بنبرةٍ حادةٍ؛ وخطابٍ قويٍّ؛ صرّح الرئيس الجزائري في 12 أغسطس (آب) الماضي، أنّ مؤامرةً تتعرض لها البلاد ومحاولات «انقلاب داخلي» من مجموعات النظام السابق، و«عصابة» تسعى إلى تعطيل مسار التغيير وإثارة قلاقل في البلاد، وأضاف الرئيس الجزائري أنّ «مجموعة من الأشخاص تعمل على إخراج المواطنين للاحتجاج وزعزعة الاستقرار».

اتهام عبد المجيد تبون ذلك كان بناءً على ما قال عنه إنّ تحقيقات أمنية سريّة وصلته بشأن أزماتٍ اجتماعية واقتصادية تعصف بالبلاد منذ شهر مارس (آذار) الماضي؛ ولم يكن تبون الوحيد الذي فسّر تصاعد الاحتجاجات والأزمات بالبلاد بمؤامرةٍ تستهدف النظام، فقد سبق أن صرّح رئيس المحكمة العليا الجزائرية رشيد طبي أنّ الجزائر «تتعرض لثورة مضادة». 

عربي

منذ 4 أسابيع
أسوةً ببوتفليقة.. هكذا يستغل تبون التاريخ الجزائري سياسيًّا

ومنذ دخل مصطلح «الثورة المضادة» إلى القاموس السياسي الجزائري؛ صار الشماعة التي تعلّق السلطة الحالية إخفاقاتها في مواجهة أزماتٍ لطالما رافقت الجزائريين في حياتهم منذ الاستقلال. 

«نظرية المؤامرة».. الفزّاعة التي استخدمها نظام بوتفليقة 20 سنة

عندما أتى بوتفليقة إلى حكم الجزائر؛ كانت البلاد تعيش أوضاعًا أمنيةً صعبة نتيجة عقدٍ كاملٍ من الحرب الأهلية، وهي الفترة التي تركت لدى الجزائريين ذاكرةً أليمةً يصعب عليهم التفكير بها أو إعادة تكرارها، ومن هذا المنطلق وجد نظام بوتفليقة ضالته في استغلال تلك الحقبة في أي استحقاقٍ سياسيٍ أو أزمةٍ قد تهدد كيانه.

ويقسّم المتابعون للشأن الجزائري استغلال بوتفليقة للأزمة الأمنية التي عاشتها البلاد خلال التسعينيات إلى مرحلتين، المرحلة الأولى تمتدّ على مدار فترات حكمه الثلاث من سنة 1999 إلى 2012، والتي كان يردّد فيها خلال خطاباته ورسائله بأنّه المنقذ والمخلص الذي دخل إلى الجزائر وأطفأ نار الفتنة والمؤامرة بها.

أمّا المرحلة الثانية والتي بدأت موازاةً مع الربيع العربي الذي استهدف عدّة دولٍ عربية ولم تكن الجزائر بمنأى عنه؛ لولا مسارعة بوتفليقة إلى التحذير من مؤامرة خارجية تستهدف الجزائر. فقد سبق بوتفليقة أنظمة كلٍ من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا إلى وصف الربيع العربي بالمؤامرة، حين خرج بوتفليقة بتصريحاتٍ سنة 2011 تحذّر الجزائريين من الانسياق في مغامرةٍ خطيرة، وذلك على إثر الاحتجاجات التي شهدتها الجزائر مطلع تلك السنة.

ومع مرض بوتفليقة وعجزه عن ممارسة مهامه؛ وجد نظام بوتفليقة في تخويف الجزائريين بالعشرية السوداء وعدم الاستقرار؛ الشماعة التي يعلّق عليها كلّ تهديدٍ من القوى السياسية باللجوء إلى الشارع. فسارع بوتفليقة من خلال رسائل في العهدة الرابعة إلى تحذير الجزائريين في كلّ مرّة من مغبة الخروج في احتجاجات ضدّه واتهم المعارضة بموالاة أجندة أجنبية تسعى إلى العبث بأمن الجزائر واستقرارها، وذهبت خطابات نظام بوتفليقة حينها إلى أبعد من ذلك حين ربطت بقاءه في الحكم باستقرار الجزائر. 

بوتفليقة أكثر من إستخدم نظرية المؤامرة للبقاء في السلطة

بوتفليقة أكثر من استخدم نظرية المؤامرة للبقاء في السلطة

قُبيل اندلاع الحراك الشعبي في 22 فبراير (شباط) 2019؛ سابق وزراء ومقربون من بوتفليقة إلى لعب آخر ورقةٍ لثني الجزائريين عن الخروج إلى المظاهرات؛ وذلك عبر سلسلةٍ من الخطابات والتصريحات الاستفزازية كان أشهرها تصريح كلٍ من الوزير الأوّل السابق أحمد أويحي – القابع الآن في السجن – الذي هدّد فيه الجزائريين بمصير سوريا في حال خروجهم ضدّ نظام بوتفليقة. وهو التصريح نفسه الذي ردده رئيس البرلمان حينها معاذ بوشارب، والتحق الجيش الجزائري نفسه بقافلة المحذرين من المؤامرة حينها، حين صرّح القايد صالح بعد اندلاع الحراك الشعبي بأنّ نداءاتٍ مشبوهة تريد إدخال الجزائر في ديمومة العنف من جديد، قبل أن يتراجع وينحاز إلى الحراك فيما بعد.

«أزمة سيولة وحرائق وانقطاعٍ مياه».. من يقف وراء كلّ هذا؟

تشهد الجزائر هذه الصيفية سلسلةً من الأزمات؛ عزتها السلطات الجزائرية إلى مؤامراتٍ تستهدف إخراج الجزائريين إلى الشارع من جديد؛ بدايةً بأزمة السيولة النقدية بمراكز البريد التي وصلت إلى مستوى غير مسبوق. 

وخلال جولةٍ استطلاعية قام بها محرّر «ساسة بوست» إلى ولاية سيدي بلعباس بالغرب الجزائري؛ بلغت طوابير الانتظار أمام مراكز البريد مستويات كبيرة، حيث تجد خارج تلك المراكز طوابير بطول عشرات الأمتار. يقول مصطفى، وهو مدير مدرسة ابتدائية في حديثه لـ«ساسة بوست» أنّ «أزمة السيولة هذه هي الأكبر على الإطلاق، وأنّ على المواطن أن يحجز مكانًا له في ساعاتٍ مبكرة علّه يظفر بمبلغٍ زهيدٍ يسدّ بعض حاجياته». 

أزمة سيولة خانقة.. مشاهد تدافع وازدحام بمكاتب البريد والبنوك

أزمة سيولة خانقة.. مشاهد تدافع وازدحام بمكاتب البريد والبنوك

وتضاربت تفسيرات الحكومة لأزمة السيولة النقدية، إذ اعتبرها الوزير الأول عبد العزيز جراد، في البداية «مؤامرة»، وتحدّث تبون هو الآخر خلال لقائه مع الولاة عن مؤامرة داخلية تستهدف السيولة النقدية في البلاد، وقال إنّ «التحريات المعمقة والمتواصلة كشفت عن قيام بعض الأطراف بسحب مبالغ طائلة في ظرف قصير، على غرار قيام شخص يبلغ من العمر 109 سنوات بسحب 4 مليارات سنتيم في الوقت الذي لا يتجاوز دخله 10% من المبلغ المسحوب». أمّا الطرف المعني بالقضية وهي إدارة البريد، فأرجعت أسباب الأزمة في السيولة النقدية إلى تداعيات جائحة كورونا. 

وللحيلولة دون استدامة الأزمة التي توقع وزير البريد أن تستمرّ حتى شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، أعلنت وزارة البريد عن جملة من الإجراءات لمواجهة الأزمة، وذلك عبر منع الأشخاص الاعتباريين من سحب أموالهم، وتسقيف حجمه للأفراد دون 30 ألف دينار (أقل من 180 دولارًا).

كذلك ألزمت وزارة التجارة متعامليها بتوفير خدمة الدفع الإلكتروني للمستهلكين، للتخلص من عبء السيولة الشحيحة، وذلك قبل قرار الحكومة بعزل كبار المسؤولين ببريد الجزائر، وفي مقدمتهم المدير العام، في وقت تتواصل مظاهر الأزمة عبر ربوع البلاد.

أزمةٌ أخرى لا تزال تعصف بالجزائريين هذا الصيف، واستدعت فيها السلطات الجزائرية مصطلح «المؤامرة» أيضًا، لتبرير عجزها عن حلّ تلك الأزمة، وذلك بعد أن شهدت معظم ولايات الجزائر أزمة انقطاعٍ في المياه الصالحة للشرب خلال فترة عيد الأضحى المبارك، واتهم تبون أطرافًا لم يسمها بالوقوف وراء تلك الأزمة في إطار المؤامرة التي يتعرّض لها نظامه، بينما أرجع رئيس وزرائه عبد العزيز جرّاد سبب أزمة انقطاع المياه إلى «عملية تخريب واضحة طالت محطة تحلية مياه البحر في فوكة».

رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري سليمان شنين دخل هو الآخر على خطّ «بروباجاندا المؤامرة» حين اعتبر إن أزمة تزويد بعض المناطق بمياه الشرب وأزمة السيولة «مفتعلة وهناك من يقف وراءها». 

وأرجع المدير العام لشركة «الجزائرية للمياه»، عميروش إسماعيل، تذبذبات التموين بالمياه الصالحة التي عرفتها بعض البلديات والمناطق عبر الوطن خلال عيد الأضحى إلى «استهلاك قياسي للمياه من قبل المواطنين يفوق كل قدرات التخزين والتوزيع المتاحة».

ولمعالجة الأزمة قامت السلطات الجزائرية بإقالة 14 مديرًا للموارد المائية في 14 ولاية، وذلك تنفيذًا لأوامر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لوزير القطاع، والمتعلقة بإيجاد حل نهائي لانقطاع مياه الشرب وسوء تسيير الموارد المائية، كما أنهت السلطات الجزائرية، أيضًا مهام الرئيس التنفيذي لشركة فرنسية مكلفة بتوزيع ماء الشرب بالعاصمة، على خلفية أزمة إمدادات خلال عطلة عيد الأضحى.

أزمة إنقطاع المياه لطالما عانى منها الجزائريين

أزمة انقطاع المياه لطالما عانى منها الجزائريون

تجدر الإشارة إلى أنّ أزمة المياه الصالحة للشرب هي أزمة ترافق الجزائريين في كلّ عيد أضحى، وعجزت الحكومات المتتالية عن إيجاد حلّها لها.

وعلاوةً على حرارة الجو السياسي الحار، تزيد الحرائق المنتشرة في الغابات من سخونة الصيف بالجزائر؛ ومع عجز الحكومة الجزائرية عن إيجاد حلٍ لتلك الحرائق التي تلتهم آلاف الهكتارات سنويًا؛ يكون استدعاء «مصطلح المؤامرة» هنا الحلّ الأوّل لمواجهة مثل هذه الأزمات من طرف الحكومة؛ فتبون لم يجد بدًّا من اتهام مجهولين بإشعال الحرائق في الغابات؛ معطيًا أوامر بالتحقيق في تلك الحرائق، أمّا الوزير الأوّل جرّاد فقال إنّ بعض الحرائق «مفتعلة» وأنه تم توقيف أشخاص وراء هذه الجرائم عبر عدة ولايات، وسيتم الكشف عن هوياتهم لاحقًا. 

وسُجِّل 66 حريقًا متزامنًا في 27 يوليو (تموز) الماضي في 20 ولاية، ما تطلب تدخل مروحيات الحماية المدنية لإطفائها، وفق المديرية العامة للغابات. وبحسب وكالة الأنباء الرسمية، سجلت المديرية العامة للغابات 1216 بؤرة حريق بين الفاتح من يونيو (حزيران) والأول من أغسطس، التهمت أكثر من 8778 هكتارًا في 37 منطقة شمال الجزائر. 

تجدر الإشارة أيضًا أنّ الجزائر تتعرّض إلى حرائق متكررة تدمر كلّ سنة 1% من إجمالي الغطاء النباتي في البلاد. وفُتحت تحقيقات عام 2019 لتحديد الأسباب، لكن نتائجها لم تعلن إلى اليوم. 

هل هناك «مؤامرة داخلية» تستهدف نظام تبون حقًّا؟

في مطلع شهر أغسطس الماضي؛ أعلن الرئيس الجزائري عن فتح تحقيقاتٍ عاجلةٍ حول الأحداث التي شهدتها الجزائر خلال الصيف، والتي تزامنت مع عيد الأضحى، وهددت بانفجار اجتماعي في البلاد. وجاء في بيان للرئاسة الجزائرية «أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الوزير الأول بفتح تحقيق فوري في أسباب الحوادث التي وقعت في الأيام الأخيرة، وكان لها الأثر السلبي على حياة المواطنين والاقتصاد الوطني».

وأضاف البيان «يشمل هذا التحقيق الفوري الكشف عن أسباب الحرائق التي التهمت مساحات شاسعة من الغابات، ونقص السيولة في بعض البنوك والمراكز البريدية، وتوقف محطة فوكا لتحلية مياه البحر، وانقطاع الماء والكهرباء عن أحياء في العاصمة ومدن كبرى أخرى يومي عيد الأضحى المبارك دون إشعار مسبق».

وكان رئيس الوزراء الجزائري، عبد العزيز جراد، أرجع صدور تعليمات رئيس الجمهورية بالتحقيق في الأزمات التي صاحبت عيد الأضحى، إلى الاشتباه بمؤامرة لضرب العلاقة بين المواطن والسلطات العمومية، وحسب جراد فإن سبب فتح هذه التحقيقات هو وجود «صدفة غريبة بين ثلاث أزمات: هي نقص السيولة وحرائق الغابات وانقطاع نسبي للمياه».

الجزائر الجديدة تتعرض للمؤامرة حسب السلطة

الجزائر الجديدة تتعرض للمؤامرة حسب السلطة

وعكس تبرير السلطة للأزمات التي خنقت الجزائريين بالمؤامرة، سخريةً واسعة بين الجزائريين الذين رفضوا هذا المبرر، وارجعوا أسباب نقص السيولة والحرائق وانقطاع المياه والكهرباء إلى عجز السلطات وتقاعسها في مواجهة حقيقة لحلّ مشاكل المواطنين.

يقول الكاتب الصحفي نجيب بلحيمر في منشورٍ له على «فيسبوك» تعليقًا عن نظرية المؤامرة؛ إنه «عند معرفة أن البلاد تواجه أزمة حقيقية في إنتاج الطاقة، وهذا استنادًا إلى الأرقام الرسمية، فإن انقطاع الكهرباء في أيام الحر الشديد التي تشهد استهلاكًا قياسيًا يصبح نتيجة طبيعية، والأمر نفسه ينطبق على ظاهرة انقطاع مياه الشرب أو نقص السيولة أو حرائق الغابات»، مشيرًا إلى «ضرورة الاعتراف بوجود أزمة والعمل بجدية على صياغة حلول بدل الارتكان إلى خطاب المؤامرة».

البرلماني عن حركة مجتمع السلم الأستاذ ناصر حمدادوش، رفض جملةً وتفصيلًا التسليم بحجة السلطة بوجود مؤامرة تستهدفها من خلال افتعال تلك الأزمات، معتبرًا الادّعاء بأن ما حدث من حرائق وانقطاع للكهرباء والماء والسيولة النقدية وقطع الأكسجين عن المستشفيات، مؤامرة تستهدف السلطة الجديدة وثورة مضادة عليها؛ يمثل سذاجة سياسية وإخراجًا سيّئًا وتلاعبًا بعواطف الرأي العام، على حد تعبيره.

وقال في حديثه مع موقع «الجزيرة نت» إن: «السلطة تريد لعب دور الضحية لتبرير الفشل والإخفاق وحالات الفوضى والارتجالية في تسيير أزمات بسيطة ومقدورٍ عليها»، مشدّدًا على أنه «يُفترض مصارحة الشعب بحقيقة ما يحدث، لا التلاعب بمشاعره والحديث بطلاسم وألغاز»، قبل أن يتساءل: «هل يُعقل ألا يُكشف بكل بساطة المتسبّب في هذه الكوارث المتكررة منذ ما يقارب شهرين؟».

علوم

منذ شهر
زواحف تحكم العالم وطائرات تسلب العقول.. لماذا يصدق الناس نظرية المؤامرة؟

المصادر

تحميل المزيد