بينما كانت ولاية جنوب كردفان – وسط السودان – تشهد محاولة نهب وانفلات أمني، عقب سطو مسلح استهدف شخصًا خرج عدة أمتار من منزله، كانت ولاية كسلا – شرق السودان – تشهد نزاعًا قبليًّا أودى بحياة 10 أشخاص من قبيلتي النوبة والبني عامر، ورغم أنَّ الجيش أرسل وفدًا أمنيًّا وتعزيزات عسكرية لمحاولة فرض الأمن، فإنَّ رئيس الحكومة السودانية، عبد الله حمدوك، اعترف في تغريدة بأنّ صراع القبائل يتطلب معالجة جذرية، في إشارة إلى عدم جدوى التعامل الأمني فقط معها، على خلفية تصريحات رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بإعطاء قواته الضوء الأخضر للتعامل معها.

أمّا غرب السودان فكان أكثر اشتعالًا عقب الصراع الدامي بين قبيلتي الرزيقات والفلاتة في ولاية جنوب دارفور، والذي استدعى تدخلًا من قوات الدعم السريع عبر الدفع بتعزيزات عسكرية قوامها نحو 300 سيارة عسكرية، للحيلولة دون انفجار الوضع.

مهمة حمدوك الصعبة.. من ينزع سلاح القبائل السودانية؟

«ساسة بوست» تواصل مع صحافي سوادني مقيم في شرق السودان، أوضح أنَّ الصراع القبلي مستمرٌ منذ أكثر من أسبوع مُحمِّلًا المكون العسكري المسؤولية الكاملة بسبب ضعف القوة الأمنية، ويتهم قطاع واسع من المعارضة المجلس العسكري بتعمُّد إزكاء الصراعات القبلية؛ لتضخيم التحديات التي تواجه حمدوك.

يقول الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم لـ«ساسة بوست»: «التفلتات الأمنية في شرق السودان وغربه تختلف عن التمردات المُسلحة، والتمرد يحتاج إلى أن تقرأ دوافعه وجذوره وأسبابه لمعالجته، أما الانفلات الأمني يعالج بسرعة عن طريق التدخل السريع من الشرطة، وهو ما لم يحدث في الأحداث الأخيرة».

وردًّا على تفاقم الصراعات القبلية، أعلنت الحكومة السودانية تشكيل قوة مشتركة من الأجهزة الأمنية والعسكرية، لجمع السلاح غير المقنن وعربات الدفع الرباعي من أيدي المدنيين، على أن تشكل كل ولاية قوتها الخاصة بها من القوات النظامية التي تشمل الجيش، وقوات الدعم السريع، والمخابرات، والشرطة.

ويشهد السودان ظاهرة انتشار السلاح بكثافة خاصة الولايات الحدودية، وتحديدًا في ولايات إقليم دارفور، غرب البلاد، الذي شهد حربًا أهلية منذ عام 2003، وحتى الآن لا توجد تقديرات رسمية لحجم السلاح المنتشر بأيدي القبائل، بينما تشير تقارير غير رسمية إلى أن مئات الآلاف من قطع السلاح موجودة لدى القبائل، بما فيها أسلحة ثقيلة.

اللافت أنَّ الذي ترأس اللجنة العليا لجمع السلاح، هو الفريق أول محمد حمدان دقلو، المُتهم بتجنيد القبائل العربية، وخاصة قبيلة الرزيقات في دارفور التي ينتمي إليها، وتتهم الأمم المتحدة رسميًّا حميدتي بإرسال المقاتلين إلى محاور القتال في ليبيا لدعم الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر، خلال المعركة التي شنَّها في أبريل (نيسان) العام الماضي لإسقاط العاصمة الليبية طرابلس، وتُنسب التوترات الأمنية الأخيرة إلى القبيلة التي ينتمي إليها حميدتي.

وسبق أن فشلت لجنة عليا شكَّلها نظام المخلوع عمر البشير، لجمع السلاح استمرت 14 عامًا، لكن الحملة لم تخلُ من الاتهام بالعمل تحت دوافع سياسية لصالح قبائل دون أخرى، يقول يحيى صدِّيق، وهو من أبناء إقليم دارفور، لـ«ساسة بوست»: «بين عامي 2000، و2003، صادرت الحكومة السلاح من القبائل غير العربية في دارفور حتى سلاح الشرطة بحجة الاقتتال القبلي، ثم حدث بعدها النزاع المسلح في دارفور»، يُضيف قائلًا: «والسيناريو الأخير يتكرر الآن»، في إشارة إلى عدم سحب سلاح قبيلة الرزيقات التي تنحدر منها ميليشيا «الجنجويد» المتهمة بارتكاب جرائم حرب في دارفور.

عربي

منذ شهرين
بالرغم من الكلام المعسول.. لماذا تماطل واشنطن في حذف السودان من «قائمة الإرهاب»؟

تفاقُم الصراع القبلي في إقليم دارفور تحديدًا لم ينتهِ بسقوط نظام البشير، وفي ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، حشدت القبائل العربية قواتها للثأر من مقتل ثلاثة أشخاص، وهو ما دفع مجلس السيادة إلى تعليق مفاوضات السلام في جوبا مع الحركات المسلحة في دارفور، والدفع بقوات عسكرية في المنطقة التي لم تصل إليها الثورة السودانية، ولم ينتهِ العنف بها، كما يصفها مراسل صحيفة «الإندبندنت» في زيارةٍ ميدانيةٍ لها.

الصراع القبلي في السودان، ونفوذ القبائل المسلحة هو حلقة أضعف من حلقات صراع أكبر تخنق حكومة حمدوك في ظل الفترة الانتقالية.

الانفلات الأمني في السودان.. لماذا يراود حمدوك شبح الانقلاب دائمًا؟

منذ سقوط نظام البشير الذي امتد ثلاثة عقود، والوضع في السودان بعد تعيين عبد الله حمدوك لرئاسة الحكومة، يشهد تنافسًا بين القادة العسكريين في مجلس السيادة، وبين المدنيين في قوى «الحرية والتغيير» التي قادت الثورة السودانية، إلى جانب صراع غير مُعلن بين الأجهزة الأمنية وبعضها سعيًا إلى السلطة، في ظل الحديث الدائم عن ترقب حدوث انقلاب عسكري محتمل، تزامنًا مع الوضع الاقتصادي المتردي الذي عمَّقة تفشي فيروس كورونا.

الاضطرابات في السودان لم تظهر في الصراع الدموي بين القبائل وحسب، فسبق أن اشتعلت بين الفصيل المدني ونظيره العسكري عقب قرار حمدوك إقالة والي الخرطوم الفريق أحمد عبدون حمد؛ بسبب تحديه أمرًا حكوميًّا بإلغاء صلاة الجمعة في العاصمة الخرطوم ومدينة أم درمان، ليرد عليه الأخير ببيان أصدره مكتبه جاء فيه أنه يعتزم البقاء في منصبه.

وسبق أن شهدت الشوارع المحيطة بهيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات السودانية بالعاصمة الخرطوم، في يناير (كانون الثاني) الماضي، تمرد أربع وحدات رئيسية بهيئة العمليات في وقتٍ متزامنٍ بثلاثة مقرات للمخابرات، وهو ما استدعى تدخل قوات الجيش والدعم السريع، وهي التحركات التي قوبلت من الجانب الآخر بإطلاق نيران كثيف في الهواء، وإقامة المتاريس في شوارع العاصمة. وبحسب الرواية الرسمية لجهاز المخابرات السودانية، فإن مجموعة من هيئة العمليات التي يصل عناصرها إلى 13 ألفًا، اعترضت على قيمة المكافأة المالية وفوائد ما بعد الخدمة، عقب قرار المجلس العسكري بحلِّ الجهاز تنفيذًا لمطالب الثورة.

وبين الصراع القبلي، والتنافس السياسي بين المجلس العسكري والمدنيين، إلى جانب الانفلات الأمني، إلى جانب ملف المصالحة مع الحركات المسلحة، وجد رئيس الحكومة السودانية نفسه مُحاصرًا من الجميع خاصةً أنَّ الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية قد منحت رئيس المجلس، الفريق عبد الفتاح البرهان، حق مراقبة السُلطة التنفيذية، ومناقشتها وسحب السُلطة منها، وهو ما يجعل باب الانقلابات القديم مفتوحًا أمام الحكومة المدنية الحالية.

والانفلات الأمني طال حمدوك نفسه الذي نجا من محاولة اغتيال، عقب استهداف موكبه بعبوة ناسفة، وبالرغم من عدم إعلان أية جهة مسئوليتها، فإنَّ قوات الدعم السريع اتهمت مدير المخابرات السابق، صلاح قوش، عبر «كتائب الظل» التابعة لنظام البشير.

مواقع أخرى

منذ سنة واحدة
«فورين بوليسي»: كيف أصبحت دارفور صانعة ملوك السودان؟​

وبخلاف قرارات الإعفاءات التي تطول الصف الثاني من مسؤولي الحكومة في الوزارات والبنوك بالسودان بشكلٍ مستمر، وسط دوافع متباينة لقرارات العزل، أرسل حمدوك في فبراير (شباط) الماضي خطابًا رسميًّا إلى مجلس الأمن بشأن طلب التفويض لإنشاء بعثة أممية في السودان، لتكون خاصة من الأمم المتحدة لدعم السلام بشكل يشمل كامل أراضي السودان، إلى جانب اتفاق جديد لتمديد بقاء القوات الأممية في دارفور.

وتزامنًا مع الوضع الاقتصادي المتردي الذي يشهده السودان، والذي عمَّقة تفشي فيروس كورونا، حذرت صحيفة «نيويورك تايمز» بشأن ما كشفته من اتصال مسؤولين مدنيين سودانيين كبار بالمسؤولين الغربيين والصحافيين المحليين للتحذير من أنهم يخشون أن يستخدم الجيش الإغلاق الناجم عن فيروس كورونا للاستيلاء على السلطة، بينما ينشغل العالم الخارجي بأزمة الصحة العامة.

عربي

منذ 3 شهور
مترجم: حتى لا يقع السودان في الفوضى.. هذا ما يلزم لتنجح تجربته الديموقراطية

ويعتقدُ محللون سودانيون أنَّ الانفلات الأمني والصراع السياسي اللذين يمثلان تحديًا كبيرًا أمام حكومة حمدوك، يمكن حسمه عبر السيطرة أولًا على الورقة القبلية، وهي السياسة القديمة التي برع فيها البشير كونه ينحدر من قبيلة الدهشمية، إحدى أكبر القبائل في السودان التي منحته نفوذًا في أماكن انتشارها في شمال السودان وغربه.

واستخدم حميدتي لاحقًا الورقة القبلية في محاولة للانقلاب على الثورة، فبعد وصول المفاوضات بين المجلس العسكري وبين قوى الحرية والتغيير إلى طريق مسدود، أعلن حميدتي إحياء الإدارات الأهلية لتكون الشريك المدني في المفاوضات.

القبائل السودانية.. نظام عشائري ممتد مع تاريخ البلاد

في مساحةٍ تربو على مليون و800 كم مربع، يسبح السودان في مساحة شاسعة من الثقافات والقوميات غير المتجانسة؛ فبينما يشكل الإسلام والعروبة الخلفية الثقافية الأم لغالبية السكان، خاصة في شمال البلاد ووسطها، تنسجم البلاد من الجنوب الشرقي إلى الغرب مع الثقافة الأفريقية الخالصة مع إضافات إسلامية.

حين وصل الاحتلال البريطاني للسودان عام 1899، وتمكن من القضاء على الحركة المهدية التي ساهمت في نجاحها العشائرية القبلية طيلة عقدين، لم يفكك النظام العشائري الممتد مع تاريخ البلاد، لكن بعد توقيع اتفاقية الحكم الثنائي بين مصر وبريطانيا، عمد الطرفان إلى تطويع ذلك النظام العشائري، واستحدثا «نظام الإدارة الأهلية» لخدمة أهدافهما، وفي سبيل ذلك، اعتمد «نظام الإدارة الأهلية» على منح شيوخ العشائر وزعماء القبائل سُلطات قضائية، وإدارية، ومالية واسعة – بغض النظر عن ثقافاتهم أو دياناتهم – وحظيت تلك المجالس باعترافٍ رسمي، وحصل أعضاؤها على منح مالية، فقد عمدوا لإضعاف ذلك النسيج من الداخل دون تفتيته.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
الثورة المهدية.. سنوات الصراع مع الحكومة والاحتلال «باسم الدين» في السودان!

منحت بريطانيا – الحاكم الفعلي للسودان – السُلطة للزعامات المحلية، وخوَّلتهم في متابعة الموظفين المدنيين التابعين للتاج الملكي بهدف تقليل النفقات، واعتماد نظام لامركزي قوي غير قابل لدعم الثورات، مثلما حدث في الثورة المهدية.

والمفارقة أن مصر التي ساهمت في تأسيس أغلب دساتير الدول العربية، عبر نابغتها القانونية عبد الرازق السنهوري باشا، لم تتدخل لتغيير الوضع السوداني عبر وضع هيكل قانوني لتلك المحاكم الأهلية، بل منحت تلك الإدارات الأهلية سُلطة الاعتراف بالقانون العشائري العُرفي ومنحته قوة التنفيذ، ضمانًا وحيدًا لبقائها تحت، سيادتها بدلًا من الآليات الديمقراطية.

وبعد انفصال السودان عن مصر عام 1956، فشلت أول تجربة ديمقراطية في السودان نتيجة تعاطي النزعة القبلية مع السياسة، ودعوة فصيل قبلي، الجيش، للتدخل ممثلًا في عبد الرحمن المهدي، إمام طائفة الانصار، ووالد زعيم حزب الأمة الحالي الصادق المهدي، ليبدأ عهد الانقلابات بانقلاب وزير الدفاع الفريق إبراهيم عبود سحب الثقة من رئيس الحكومة، وحلِّ البرلمان عام 1958.

استمرت الإدارات الأهلية تحظى بنفوذها خلال الانقلابات المتعاقبة، وعقب الانقلاب الذي قام به البشير بالاشتراك مع الحركة الإسلامية عام 1989، ظهر دور جديد للإدارات الأهلية حددته السُلطة ورسمته بدقة، فالنظام الجديد احتاج إلى زعماء العشائر في تثبيت دعائم حكمه، ودعم مشروعه السياسي، الذي بدا واضحًا في ديباجة «دستور الحركة الإسلامية» لتبني المشروع الإسلامي: «نسعى لنشر الدعوة الإسلامية ورد الحاكمية لله.. ونتعهد بأن نكافح بالإسلام العلمانية، والماركسية، والاشتراكية، والديمقراطية المستنكفة».

وفي دارفور دبت الخلافات السياسية الأشهر التي تحولت لحربٍ متوحشة عام 2003، وانحصرت الاتهامات في «عنصرية النظام وإعلائه للعنصر العربي ضد كافة الأعراق صاحبة الأرض بحكم التاريخ والجغرافيا» لذا اتُّهم النظام الذي دعم قبائل «الجنجويد» العربية بالسلاح، بأنه «ارتكب جرائم تطهير عرقي في واحدة من أكبر مجازر القرن، والتي خلَّفت وراءها نحو 300 ألف قتيل»، بحسب بعض المصادر، فضلًا عن أكثر من 3 ملايين مشرد أصبحوا بلا مأوى، في مقابل حصول القبائل العربية التي شاركت إلى جانب السُلطة، على منح مالية وسُلطات سياسية.

وكان للقبائل نفسها دور كبير في انفصال الجنوب؛ فالنظام السوداني قاد معركة الهوية في جنوب السودان عن طريق نشر اللغة العربية والديانة الإسلامية، وهو ما كان سببًا كافيًا لقتال المتمردين في حروب انتهت بانفصال السودان، وكان تعليق عمر البشير: «بعد انفصال الجنوب لن يكون هناك مجال للحديث عن تنوع عرقي وثقافي».

واللافت أنَّ فكرة تأسيس قوات «الدعم السريع» جاءت من رحم الإدارات الأهلية، فنائب رئيس المجلس العسكري الفريق حميدتي برز اسمه بعد نجاحه في حشد القبائل العربية للقتال إلى جانب الحكومة، التي دعمته بالمال والسلاح؛ ليؤسس بعدها تلك القوات التي اعتبرت صمام الأمان ضد انقلاب الجيش أو جهاز المخابرات، والتي يعد عامل الولاء القبلي أبرز الشروط للانضمام إليها.

سياسة

منذ 3 شهور
4 أسباب تشرح لك لماذا يصعب على الجيش السوداني إخضاع حميدتي وقواته

يقول الصحافي السوداني أسامة بعد الحليم لـ«ساسة بوست»: «أمام الحكومة السودانية فرصة تاريخية لحسم التمردات القبلية الحالية قبل أن تتحول لعمل سياسي منظم، وقبل تصدر شخصيات المشهد لرفض تسليم السلاح، وهو ما يمكن أن يفرز جماعة أخرى مسلحة في السودان».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد