يربط الكثير من المتابعين والمحللين للشأن الجزائري الانتفاضة المفاجئة للجزائريين في 22 فبراير (شباط) الماضي بدور السكان في الجنوب الجزائري، الذي كان في الفترة التي سبقت الحراك مسرحًا للعديد من الاحتجاجات، التي استطاع الجزائريون من خلالها كسر حاجز الخوف وتحدي نظام بوتفليقة.

اقتصاد الناس

منذ 9 شهور
الاحتياطي ثابت رغم التنقيب والإنتاج.. أين يذهب ذهب الجزائر؟

كان المحتجون يعترضون على سياسة التهميش التي اتبعتها الحكومات الجزائرية المتعاقبة في الجنوب طوال عقود. احتجاجاتٌ رافضة لاستغلال الغاز الصخري، وأخرى رافضةٌ لسياسة الشغل ومطالبة بالتنمية، وما بينهما عاش الجنوب الجزائري في السنوات الأخيرة على صفيحٍ ساخنٍ ينذر بتفجّر الأوضاع، خصوصًا بعد عودة نشاط الحركات الانفصالية بالجنوب الجزائري وبروز شعاراتٍ ومطالب تهدد السيادة الترابية للجزائر.

قبيل الإعلان عن استقالته في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي؛ قام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بتعيين حكومةٍ جديدةٍ مهمتها تسيير مرحلة ما بعد استقالته، فاختار على رأسها «ابن الجنوب» نور الدين بدوي وزيرًا أوّلًا، في خطوةٍ رأى البعض بأنّها محاولة أخيرة منه لإرضاء سكان الجنوب وإبعادهم عن مطالبهم الانفصالية، كما قام بدوي هو الآخر بتعيين ثلاثة وزراء من الجنوب في حكومته؛ وإعطاء أولوية التنمية في حكومته للصحراء للغرض ذاته.

أيضًا، لم تغب مفردة «الجنوب المهمش» عن خطابات السياسيين بعد 22 فبراير؛ ووصل الأمر إلى اتهام الجيش النظام السابق بتكريس التفرقة بين الجزائريين والتهميش العمدي لأبناء الجنوب، كما اهتم مرشحو الرئاسة جميعًا ببدء حملاتهم الانتخابية من هناك، وكان على رأسهم الرئيس الحالي عبد المجيد بن تبون. 

من يريد أن يبقى الجنوب الجزائري «مهمشًا»؟

في بحرٍ شاسعٍ من الخيرات الباطنية، يسبح الجنوب الجزائري الممتد على مساحة أزيد من مليوني كيلومتر مربع (80% من المساحة الإجمالية للجزائر)؛ الأمر الذي جعل الجنوب الجزائري من أغنى المناطق بالعالم، ففي أعماق باطن التراب بالجنوب يوجد أكثر من 13 مليار برميل من النفط؛ احتلت من خلاله الجزائر المرتبة السابعة في ترتيب احتياطيات النفط العالمية؛ والمرتبة الرابعة من ناحية احتياطي الغاز، ناهيك عن مخزون كبير من الذهب ومعادن نفيسة أخرى، جلبت للخزينة الجزائرية مبلغ أكثر من 1.2 تريليون دولار؛ تريليون دولار منها فقط في عهد الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة. 

فشلت سياسات الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال في إنهاء عقودٍ طويلة من التهميش والإقصاء والمعاناة التي طالت سكان الجنوب، ففي الوقت الذي أُغدقت فيه على سكان الشمال الجزائري المئات من المشاريع التنموية بميزانية تجاوزت 800 مليار دولار، لا يزال سكان الولايات الصحراوية يكابدون الحياة البدائية ويضطرون للسفر إلى العاصمة من أجل العلاج والعمل، ويضطر أطفالهم إلى قطع عشرات الكيلومترات لبلوغ المدارس، ناهيك عن البطالة التي دفعت الشباب إلى التغرب عن وطنهم، كل هذه المشاكل المتراكمة دفعت سكان الجنوب إلى الانتفاضة في وجه البيروقراطية والتهميش ولسان حالهم يقول: «لا نقبل أن نكون مواطنين من الدرجة الثانية».

الغاز الصخري زاد من موجة غضب أهل الجنوب من سياسات الحكومة

الغاز الصخري زاد من موجة غضب أهل الجنوب من سياسات الحكومة

في جولةٍ قامت بها «ساسة بوست» في بعض الولايات الجنوبية لاستقصاء آراء مواطنيها حول الأوضاع الاجتماعية التي يعيشونها؛ رصدنا حجم الاستياء البالغ لدى الكثير من الجزائريين حول الوضع المزري الذي تعيشه مناطق عدّة بالجنوب الجزائري من عدّة جوانبٍ.

«الجنوب جنّة فوق الأرض قبل أن تكون الجنة تحت»، هذا ما قاله علي، أحد شباب الحراك الذين التقيناهم في مقهى بوسط مدينة الأغواط؛ واليأس يدبّ في نفسه حول ما تعيشه بلاده؛ معبرًا عن استيائه وحسرته من السنوات التي خسرتها الجزائر بعدم اهتمامها بالجنوب.

ويضيف: «لا أخفي عليكم إن قلت لكم أنّ شباب مدينتي (الأغواط) كانوا ينظرون للنظام السابق على أنّه محتل لثرواتهم، فأبسط شيء شباب الجنوب لا يشتغل في شركات النفط والغاز إلّا عبدًا لمن يأتون من الولايات الشمالية».

محمد، وهو أحد سكان مدينة حاسي الدلاعة الذين يعملون في شركة سوناطراك الجزائرية، روى بحسرةٍ في حديثه مع «ساسة بوست» التجاوزات العنصرية التي تحدث داخل ورشات حقول النفط ضد العمال البسطاء، الذين يكونون في الغالب من سكان المناطق الجنوبية، وقال: « أغلب الأعمال الشاقة يقوم بها هؤلاء البسطاء؛ بل حتى إنّ المهندس القادم من الصحراء لا يمنح قيمته الحقيقة أبدًا، ودائمًا ما يشعر بأنه يجب أن يكون تابعًا للمهندس القادم من الشمال؛ ناهيك عن تعمد المعاملة باللغة الفرنسية لتبرير الفرق بين العمال من الشمال والجنوب، كون عمال الجنوب محافظين ويفضلون التعامل بالعربية». 

ملف التشغيل هو أحد أكبر المشاكل التي كرّست تهميش سكان الولايات الجنوبية بالجزائر.

كرّست هذه الممارسات تعاملًا فظًّا من سكان الجنوب تجاه قيادات الشركات البترولية القادمين من الولايات الشمالية، مثلما حصل في الكثير من الوقفات الاحتجاجية التي قام بها الشباب العاطل عن العمل؛ من خلال رفع شعارات تدعو إلى سن قوانين للتشغيل تضع في الحسبان توظيف أعدادٍ كبيرة من سكان الجنوب.

ويبقى ملف التشغيل؛ أحد أكبر المشاكل التي كرّست تهميش سكان الولايات الجنوبية بالجزائر؛ فبالرغم من سنّ الحكومة الجزائرية لقانون يمنع شركات النفط والغاز من توظيف العمال من خارج الجنوب سنة 2013؛ والذي جاء على خلفية الاحتجاجات الواسعة التي قام بها سكان الجنوب آنذاك للمطالبة بحقوقه في التشغيل إلّا أن المعضلة بقيت تراوح مكانها وتفاقمت في الكثير من المرّات.

ولعلّ القطرة التي أفاضت الكأس في ما يخص تعامل الحكومة الجزائرية مع سكان الجنوب هي قضية الغاز الصخري؛ الذي لم تكترث الحكومة الجزائرية لخطورته وأقرّت البدء في استغلاله رغم الاحتجاجات الواسعة التي رافقت عمليات التنقيب الأولية عنه؛ وهو ما اعتبره سكان الجنوب تحديًا لهم، الأمر الذي دفعهم للقيام باعتصاماتٍ ومظاهراتٍ كبيرة رفضًا للمشروع. 

وعلاوةً على التهميش والإقصاء؛ لم يسلم سكان الجنوب الجزائري من ألسنة المسؤولين الجزائريين، الذي هاجموا بشدّة مطالبهم بالتنمية؛ بدايةً بالوزير الأوّل السابق والقابع في السجن حاليًا أحمد أويحيى الذي هاجم سكان مدينة ورقلة ردًا على مطالبهم بالتنمية والشغل بالقول: «البطالة ليست حُجّة لرفض حفل فني، والفوضى ليست حلًّا للمشاكل، والبطالة موجودة في كل أنحاء الوطن».

من جهته، وفي أغرب تصريحٍ من مسؤولٍ جزائري تجاه سكان الجنوب، دافع وزير الصحة الجزائري السابق مختار حسبلاوي عن عقربٍ لسع أستاذة جامعية، مما أدى لوفاتها بعد نقلها لمستشفى بولاية ورقلة شرقي البلاد، وقال حسبلاوي إن «العقرب لا يهاجم البشر إلا إذا أحس بالخطر»، وهو التصريح الذي اعتبره كثير من الجزائريين استهزاءً بمشاعر أهل الجنوب.

«الإنعاش الأخير».. هل تستطيع الحكومة الحالية معالجة أخطاء سابقاتها؟

لا يختلف اثنان في الجزائر؛ على أنّ أول حكومة بعد رحيل بوتفليقة، بقيادة الوزير الأوّل نور الدين بدوي، استطاعت وإلى حدٍ غير مسبوقٍ تحويل سياسات النظام للاهتمام أكثر بتنمية الجنوب؛ بدايةً بملف الصحة التي قررت فيه حكومة بدوي قرارات غير مسبوقة، وذلك من خلال قرارها برفع التجميد عن كل المشاريع المسجلة في قطاع الصحة على مستوى ولايات الجنوب والهضاب العليا، ولتفادي وقوع ضحايا لسعات العقارب قررت حكومة بدوي إنشاء ملحق بالجنوب لـ«معهد باستور» المختص في سموم العقارب، إضافةً إلى رفع قيمة منحة الخدمة المدنية لفائدة الأطباء المقيمين العاملين بولايات الجنوب وفتح أزيد من 200 منصب عمل لهم بالجنوب. 

كما قامت الحكومة الحالية باستحداث ولاياتٍ منتدبة بالجنوب الكبير، نظرًا للتركيبة الجغرافية والديمغرافية لولايات الجنوب والهضاب العليا التي تطرح رهانات مضاعفة وذلك بالنظر إلى بعد المسافات وقساوة الظروف. 

أظهر الرئيس الجديد عبد المجيد بن تبون اهتمامه بالجنوب أيضًا، حتى من قبل توليه السلطة؛ إذ أعرب عن ثقته في وجود ثروات طبيعية جمة في الجنوب، ووعد باستخدام مناطق الجنوب في الصناعة وتقليص فاتورة الاستيراد. وفي الشهر الماضي، أعلن أن الأطباء الراغبين في العمل بجنوب البلاد سيتلقون أجرًا مضاعفًا، بهدف إيجاد حل نهائي لمشكلة نقص الاطباء المتخصصين في الجنوب. أيضًا، وجه الرئيس بتأسيس معهد للفلاحة الصحراوية في الجنوب، وأكد على ضرورة حل مشكلة الري فيه.

تعهد أيضًا الرئيس الجزائري بتحقيق «نسبة نمو مذهلة» في ظرف سنتين، باستغلال «القدرات الكبيرة» الموجودة في جنوب البلاد.

وفي هذا الصدد يشير أستاذ القانون الدولي بجامعة غارداية ياسين مقبض في حديثه مع «ساسة بوست» إلى أنّ «هذه الزيارات والاهتمام المتزايد من طرف الحكومة بالولايات الجنوبية يأتي في إطار تأكيد السلطة الحالية على أن الجزائريين سواسية، وأن السياسة السابقة المتمثلة في تهميش منطقة على حساب أخرى قد ولى بدون رجعة، وأن التنمية من حق الجميع».

ولم يخف المقبض أثناء حديثه معنا أنّ: «التوتر والبركان الدفين الذي يحمله سكان الجنوب نظرًا لعقودٍ من التهميش الذي طالهم، واعتبر سياسة الحكومة الحالية بمثابة الإنعاش الذي يجنّب الجزائر مخاطر هي في غنى عنها».

«فرنسا وراء الستار».. هل يريد سكان الجنوب الانفصال حقًّا؟

انتشرت على مدار السنوات الماضية عدّة حركات انفصالية، طالبت بفصل الصحراء الجزائرية عن الشمال بحجّة العدالة التنموية، وعلى الرغم من كون مسألة فصل الصحراء تعود إلى فترة الاحتلال الفرنسي، الذي سعى الجنرال ديجول في فترة رئاسته لفرنسا بكلّ ما أوتي من قوة إلى تحقيق حلمه بفصل الصحراء عبر مخططه السري الذي تناوله في خطابه بتاريخ 16 سبتمبر (أيلول) عام 1959، والقاضي بمنح الجزائريين الحق في تقرير مصيرهم في المدن الشمالية واحتفاظ فرنسا بالجنوب الجزائري نظرًا لما يحتويه من ثروات باطنية.

وجدت خطة ديجول قبل كشفها تأييدًا من بعض الجزائريين؛ إلّا أن سكان الصحراء انتفضوا ضدّها بعد الكشف عنها من خلال مظاهرات 27 فبراير (شباط) عام 1962 الشهيرة، التي وضعت حدًا للمشروع وحافظت على الوحدة الترابية للجزائر. 


إحباط مخطط لانفصال الجنوب الجزائري في سنة 2012.

للبحث أكثر عن أسباب التحوّل في مبادئ بعض أبناء الجنوب الجزائري المطالب اليوم بوقف التهميش عن أبناء الجنوب والمهدد بالانفصال؛ تواصلت «ساسة بوست» مع محمد المختار، وهو اسمٌ مستعار لأحد القادة السابقين لما يعرف بـ«حركة أبناء الصحراء للمطالبة بالعدالة الإسلامية»، أحد الفصائل المناهضة للوضع الذي تعيشه مدن الجنوب الجزائري.

يرى محمد المختار أن الأمر لم يخرج من يد فرنسا رغم استقلال الجزائر؛ كونها لا تزال اللاعب الأساسي في ملف الصحراء، سواءً من طرف النظام أو حتى من طرف خلق جماعات راديكالية من فرنسا تتبنى طرح مسألة فصل الصحراء عن الشمال، مشيرًا أنّ الحراك الحالي للشعب الجزائري كشف الكثير من الأوراق التي تثبت أن السيادة الجزائرية لا تزال وليدة في قصر الإيليزيه. 

اتهم محمد المختار من سماها بالدولة العميقة بقيادة الجنرال محمد مدين، المكنى بالجنرال توفيق والقابع حاليًا بالسجن، بخلق جماعاتٍ مسلحة لتهديد الأمن القومي تحت مسمى المطالبة بالعدالة لسكان الجنوب، مثلما هو الحال مع جماعة الموقعين بالدم المبايعة لتنظيم القاعدة والتي لها علاقات مريبة مع المخابرات الجزائرية في فترة حكم التوفيق، بحسب القيادي بحركة أبناء الصحراء. 

بحسب المختار، كانت أحداث مدينة غارداية التي اندلعت في الفترة ما بين سنتي 2013 و2015، والتي استغلتها أطرافٌ لطرح مسعى الانفصال عبر «حركة بني ميزاب» الانفصالية، والتي كانت صراعًا ميدانيًا بين الرئاسة بقيادة شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة، والمخابرات بقيادة الجنرال توفيق، والتي كادت أن تدخل الجيش الجزائري في مؤامرة.

سياسة

منذ سنتين
بعد ظهور الرئيس.. الجزائريون في رحلة بحث عن ألف مليار دولار صرفها بوتفليقة

تجدر الإشارة إلى أنّ «أبناء الصحراء»، وضعت منذ سنة 2008؛ حدًا لنشاطاتها العنيفة وأعلنت براءتها من تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، الذي حاول الترويج في وقت سابق بأن الحركة هي أحد أذرعه الناشطة بالصحراء. وكشف بيان الحركة أن أغلب مطالب «أبناء الصحراء من أجل العدالة» هي مطالب اجتماعية، وأكدت الحركة أنها «لا تسعى الى الانفصال».

وعلى جانبٍ سلمي تنشط عدّة منظمات وحركاتٍ من أجل الرقي بالتنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية في صحراء الجنوب؛ ومن أبرز تلك الحركات «حركة مافرات» وحركة «شباب الهقار» التي تنشط بولاية تمنراست في أقصى الجنوب الجزائري، إضافةً إلى «لجنة الدفاع عن حقوق البطالين» والتي نشطت في معارضتها للغاز الصخري، ويتهم أعضاءها بموالاة أجندة أجنبية.

وفي ختام حديثه، أكد القيادي السابق في «حركة أبناء الصحراء» أنّ مسعى الانفصال الذي تردده بعض الدوائر هو نابع من رغبةٍ فرنسية وطمعٍ في خيرات هذه المنطقة، وأنه من غير المستغرب أن تكون فرنسا وراء كل التهميش الذي مورس على أبناء الجنوب من أجل دفعهم للانتفاضة وطلب الانفصال.

المصادر

تحميل المزيد