لم يكن إقرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخرًا للعقيدة العسكرية الروسية الجديدة أمرًا فارغًا بلا معنى، بل يحمل في طياته جملة من الرسائل السياسية، لحلفائه وخصومه في الوقت نفسه، لاسيما بعد فصول الأزمة الأوكرانية الأخيرة، وما نتج عنها من تدهور في العلاقات مع الغرب.

وكان الرئيس بوتين قد حدد في سبتمبر الماضي مهمات برنامج الدولة للتسليح للفترة 2016-2025، حيث دعا حينها إلى تضمين وثائق التخطيط الإستراتيجي، والتي اشتملت على “التهديدات المحتملة لأمن روسيا العسكري”، والرد المناسب عليها.

“ساسة بوست” سلطت الضوءَ في التقرير التالي، على دوافع إقرار بوتين للعقيدة في الوقت الحالي، وردود الفعل الدولي، وتحديدًا الغربي لها، فضلا عن أبرز ما تضمنته العقيدة الجديدة، وجذور نشأتها في روسيا.

جذور العقيدة العسكرية الروسية

فور انهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، تبنت روسيا سياسة جديدة في التعامل مع متطلبات المرحلة آنذاك، حيث كانت روسيا أقرب إلى استعادة الدولة القومية في مختلف مجالاتها، وإعادة التوازن الإستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، متبنية حينها عقيدة عسكرية نشأت نتيجة جملة من المتغيرات أحلت بها، حيث مرت بثلاث مراحل، كان آخرها المرحلة الأخيرة، التي أعلنها بوتين، حيث سميت الأولى “مرحلة الانتشال”، والتي امتدت ما بين “2000-2004، وهي الأقرب لاستعادة الدولة القومية.

فيما كانت المرحلة الثانية المسماة بـ”عقيدة فرض الاحترام”، والتي امتدت من ” 2005-2009″، هدفها الأساسي هو بناء وتأسيس جيش قوي وقدرات عسكرية دفاعية وهجومية إستراتيجية قادرة على مواجهة جل التحديات والتهديدات الجديدة النابعة من الخارج تحديدًا خلال الحقبة الزمنية الجديدة.

أما المرحلة الأخيرة، والتي تعيشها روسيا الآن فتعرف بـ”عقيدة التوازن الإستراتيجي”، من “2011-2015، وتقوم على عملية إحداث توازن عسكري بين روسيا وبين القوى العسكرية المجاورة والمنافسة.

وأهم ما في هذه العقيدة أنها تراعي في الحسبان تلك التطورات العقائدية العسكرية للدول الأخرى كالولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال، ولا تستبعد إمكانية القيام بالسبق في توجيه الضربة النووية الأولى عند الضرورة، لاستعادة التوازن الإستراتيجي.

مضمون التعديل في العقيدة العسكرية

قوات روسية على متن دبابات

أهم ما جاء في العقيدة الجديدة، أنها اعتبرت توسع حلف شمال الأطلسي “الناتو” خطرًا داخليًا وخارجيًا، فيما أبقت على الطابع الدفاعي، مع التشديد على عدم التدخل عسكريًا إلا بعد استنفاد كل الحلول غير العنيفة، فضلا عن تقلص احتمال شنّ حرب واسعة النطاق ضد روسيا.

وأدرجت العقيدة الجديدة مفهوم “الردع غير النووي” الذي يقضي ببقاء القوات العسكرية التقليدية في حالة استعداد عالية، بحيث تحتفظ موسكو لنفسها بالحق في استخدام ترسانتها النووية إذا ما تعرضت هي أو أحد حلفائها لعدوان.

ووفقا لموقع “الجزيرة”: “فإنه ولأول مرة تتضمن العقيدة القتالية الجديدة أن القطب المتجمد الشمالي من ضمن المصالح القومية لروسيا، وأن على القوات الروسية أن تحافظ على هذه المصالح”.

وتصنف العقيدة الجديدة أنظمة دفاع الناتو والولايات المتحدة -ومنها الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا- من بين المخاطر الأمنية الرئيسية على موسكو، لافتة إلى أن روسيا قد تلجأ إلى استخدام الأسلحة النووية للرد على الهجوم عليها أو على حلفائها بسلاح مماثل أو بسلاح آخر من أسلحة الدمار الشامل، أو إذا تعرضت لاعتداء تستخدم فيه أسلحة تقليدية تهدد كيان الدولة الروسية.

ولأول مرة أيضًا تم التنصيص في العقيدة القتالية للجيش الروسي -وهو من أقوى جيوش العالم- على أن البلاد قد تلجأ إلى استخدام أسلحة دقيقة كجزء من إجراءات للردع الإستراتيجي، دون أن تحدد روسيا متى وكيف ستستخدم هذه الأسلحة.

السر في إقرار التعديلات في الوقت الحالي

الاحتجاجات في أوكرانيا

قد يتبادر إلى الذهن سؤالٌ حول الدوافع التي جرت روسيا إلى إقرار العقيدة الجديدة في الوقت الحالي، حيث يرى مراقبون أن ذلك يتزامن مع استعداد روسيا التوجه إلى الأمم المتحدة لتوسيع نطاق حدودها في تلك المنطقة.

ويأتي أيضا في ظل تردي العلاقات بين موسكو والغرب إلى أدنى مستوياتها منذ انتهاء الحرب الباردة، و بعد أيام من اتخاذ أوكرانيا خطوات جديدة لإنهاء حالة الحياد والسعي نحو الانضمام إلى حلف الناتو.

ويشار إلى أن بوتين في أيلول سبتمبر من العام الجاري قد بحث مضمون العقيدة الجديدة، والمتعلقة بتحديث منظومة تسليح القوات المسلحة للفترة من 2016 – 2025، قائلا: “إن الأزمة الأوكرانية تضع الولايات المتحدة نفسها في صدارة قائمة الأخطار المباشرة التي تهدد أمن بلاده، مما يدعو إلى إعادة النظر في العقيدة العسكرية الروسية التي كان أقرها الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف”.

ويجمع المراقبون على أن العقيدة جاءت كرد فعل على تصرفات الإدارة الأميركية، حيث قرر مجلس الأمن القومي الروسي توسيع المناطق الحدودية لروسيا من مسافة خمسة كيلومترات إلى خمسة عشر كيلومترًا وخاصة في الجهات الغربية، وبهذا تعود المنطقة الحدودية الروسية إلى ما كانت عليه في زمن الاتحاد السوفييتي.

ومنهم من يرى أن الخطوة التي اتخذها الرئيس الروسي، تدل على تطور الأوضاع بشكل كبير فيما يتعلق بالقضية الأوكرانية، خاصة مع عدم التوصل لاتفاق متعلق بالأزمة بين أوكرانيا والانفصاليين حتى الآن.

وثمة من يرى في وضع الخطط الجديدة ما يتهدد روسيا من أخطار، مثل خطط الناتو حول التوسع وتعزيز قواته وقواعده في شرق أوروبا، وسعي الولايات المتحدة لتعزيز قدراتها الإستراتيجية الهجومية من خلال تطوير منظومة الدرع الصاروخية العالمية وتبني مفاهيم إستراتيجية جديدة لاستخدام القوات المسلحة.

ردود الفعل الدولية فور إقرار روسيا للعقيدة

مجرد ما إن أعلنت روسيا إقرارها للعقيدة العسكرية الجديدة، حتى تعالت الأصوات داخل حلف “الناتو”، واعتبرتها اختراقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، وزعزعة للأمن الأوروبي، مع التأكيد على أن أي خطوة يتخذها حلف “الناتو” لضمان أمن الدول الأعضاء فيه هي إجراء دفاعي يتوافق ومقتضيات القانون الدولي.

وحددت بعض مصادر القلق الروسي كالتطور المحتمل للنظام الإستراتيجي الروسي المضاد للصواريخ والتطور المتوقع للأسلحة الإستراتيجية التقليدية العالية الدقة التي تريد روسيا قيودًا أميركية عليها كتلك المفروضة على الأسلحة النووية.

والجدير ذكره أن الرئيس الروسي السابق ميدفيديف اقترح نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي معاهدة أمنية لما بعد الحرب الباردة تحل محل الناتو ومنظمات أخرى، وتحد قدرة أي دولة على استعمال القوة انفراديًا، بيد أن الحلف قال: “إنه لا حاجة إلى معاهدة أمنية جديدة”.

الخطة العسكرية الجديدة وحلف الناتو

أعضاء دول في حلف شمال الأطلسي “الناتو”

في أكثر من مرة كانت موسكو تندد بقرار الحلف الأطلسي “الناتو” نشر قوات في عدد من الدول الأعضاء الواقعة على حدود روسيا مثل دول البلطيق أو بولندا إضافة الى مشروع نصب الدرع الأمريكية المضادة للصواريخ في شرق أوروبا.

وبالتالي، اعتبرت في عقديتها العسكرية الجديدة الحلف بأنه تهديد أساسي لأمن بلادها، خاصة بعد أيام قليلة من اتخاذ أوكرانيا خطوات جديدة للانضمام إلى الحلف، واعتبرت حينها أن الحلف يحول أوكرانيا إلى جبهة مواجهة، وسط تهديدات بقطع الصلات المتبقية معه إذا تحققت تطلعات أوكرانيا بالانضمام إليه، وهو ما تم فعلا.

وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، نقلا عن موقع “العرب” أن علاقات روسيا وحلف شمال الأطلسي (ناتو) تشهد حاليا أخطر أزمة منذ أيام الحرب الباردة، وأن الحلف يواصل سياسة احتواء روسيا والخطوات الرامية إلى تعزيز قدراته العسكرية وزيادة وجوده العسكري قرب حدودها.

وكان الصراع الأوكراني الأخير مع روسيا، قد أدى إلى تراجع في العلاقات بين حلف شمال الأطلسي “ناتو” وروسيا، حيث اتهم الناتو روسيا بإرسال وحدات عسكرية دورية ومدرعات ثقيلة إلى شرق أوكرانيا لمساعدة قوات الانفصاليين، والبعض يصف ذلك بأنه غزو غير معلن، في حين نفت روسيا ذلك، واتهمت الحكومة الأوكرانية الموالية للغرب بـ”العدوان”.

المصادر

تحميل المزيد