أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية يوم السبت التاسع من مايو (أيار) 2020 بدء عملية توزيع عقار «ريمديسيفير» على الولايات والمستشفيات، بعد أن حصل على موافقة «إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)». ويعد هذا العقار هو الدواء الوحيد الذي حصل على موافقة فيدرالية لعلاج المصابين بفيروس كورونا في حالات الطوارئ. يأتي هذا بالرغم من أن التجارب حول مدى فعاليته لا تزال جارية.

وبعد اعتماده بأيام قليلة أعلنت وزيرة الصحة والسكان المصرية، هالة زايد، أن مصر قد حجزت بالفعل دفعة أولى من دواء «ريمديسيفير»، وتعد مصر هي الدولة الوحيدة حتى الآن التي طلبت من الشركة المصنعة دفعة مسبقة، وكانت الشركة تعهدت بتوفير نحو 607 آلاف قارورة من الدواء التجريبي على مدى الأسابيع الستة المقبلة لعلاج حوالي 78 ألف مريض في الولايات المتحدة. كما أشارت إلى أن هذه الكمية هي ضمن 1.5 مليون قارورة ستتبرع بها الشركة إلى العالم دون مقابل. فما قصة هذا العقار؟ وهل هو بالفعل علاج لمرض فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19)؟

كيف وصل ريمديسيفير؟

حتى بداية شهر مايو 2020 كان ريمديسيفير علاجًا تجريبيًا لكورونا في المقام الأول. في المئات من التجارب السريرية التي تحدث في جميع أنحاء العالم يختبر الباحثون عقاقير جديدة، بالإضافة إلى عقاقير قديمة تستخدم لأغراض مختلفة من أجل إيجاد وسيلة لوقف عدد الوفيات التي يواجهها العالم.

في 28 مارس (آذار) 2020، أعطت (FDA) الإذن للأطباء باستخدام كبريتات هيدروكسي كلوروكوين ومنتجات فوسفات الكلوروكين لعلاج كورونا لدى المراهقين والبالغين في الحالات التي لم تكن فيها التجارب السريرية خيارًا متاحًا. وعلى الرغم من الضجيج الذي صاحب استخدام هذه الأدوية، أعلنت (FDA) في 24 أبريل (نيسان) 2020 أنها تسلط الضوء على تقارير تفيد بأن بعض الأشخاص قد أصيبوا بمشاكل خطيرة في القلب نتيجة هذه العقاقير.

وقد تركز الكثير من الاهتمام منذ ذلك الحين على دواء يسمى ريمديسيفير (remdesivir). قامت شركة جلياد للأدوية (Gilead Sciences) بتطوير عقار ريمديسيفير منذ سنوات كجزء من الأدوية المضادة للفيروسات الخاصة بها لعلاج الالتهابات الفيروسية. وشمل ذلك العمل على الفيروسات التاجية.

في عام 2017 نشر فريق من الباحثين بالتعاون مع الشركة دراسة حول ريمديسيفير وفيروسات كورونا، وبحسب الدراسة كان هذا الدواء فعالًا ضد أنواع متعددة من الفيروسات التاجية في التجارب المعملية، وفي التجارب على الفئران فيما يتعلق بفيروس السارس، ولم يظهر آثارًا سامة. وذكرت الدراسة آنذاك «نظرًا لنشاطها الواسع، يمكن نشر هذه الأدوية المضادة للفيروسات لمنع انتشار تفشي الفيروسات التاجية في المستقبل، بغض النظر عن نوع الفيروس الذي ينتشر منها».

كما قامت الشركة بالتعاون مع المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة باختبار الدواء في التجارب السريرية لعلاج مرضى فيروس الإيبولا، لكنهم أعلنوا في أغسطس (آب) 2019 أن عقارين آخرين كانا أكثر فعالية من ريمديسيفير، وهو ما تسبب في وقف التجارب المتعقلة بالإيبولا.

كيف يعمل ريمديسيفير؟

أصبحت الإجابة على هذا السؤال أكثر وضوحًا في وقت سابق من عام 2020، عندما نشر فريق من جامعة ألبرتا بكندا مع علماء من شرطة جلياد، ورقة بحثية في مجلة الكيمياء البيولوجية. عقار ريمديسيفير هو واحد من أقدم وأهم فئات الأدوية المعروفة باسم (nucleoside analogue) أو نظائر النيكليوسيد، والتي يوجد منها حاليًا أكثر من 30 نوعًا، تمت الموافقة على استخدامها في علاج الفيروسات، والسرطانات، والطفيليات، وكذلك الالتهابات البكتيرية والفطرية، والعديد منها حاليًا في التجارب السريرية وما قبل السريرية.

وأوضح البحث أن الفيروسات التاجية تستخدم إنزيمًا يسمى «بوليميراز (RNA)» وهو الخاص بالحمض النووي (RNA)، مثل الموجود في فيروسات كورونا، لنسخ المواد الوراثية عند تكاثرها داخل خلية مصابة، ولأن ريمديسيفير هو مركب مقلد، أو نظير للنيوكليوتيدات، التي تحتاجها الفيروسات لنسخ الحمض النووي، فإن هذا العقار يوقف عملية النسخ في الفيروس التاجي الذي يسبب مرض (MERS)، بحسب ما أشارت الدراسة.

الفكرة هنا أن نظائر النيكليوسيد (أو نظائر النيكليوتيد) تشبه الجزيئات الطبيعية المكونة للحمض النووي (nucleosides، وcytidine، وthymidine، وuridine، وguanosine، وadenosine) وهي اللبنات الأساسية للحمض النووي التي تحمل معلوماتنا الجينية، وتلعب أدوارًا حاسمة في العمليات البيولوجية للجسم.

الاختلافات الطفيفة في التركيب الكيميائي لهذه النظائر من المركبات الطبيعية تجعلها فعالة كأدوية. إذا قام كائن مثل الفيروس بدمج نظير النيوكليوسيد في مادته الوراثية، بدلًا عن الجزئ الحقيقي، فإن هذه التغييرات الصغيرة في بنية الحمض النووي تغير من طبيعة المادة الوراثية للفيروس، وتمنعه من حدوث التفاعلات الأساسية اللازمة للتكاثر، وتحبط في النهاية قدرة الفيروس على التكاثر.

فعالية ريمديسيفير ليست حاسمة

في بداية شهر فبراير (شباط) 2020 بدأ الباحثون في الصين في تجربة بالتعاون مع باحثين دوليين، للدواء في 10 مستشفيات في مقاطعة هوبي الصينية. وفي 23 أبريل (نيسان) 2020 بدأت تظهر أخبار عن فشل الدراسة الصينية. ويبدو أن «منظمة الصحة العالمية (WHO)» نشرت مسودة تقرير حول التجربة على قاعدة بيانات التجارب السريرية الخاصة بهم، والتي أشارت إلى أن العلماء أنهوا الدراسة قبل الأوان بسبب «مستويات عالية من الآثار الجانبية الضارة».

صحة

منذ شهرين
من الإنفلونزا إلى كورونا.. لماذا وكيف تتحوَّر الفيروسات؟

لكن سحبت منظمة الصحة العالمية التقرير، ونشر الباحثون نتائجهم في مجلة «لانسيت» في 29 أبريل 2020. وأظهرت الدراسة أن عدد الأشخاص الذين عانوا من آثار جانبية ضارة كان متشابهًا تقريبًا بين أولئك الذين يتلقون علاجًا ريدميسيفير، وأولئك الذين يتلقون علاجًا وهميًا، وبمشاركة 18 شخص، أوقف الباحثون هذا العلاج بسبب ردود الفعل السلبية، وأوضح الباحثون الصينيون أن «تجربتنا لم تصل إلى حجم العينة المحدد سلفًا؛ لأن تفشي وباء كرونا تمت السيطرة عليه في الصين».

نتائج مبشرة في الولايات المتحدة

ومع ذلك ففي 29 أبريل 2020 أيضًا أعلن المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية أن تجربة المعاهد الوطنية بالولايات المتحدة أظهرت أن عقار ريمديسيفير أدى إلى التعافي بشكل أسرع في المرضى المحجوزين بالمستشفى الذين يعانون من «كوفيد-19»، مقارنة مع العلاج الوهمي. جاء ذلك بعدما قامت بتسجيل الأشخاص في تجربتهم السريرية الخاصة لاختبار سلامة وفعالية عقار ريمديسيفير يوم 25 فبراير (شباط) 2020.

ووفقًا للبيان الصحافي تشير النتائج الأولية إلى أن المرضى الذين تلقوا عقار ريمديسيفير تسارع لديهم وقت الشفاء بنسبة 31% من أولئك الذين تلقوا العلاج الوهمي. على وجه التحديد، كان متوسط ​​وقت الشفاء 11 يومًا للمرضى الذين عولجوا بعقار ريميسيفير مقارنة بـ15 يومًا لأولئك الذين تلقوا العلاج الوهمي.

وكان معدل الوفيات في المجموعة التي عولجت بعقار ريمديسيفير 8%، بينما كان المعدل 11.6% في المجموعة الثانية التي تلقت العلاج الوهمي؛ مما يشير إلى أن الدواء يمكن أن يحسن فرص بقاء الشخص على قيد الحياة. كانت هذه البيانات قريبة من تحقيق دلالة إحصائية يمكن الاعتماد عليها.

وفي نفس اليوم أصدرت شركة جلياد أيضًا بيانًا صحافيًا حول المرحلة الثالثة من التجارب السريرية للدواء. في التجربة، قارنت الشركة نتائج استخدام العقار للعلاج لمدة خمسة أيام، مع استخدامه لمدة 10 أيام، ولم تكن هناك مجموعة تتلقى علاجًا وهميًا. وفقًا للشركة، فإن خمسة أيام من العلاج كان لها آثار مماثلة لـ10 أيام من العلاج في الأشخاص الذين يعانون من أعراض شديدة لمرض كورونا الجديد.

وتوضح الدراسة إمكانية علاج بعض المرضى بنظام خمسة أيام؛ مما قد يؤدي إلى زيادة كبيرة في عدد المرضى الذين يمكن علاجهم من خلال ريميديسيفير. وهذا مهم بشكل خاص في تفشي الوباء لمساعدة المستشفيات والعاملين في مجال الرعاية الصحية على علاج المزيد من المرضى.

اعتماد رغم عدم اكتمال المعلومات

هذه النتائج دفعت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، في الأول من مايو 2020، منح الضوء الأخضر للأطباء لاستخدام ريدميسيفير خارج التجارب السريرية لعلاج (كوفيد-19) لدى بعض الأشخاص، خصوصًا البالغين والأطفال الذين نقلوا إلى المستشفى بسبب أعراض شديدة، وفي حين أن هناك معلومات محدودة معروفة عن سلامة وفعالية استخدام ريمديسيفير، فقد عرض استخدام الدواء لتقصير وقت الشفاء لدى بعض المرضى.

العنصر الرئيس هنا هو أنه لا يوجد بديل مناسب ومعتمد ومتاح للاستخدام الطارئ لعقار ريمديسيفير لعلاج وباء كورونا الجديد وخصوصًا في الحالات الشديدة التي قد تصل إلى الوفاة. هذا الأمر هو ما يحدد الشروط التي يمكن بموجبها توزيع ريمديسيفير واستخدامه. ولذلك أيضًا لم تمنح الشركة المنتجة الإذن بتسويق الدواء.

يسمح للأطباء بالحصول على الدواء واستخدامه على المرضى في المستشفيات الذين يعانون من أعراض شديدة أو الذين يحتاجون على الأقل إلى أكسجين إضافي. يتم تحديد الجرعات وتحقن بالمريض في المستشفى. لكن بالرغم من أن دراسة المعاهد الوطنية كانت جيدة الإدارة، ولكنها في النهاية صغيرة جدًا لاستخلاص أي استنتاجات حاسمة.

كما أن النظر إلى بقية الدراسات جنبًا إلى جنب تظهر أن الأدلة على الفعالية قد لا تكون كبيرة كما هو الأمر في تجربة المعاهد الوطنية الأمريكية بمفردها. وربما ينتظر العلماء أيضًا نتائج تلك الدراسات الجارية التي يقارن فيها عقار ريميسيديفير مع العلاجات الأخرى التي يتوقع أن تظهر قريبًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد