحدة، على الرغم من أن البيض يظهر لديهم معدلات أعلى للجرعة الزائدة. لقد تحمل الأمريكيون من أصل أفريقي عبء العنصرية لعقود من الزمن، وخلقوا مستوى من عدم الثقة في النظم الاجتماعية، سواء كانت الرعاية الصحية أم تطبيق القانون.

توضح المصطلحات مثل «أسود يقود سيارة» كيف دمجت العنصرية والتمييز بعمق في التجربة الثقافية الأمريكية. فقط تخيل محاولة شراء منزل تُرفض بسبب عرقك. هذا شائع جدًّا في تجربة الأمريكيين من أصل أفريقي. فقد أفاد 45% من الأفارقة الأمريكيين بالتعرض للتمييز عند محاولة العثور على منزل وتلقي الرعاية الصحية، وفقًا لمسح طورته جامعة هارفارد.

ولماذا نذهب إلى الولايات المتحدة، يكفي أن نلقي نظرة على مباريات كرة القدم في أوروبا لنشاهد حالات التمييز المتعددة. آخر هذه الأحداث المؤسفة كانت الهتافات العنصرية التي أطلقتها الجماهير البلغارية ضد اللاعبين البريطانيين ذوي البشرة الداكنة خلال مباراة الفريقين ضمن تصفيات كأس أوروبا 2020 في مدينة صوفيا يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2019. يأتي هذا في الوقت الذي رفع فيه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) شعار «لا للعنصرية» على مر سنوات عديدة مع حملات متعددة لمحاربة هذه الظاهرة في ملاعب كرة القدم. لكن يبدو أن الأمر متأصل في وجدان بعض البشر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد