«هل أنت مجنون؟ لماذا تتحدث إلى نفسك بصوت مرتفع هكذا؟»، ربما مرت هذه العبارة الاستنكارية أمامنا أو حتى نكون نحن من أطلقها تجاه بعض الأشخاص. إذ يرى الكثير من الناس أن التحدث إلى النفس بصوت عالٍ ليس طريقة مقبولة اجتماعيًّا لمعالجة الأفكار، لكن هذه العادة التي يغفل أو يبتعد عنها الكثيرون لها الكثير من الفوائد المهمة، التي ربما تساعد بالفعل على تغيير حياتك.

سواء كنت تتحدث إلى نفسك أثناء مهمة شاقة تقوم بها، أو في محاولة تهدئة نفسك في موقف مقلق، فإن التكلم مع النفس هو أفضل أداة غير معترف بها في صندوق الأدوات العقلية لديك لتحفيزك أو جعلك تسترخي، أو حتى لملء وقت فراغك. هذه العادة البسيطة ربما تلاحظها في بعض الألعاب الرياضية عندما تجد لاعبًا ما يعاتب نفسه على ضياع فرصة لتسجيل هدف أو إحراز نقطة مهمة غير التحدث إلى نفسه بصوت عالٍ.

التحدث إلى النفس.. داخلي أم خارجي؟

على الرغم من أن المحادثات الانفرادية المسموعة قد تكون أول ما يتبادر إلى الذهن عندما تفكر في التحدث إلى النفس، فإن غالبية حديث الذات الذي نقوم به هو موجود في أذهاننا. يوافق معظم الباحثين على أن الحديث مع النفس يتكون من أفكار كاملة – وليست مكسورة أو غير مكتملة – تنتقل بصمت عبر عقولنا، أو نتحدث بها بصوت عالٍ إلى أنفسنا.

وفقًا لهذا التعريف، سيكون التكلم مع النفس هو المحادثة التي أجريتها مع نفسي حول ما يجب أن أتناوله على الغداء. ستجد البعض يتحدث لنفسه بهذه الطريقة «يبدو أن لدينا سلطة التونة هذه، وهي لذيذة حقًّا، لكن يمكنني استخدام بعض الألياف في طبق سلطة حقيقي. لكنني لا أمتلك شهية مفتوحة للسلطة المورقة الآن، ربما أحل هذه المعضلة عبر شريحة من اللحم وبعض الشوربة»، وهكذا.

يبدو حديث النفس السابق هذا أنه فكرة متكاملة تدور في ذهن الإنسان، لكن الأفكار المجزأة الأخرى التي تمر في ذهن البعض مثل الإشارة السلبية إلى وجود بعض الطعام المتبقي من الأمس في الجزء الخلفي من الثلاجة، لن تكون مناسبة لأن نطلق عليها عادة التحدث إلى النفس. هذه مجرد أفكار عادية تأتي في أذهاننا.

في حين أن معظم حديثنا الذاتي، يحدث في رؤوسنا، فإن التحدث بصوت عالٍ أمر شائع جدًّا، أيضًا. تقول جودي فان رالتي، أستاذة علم النفس في كلية «سبرينجفيلد» التي تركز أبحاثها على التحدث عن النفس، إننا لا نعرف بالضبط عدد المرات التي يتحدث فيها الناس مع أنفسهم داخليًّا وخارجيًّا، لكنها أجرت دراسة مؤخرًا منحتها فكرة مبدئية لما يحدث في رؤوس الناس، أو على الأقل في أدمغة لاعبي الجولف.

(التحدث إلى النفس ليس دلالة على الجنون.. بل النجاح)

في هذه الدراسة، زود الباحثون لاعبي جولف بأجهزة استشعارية التي تطلق صوت صافرة على فترات عشوائية تتراوح مدتها بين 25 و50 دقيقة، في حين كان لاعبي الغولف يتنافسون في البطولات، وكذلك عندما كانوا يمضون حياتهم اليومية. عندما تنطلق الصافرات من أجهزة الاستشعار هذه، يسجل لاعبو الغولف في دفتر صغير ما كانوا يتحدثون به داخليًّا إلى نفسهم، مثل تدريب أنفسهم على استراتيجية اللعبة أو القلق بشأن مهارات الخصم. ووجدت الدراسة أن الحديث الذاتي الداخلي كان شائعًا أكثر بست مرات من الحديث الذاتي اللفظي.

ووجد الباحثون أن بعض الناس يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم. كما لاحظ الباحثون أنه لا يوجد تناسق بين البيئات التي يقوم الناس بالتحدث إلى النفس فيها. يمكن أن يتحدث بعض الناس مع أنفسهم عندما يلعبون الجولف، لكنهم لا يتحدثون كثيرًا في حياتهم اليومية، أو العكس بالعكس. كل هذا يعني أنه مهما تحدثت مع نفسك، سواء بصوت عالٍ أو داخليًّا، فهو أمر طبيعي ولا شيء يدعو للقلق، كما يعتقد بعض الناس خطأً.

هذه أبرز أنماط التحدث إلى النفس

هناك أنماط مختلفة للتحدث إلى النفس، وليس نمطًا واحدًا بعينه. لكل نمط أو نوع وقته المميز الذي يكون الإنسان بحاجة له أكثر من أي نوع آخر في هذا الوقت بالتحديد. كل شكل من هذه الأشكال من الحديث إلى النفس له فوائده الخاصة، أو في بعض الحالات، عيوبها.

1- التحفيزي والتعليمي

أجريت الكثير من الأبحاث حول التحدث إلى النفس على الرياضيين، وبالنسبة لهؤلاء، من المهم بشكل خاص التمييز بين الحديث التحفيزي الذاتي «هيا، يمكنك القيام بذلك!»، وبين التحدث الذاتي التعليمي «لا تنس أن تتنفس، قم بإطالة وتيرتك قليلًا»، نظرًا لأن نوع التحدث الذاتي الذي يستخدمونه في ظروف التدريب أو المنافسة قد يؤثر على أدائهم.

عندما تتطلب المهارات الحركية للرياضيين الدقة والتقنية، فإن الحديث مع النفس التعليمي يكون أكثر فاعلية من الحديث التحفيزي. بينما عندما تكون المهارات قائمة على القدرة على التحمل، يكون الحديث التحفيزي للنفس أكثر أهمية من الحديث التعليمي؛ لأنك بحاجة إلى دفعة نفسية أكبر في هذا الوقت.

وجدت دراسة بحثية عام 2011 لكيفية تأثير التحدث الذاتي في أداء الألعاب الرياضية أن الحديث الذاتي التحفيزي والتعليمي يمكن الاستفادة منهما في الوقت نفسه. الحديث الذاتي التعليمي والتحفيزي كلاهما يكونان جيدين بشكل خاص في «المهام المستندة إلى الدقة»؛ أي التركيز على حركات معينة مطلوبة للنشاط.

على سبيل المثال، إذا كنت في صالة الألعاب الرياضية وتمارس رياضة التسلق، يمكن أن تطلب من نفسك «الوصول إلى موطئ القدم على شكل حدوة الحصان إلى يسارك، لكن لا تسحب نفسك! ارفع من ساقيك». هذا المزيج من الحديث التعليمي والتحفيزي للذات من المحتمل أن يحسن أداءك بشكل واضح.

صحة

منذ 8 شهور
أنت معارض إذًا أنت مجنون.. ماذا تعرف عن الطب النفسي العقابي؟

2- إيجابي وسلبي

هناك حديث إيجابي وحديث سلبي عند التحدث إلى النفس، وربما يكون الأمر واضحًا جدًّا حول هذين النمطين والمقصود بهما. عندما تتحدث إلى نفسك وتقول «أنا شخص خاسر وأدائي سيئ جدًّا اليوم، لا يمكنني حتى الركض لبضعة كيلومترات أخرى»، فهذا بالتأكيد حديث سلبي.

لكن في المقابل عندما تقول «يمكنني القيام بهذا، أنا سأربح بالتأكيد مع بعض المجهود»، فهذا حديث إيجابي يحتاجه الإنسان في المواقف الصعبة؛ إذ يدعوه لعدم اليأس والاستسلام، وبالتالي لا يصح أن تستخدم الحديث السلبي وأنت في وقت المنافسة. في المقابل يمكنك أن تتحدث بشكل سلبي إلى نفسك بعد انتهاء المنافسة حتى تعطي لنفسك درسًا قاسيًّا، وتجهز نفسك وعقلك لبذل مجهود أكبر بالتدريبات.

وأشارت الدراسات إلى أنه على الرغم من أن التحدث التحفيزي عن الذات يحسن الثقة في المشاركين، فإن الحديث الإيجابي إلى النفس لم يفعل. هذا الأمر يمكن أن يكون منطقيًّا عندما تواجه صعوبة مثلًا في دروس اليوجا، فإن الإصرار على القول لنفسك إنك تبذل جهدًا جيدًا ورائعًا لن يقدم أي شيء إضافي لك، ولكن إذا قلت لنفسك إنك بحاجة إلى خفض الكتفين قليلًا والاستنشاق ببطء، فستكون أكثر عرضة لتحسين الأداء.

ووجدت الدراسات أيضًا أن 40% من الأشخاص، لم يكن للتحدث السلبي مع أنفسهم تأثير كبير سيئ في أدائهم كما يفترض البعض. ويفترض الباحثون أنه في مواقف الأنشطة البدنية، قد يفسر اللاعبون هذا الحديث السلبي مع أنفسهم بشكل تحفيزي، مما يخفف من آثاره المحبطة عليهم.

الحديث السلبي.. سلاح ذو حدين

الحديث السلبي مع النفس يمكن أن يكون صحيًّا أو تحفيزيًّا في بعض الأحيان، مثل أن تعاتب نفسك بعد أن ارتكبت خطأً ساذجًا. ومع ذلك، ينبغي عدم تشجيع الحديث السلبي عن النفس عمومًا؛ لأنه يمكن أن يقوض ثقة المرء واحترامه لذاته. أولئك الذين يعانون من القلق والاكتئاب قد يكونون عرضة بشكل خاص للآثار الضارة للتحدث السلبي عن الذات. الحديث السلبي عن النفس هو تلقائي تمامًا في المواقف العصيبة، ويمكن أن يصبح مزمنًا بمرور الوقت.

على الرغم من أن كل شخص تقريبًا يواجه بعض الكلام السلبي عن نفسه، فإنه بالنسبة لبعض الأشخاص، يمكن أن يتحول إلى «فتنة»، تتحول فيها أفكار التحدث مع الذات هذه إلى وساوس، ولكن هناك طريقة لاختراق هذا النمط: التحدث مع النفس كشخص ثالث. وفقًا لباحثين من جامعة ميشيجان، فإن هذه الطريقة غير التقليدية يمكن أن تساعد في تقييم الحديث السلبي بسهولة وتحييده.

اكتشف الباحثون أن الأشخاص الذين تلقوا تعليمات بالتحدث عن النفس بطريقة الشخص الثالث، وهي أن تتحدث لنفسك بهذه الطريقة «مريم متوترة من الموعد النهائي للاختبارات القادمة، مريم لا تعرف متى ستنهي حفظ كل هذه الأوراق» بدلًا من القول «أنا متوتر من الموعد…»، كانوا أكثر قدرة على التحكم في عواطفهم من أولئك الذين تلقوا تعليمات بالتحدث عن النفس بالصورة الطبيعية.

السر في هذا هو أنه غالبًا ما يكون لديك وضوح وموضوعية وتعاطف أفضل عندما يتعلق الأمر بتجارب الآخرين مقارنة بتجاربك الشخصية، وبالتالي عند الحديث عن نفسك كأنك شخص ثالث سيمنحك هذا القدرة على تقييم أفكارك كما لو كان صاحب المشكلة هو شخص آخر.

تخيل مثلًا أنك مسافر في طائرة، وبدأت حالة من الاضطرابات الجوية التي تكرهها، من الأفضل أن تتحدث إلى نفسك وتقول «محمد لا يحب الاضطرابات الجوية. يعتقد محمد أن الطائرة ستنشطر إلى نصفين، ويعتقد محمد أننا سنسقط ونرتطم بالأرض وتنفجر الطائرة ونموت». عند هذه النقطة ستجد طريقة الحوار بدأت تختلف تدريجيًّا لتقول «حسنًا، محمد دائمًا ما يتابع الكثير من الرحلات الجوية. ويعرف محمد أن السفر الجوي أكثر أمانًا من السفر بالسيارة». ستتغير نفسيتك تدريجيًّا بشكل رائع.

على الرغم من أن ذلك قد يكون وسيلة فعالة للتخفيف من حدة القلق والتوقف عن الحديث المتعمد والمتكرر مع النفس، فإنه قد لا يكون مفيدًا للجميع. ففي حين أن الشخص الثالث يساعد الناس في الحصول على منظور يشبه الأصدقاء في أفكارهم، إلا أن الحديث بالشكل التقليدي قد يسمح لهم بمشاهدة أفكارهم من زاوية أكثر عمومية أو عالمية. إذا كنت لا تشعر بأن الحديث كشخص ثالث يعمل لصالحك، فحاول التفكير مع نفسك بالصورة التقليدية وقارن أي الوسيلتين كانت أفضل بالنسبة لك.

كيف تتحدث إلى نفسك بشكل صحي؟

تذكر دائمًا أن الكلمات تؤثر في الآخرين، ولكننا ننسى أن الكلمات التي نستخدمها داخلنا تؤثر في حالاتنا العاطفية أيضًا. لذلك عليك اختيار الكلمات التي تتحدث بها إلى نفسك بعناية؛ لأن الكلمات التي تعلق بها على تجربتك ستصبح هي نفسها تجربتك الخاصة. لذلك يجب أن تكون مدركًا لذلك. إذا كنت تتحدث عن الغضب دائمًا، فستجد نفسك غاضبًا طوال الوقت حتى دون سبب. هكذا تتحدث لنفسك دون خشية من المتاعب.

1- ادرس أنماط التفكير الخاصة بك

أي نوع من الكلمات ستقوله لنفسك؟ كيف ستشعرك هذه الكلمات، بالإحباط أم الحماس أم الهدوء؟ بمجرد معرفة الكلمات المناسبة لك وللوقت وللظروف، يمكنك البدء في استخدامها أكثر.

2- حاول عكس ما تقوله عادة

إذا كنت عادة تقول «أنا أكره نفسي عندما أرتكب خطأ»، فحاول أن تقول «أتعلم الكثير كلما ارتكبت خطأ». لاحظ شعورك وردود أفعالك بعدها، ستجد أن الأمور اختلفت.

3- اجعل الأمور عقلانية

إذا كنت تشعر بالإحباط الشديد، يمكنك استخدام هذا الكلمات: جميع الأشياء مؤقتة– ما حدث يؤثر فقط على جزء واحد من حياتي وليس كل حياتي– ما حدث ليس بسببي تمامًا. ركز على ما يمكنك فعله بدلًا من قول «لماذا أنا؟».

4- تحدث مع نفسك كما لو كنت صديقًا

عندما يمر أصدقاؤنا المقربون بلحظة صعبة، فإننا نعرف ما نقول لتحفيزهم. لماذا لا يجب أن نفعل نفس الشيء لأنفسنا؟ هنا عليك أن تراجع جيدًا الجزء الذي شرحنا فيه التحدث إلى نفسك كشخص ثالث.

5- قل «لا أفعل» بدلًا من «لا أستطيع»

ما الفرق بين «لا يمكنني المماطلة» و«لا أماطل» من الناحية النفسية. «لا أماطل» هي اختيار، مما يجعلك تشعر بالتمكين. بينما «لا أستطيع» تؤكد على افتقارك إلى القوة في الموقف.

6- واجه لكن مع امتنان

كلما كان لديك تفكير سلبي، فكر في أمرين تشعر بالامتنان لهما. في كل مرة تجد فيها عيبًا عن نفسك، ابحث عن نقطتي قوة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد