بعد نحو أسبوعٍ من المواجهات المسلحة التي شهدتها محافظة المهرة اليمنية – شرق اليمن – بين قبائل يمنية والقوات السعودية عند المعبر الحدودي مع سلطنة عمان، نجح التحالف العربي في السيطرة على النقاط الحدودية عقب قصفٍ جوي وبري، ووضع نقاط تفتيش حول منافذ الشحن في غيابٍ مُعلن للحكومة اليمنية، ضمن خطة انتهجتها السعودية لانتزاع المحافظة من الوصاية العمانية عليها.

والحضور العماني في ثاني أكبر المحافظات اليمنية التي تتقاسم حدود واسعة مع السلطنة كان مكثفًا ولافتًا حتى في الأيام الأخيرة قبل وفاة السلطان قابوس؛ وبعدما تسلم السلطان الجديد هيثم بن طارق المشهد، عمدت السعودية للسيطرة بالقوة على كل المنافذ الحدودية البرية والبحرية لأسبابٍ سياسية واقتصادية، وهي الخطوة التي فشلت فيها طيلة خمس سنوات هي مدة الحرب في اليمن.

التقرير التالي يوضح لك الدور القديم للسياسة العمانية تجاه المهرة، وأسباب التدخل السعودي الإماراتي ودوافعه، وكيف ستتضرر عمان في حال فقدت نفوذها الجغرافي الذي كان دومًا أحد أسباب خروج قابوس عن حياده العلني.

من هنا انطلقت ثورة ظفار.. حدود عُمان الملتهبة مع اليمن

حين أعلنت السعودية التدخل العسكري في اليمن في مارس (آذار) عام 2015 تحت شعار إعادة الشرعية اليمنية بعد انقلاب جماعة الحوثي وسيطرتهم على العاصمة صنعاء، اختارت محافظة المهرة التي تقع في أقصى شرق اليمن سياسة النأي بالنفس عن أطراف الصراع، لكن أهميتها الإستراتيجية سُرعان ما دفعتها نحو حرب مطامع تقاسمها شركاء الحرب الإقليميون، لتضطر أيضًا جارتها عُمان التي رفضت المشاركة في التحالف العربي للتخلي عن حيادها بعدما وجدت في التدخل السعودي والإماراتي للمحافظة خطرًا يهدد مصالحها.

وتشترك المهرة مع ظفار العمانية في شريط حدودي هو الأطول ويبلغ 288 كيلو مترًا، ومنها خرجت ثورة ظفار التي استمرت 10 سنواتٍ حتى عام 1975، وكادت تتسبب في الإطاحة بعرش السُلطان قابوس الذي أدرك بعد القضاء على التمرد أهمية المحافظة من منظور أمني، خاصًة أنها ترتبط بصلاتٍ قبلية معها، بالإضافة إلى أنّ العديد من العائلات المهرية يحملون جنسياتٍ مزدوجة، ومنازل على جانبي الحدود، لذا عمدت عُمان منذ الوحدة اليمنية عام 1990 إلى احتواء وتجنيس المحافظة وتركيز استثماراتها في اليمن في تلك البقعة التي تعادل مساحتها الكبيرة مساحة دولة الإمارات.

وبالرغم من الاضطرابات التي عصفت باليمن منذ ثورة فبراير (شباط) عام 2011، إلا أنّ المهرة لم تتأثر اقتصاديًا بفضل اعتمادها على الأسواق العُمانية للحصول على الوقود والمواد الغذائية، وهو ما مكّن لها استقلالًا عن باقي المحافظات التي تأثرت بتبعات الحرب، لكنّ النفوذ العُماني لم يدم طويلًا دون منافسة من الإمارات؛ فبعد شهرٍ واحدٍ من تدخل التحالف العربي، قام الرئيس اليمني بعزل محافظ المهرة الأسبق الشيخ محمد كدة الحليف الأبرز لسلطة عمان وحامل جنسيتها؛ مما أثار احتمالات أن الإطاحة جاءت بضغوطٍ إماراتية؛ لأنه رفض سياسات أبوظبي.

والإمارات وجدت طريقها للدخول إلى المهرة عبر الهلال الأحمر الإماراتي، الذي كان سبيلًا لتوسيع نفوذها عبر شراء ولاءات قبلية، وكسب شخصيات سياسية واجتماعية وأمنية، ثم تحركت عسكريًا وأمنيًا بإنشاء معسكر تدريب، وتشكيل ما تسميها قوات النخبة المهرية على أساس قبلي، كما أنها استقطبت عددًا من زعماء القبائل ومنحتهم الجنسية الإماراتية.

سياسة

منذ 4 سنوات
قابوس.. العجوز الذي تخشى موته إيران وأمريكا

لكنّ وجود أبوظبي لم يحظ بترحيب عُمان التي ردت بإرسال آلاف الأطنان من المساعدات الغذائية، إضافة إلى معونات نفطية مجانية وصلت لـ180 ألف لتر من النفط يوميًا، ولم تمنع الأزمة الاقتصادية التي تشهدها مسقط من إرسال المواد غذائية وأجهزة طبية وعقاقير عبر المنافذ الحدودية.

وبالرغم من أنها لم تكن بسخاء المساعدات الإماراتية، إلا أنّ أبوظبي فشلت في إخراج المحافظة اليمنية من دائرة النفوذ الجغرافي والسياسي لعمان لتقرر الانسحاب فيما بعد؛ وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017، دخلت القوات السعودية المحافظة واستولت على مرافقها الحيوية، بما فيها مطار الغيضة وميناء نشطون ومنفذي «صرفيت» و«شحن» على الحدود مع عُمان، لكن التحركات قوبلت باحتجاجاتٍ واسعة، ومواجهاتٍ مع رجال الأمن المحليين مسنودة برجال القبائل التي رفضت التدخل الأجنبي.

الوجود السعودي الإماراتي في محافظة المهرة التي تتقاسم حدود واسعة مع السلطنة، اعتبرته عُمان تهديدًا صريحًا دفعها للتحرك إجباريًا لاعتماد مواقف سياسية لحل الأزمة اليمنية عبر مساعٍ عمانية للتدخل وسيطًا لإنهاء الأزمة والوصول إلى تسوية سياسية كونها الوحيدة التي امتلكت قنوات اتصال مفتوحة مع الحوثيين، وهو التحرك الذي أضاف بُعدًا علنيًا للصراع الخفي حين اتهمت صحيفة «الحياة» اللندنية – المملوكة للأمير خالد بن سلطان – مسقط بتهريب أسلحة إلى الحوثيين عبر حدودها مع المُهرة، وهو الاتهام نفسه الذي نفته عُمان مسبقًا بعدما نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين أمريكيين وإيرانيين أن إيران صعدت عمليات نقل السلاح للحوثيين عبر طريق سلطنة عمان.

«فورين بوليسي»: خطط السعودية والإمارات في عمان قد تفسد انتقال السلطة الهادئ

الحرب الباردة بين عمان والإمارات والسعودية.. لماذا المهرة؟

بالرغم من أنّ محافظة المهرة هي المحافظة الأكثر عزلة في اليمن، والأقل من حيث عدد السكان، إلا أنها سُرعان ما دخلت غمار الحرب الباردة، في ضوء المنافسة السعودية الإماراتية العُمانية غير المباشرة على النفوذ الجيوسياسي، وهي الخُطوة التي أفرزت للمرة الأولى انقساماتٍ داخل المجتمع القبلي المحلي؛ فالدعم المالي الذي قدمته الدول الثلاث تطور حتى وصل لدعمٍ عسكري أفرز جماعات مُسلحة تتصارع الولاءات.

وتسعى السعودية منذ عقود لبناء خط أنابيب نفطي يعبر المحافظة باتجاه بحر العرب، لتصدير النفط السعودي بعيدا عن مضيق هرمز، الذي تحول إلى معبر تجاري غير آمن، بسبب التوترات مع إيران، وتهديداتها المتكرر بإغلاق المضيق في وقتٍ تعتمد فيه المملكة  النفط مصدرًا رئيسًا لاقتصادها؛ والمشروع نفسه أكثر فاعلية وأقل تكلفة نظرًا؛ لأن النفط سيعبر صحراءها الشرقية عبر المهرة مباشرة.

وسبق لقناة «الجزيرة» القطرية أنّ نشرت وثيقة مسربة حصلت عليها بشأن رسالة من شركة للأعمال البحرية إلى السفير السعودي باليمن، تشكره فيها على ثقته بالشركة وطلبه التقدم بعرض فني ومالي لتصميم وتنفيذ ميناء تصدير النفط، وهو ما لم تنفه السعودية، خاصًة أنه تردد أيضًا في عدة وسائل يمنية محلية، ويعارض قطاع من السكان المحليون المشروع باعتباره انتهاكًا لسيادتهم، بينما تنظر عُمان إلى الخطط السعودية باعتبارها انتهاكًا لنطاق نفوذها.

وبالحديث عن الأطماع الإماراتية في اليمن؛ فأبوظبي ركَّزت تواجدها منذ البداية على الجنوب اليمني من خلال عملية «السهم الذهبي» التي استطاعت من خلالها السيطرة على مدينة عدن الجنوبية ومضيق باب المندب الاستراتيجي، ثم قامت ببسط نفوذها على الموانئ الهامة والسواحل النفطية، لكنّها فشلت في السيطرة على ميناء «نشطون» الذي يقع في محافظة المهرة، ويُحاذي الشواطئ العُمانية، و يقع على مقربة من الخط البحري الملاحي الدولي في المحيط الهندي.

وترى الإمارات في الميناء اليمني خطرًا يهدد ميناء «جبل علي» في دبي، لذا سعت للسيطرة عليه بهدف إبقاء الوضع التجاري فيه راكدًا وتحويله إلى ثكنة عسكرية، على غرار ما حدث في موانئ «المخا» و«عدن» و«المكلا»، وبالرغم من أنها فشلت في تشكيل قوة عسكرية داخل المحافظة، وقررت الانسحاب منها عام 2017، إلا أنها من جهة أخرى نجحت في ضم المحافظة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يدعو للانفصال عن اليمن، بعد الضغط على الحكومة اليمنية بتغيير المحافظين الموالين لعمان، وتعيين آخرين يتبعون سياسات التحالف العربي.

وبحسب مقابلات أجراها «مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية» مع مندوب من المهرة زار الرئيس هادي في يونيو (تموز) عام 2018، فالسعودية استخدمت نفوذها وهددت الرئيس اليمني بوقف الدعم المالي للحكومة بعدما رفض إقالة محافظ المهرة محمد بن كدة المُعادي لسياسات التحالف العربي، وتعيين راجح باكريت، والذي يُنظر له أنه عرّاب السيطرة السعودية على البوابة الشرقية لليمن.

وحاليًا نجحت السعودية في إنشاء قاعدتين عسكريتين بالمهرة في ميناء نشطون ومطار الغيضة، بالإضافة لستة معسكرات في مديريات المحافظة الثمانية، وهو ما يخالف الاتفاق الذي وقعته الرياض مع المجلس العام للقبائل الذي رفض التواجد السعودي في المحافظة إلا بعد التعهد بعدم تحويل المطار إلى ثكنة عسكرية، وضرورة التنسيق بين القوات السعودية والسلطة المحلية، وهو ما لم يحدث.

وبالرغم من تراجع الدور العماني في الملف اليمني خلال الشهور الأخيرة في حياة السُلطان قابوس، إلا أنّ الحضور ظل مكثفًا في محافظة المهرة التي احتفلت في نوفمبر العام الماضي بالعيد الوطني لعمان تحت شعار «رد الوفاء على ما تقدمه من دعم سخي للمهرة في جميع المجالات»، بالإضافة إلى تنظيم احتفالاتٍ بعد بيان البلاط السلطاني العماني بتعافي السُلطان قابوس قبل 10 أيامٍ فقط من وفاته، والتي اتخذت بعدها السعوية سياساتٍ جديدة لنزع المحافظة من الوصاية العمانية عليها.

تهدد عرشها واقتصادها.. كيف ستتضرر عمان من حصار السعودية لها؟

 تُراهن عمان على المكون الثقافي الفريد الذي يجمعها بمحافظة المهرة إضافة إلى البعد الاجتماعي عبر علاقات المصاهرة بين القبائل اليمنية التي تحمل امتدادًا مع سكان محافظة ظفار، لكنّ السعودية ما لبث أن مثلت تهديد صريح لعمان الإباضية عبر محاولة نشر الفكر السلفي في أكثر من 300 مسجد في المحافظة اليمنية، وبينما أثارت السياسة السعودية السكان المحليين المُتأثرين بالتقاليد الصوفية، اعتبرته عُمان تهديدًا مباشرا لمحافظة ظفار التي تُعدّ معقلًا سنيًا يمكن استغلاله في بلدٍ يدين نحو 80% منه بالمذهب الإباضي الرسمي.

Embed from Getty Images

صحيفة «إيكونوميست» الأمريكية أشارت إلى أنّ السعودية كانت تمتلك ورقة رابحة للتطويع المستقبلي للسياسة العُمانية التي التزمت الحياد في صراعين متزامنين، في إشارة إلى حصار قطر، وحرب اليمن، لذا فالسعوديون رأوا على الأرجح أن تطويع عُمان تبدأ أولًا بإضعاف اقتصادها، والبداية من المهرة اليمنية التي تُشكل شريانًا حيويًا لها.

وفي عام 2015 رفضت الإمارات طلب عمان بمد خطوط الغاز الإيراني عبر أراضيها، وكانت نتيجة ذلك الرفض توقف المشروع حتى الآن، وكانت عُمان تعول عليه لتقليل اعتمادها على النفط أثناء أزمتها الاقتصادية. ويرى العمانيون أنّ الوجود السعودي والإماراتي في محافظة المهرة البعيدة عن ساحات الحرب يأتي في ظل منافسة الاستثمارات التي تمولها الصين في مشروع الميناء العماني بالدقم ومحاولة تطويق السلطنة بشكل إستراتيجي، بحسب تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

ومنذ اليوم الأول الذي دخلت فيه السعودية المهرة، فرضت حصارًا خانقًا واتخذت إجراءات مشددة على الواردات العمانية إلى المحافظة، كما فرضت على البضائع المستوردة العبور حصرًا عبر الميناء والمنافذ الحدودية، وتمثلت الضربة الأكبر في أغسطس (آب) عام 2018 في رفع الرسوم الجمركية بنسبة 80% على الواردات العُمانية، كما صدرت تعليمات بإلغاء المستندات الجمركية الصادرة من منطقة التجارة الحرة العُمانية، في محاولة للقضاء على التجارة الحدودية مع اليمن.

ومع توارد الأنباء بمرض السُلطان قاموس، أقدمت السُعودية على ضربتها الكبرى عبر فرض رسوم جمركية على واردات اليمن من منافذ المهرة الحدودية مع سلطنة عمان، في محاولة لمنع الصادرات العمانية ضمن سياسة الحد من نفوذ السلطنة، المعيق لنفوذ الرياض بالمهرة، وبعد أقل من شهر على وفاة السُلطان قابوس، قررت السعودية منع مرور المعدات الثقيلة التي يستوردها المواطنون من الخارج عبر المنفذ البري مع السلطنة ومنع جمركتها.

بعد نحو أسبوعٍ من المواجهات المسلحة التي شهدتها محافظة المهرة بين قبائل يمنية والقوات السعودية عند المعبر الحدودي مع سلطنة عمان، نجح التحالف العربي أخيرًا في السيطرة على النقاط الحدودية عقب قصفٍ جوي وبري، ووضع نقاط تفتيش حول منافذ الشحن في غيابٍ مُعلن للحكومة اليمنية، ضمن خطة ناجحة انتهجتها السعودية على الأرجح لانتزاع المحافظة من الوصاية العمانية عليها.

وفي الوقت الذي تسعى فيه السعودية والإمارات لقطع نفوذ عُمان في اليمن، يُنظر للسلطنة بأنها الوسيط الأنسب للأزمة اليمنية، كونها تتجاوز مسألة الاتصالات المباشرة مع الحوثيين الفاعل الرئيس في الحرب اليمنية حاليًا، وتتخطاه بقدرتها على إلزامهم بأي اتفاق قد تصل به عبر مفاوضات، وهو الدور الذي تفتقده السعودية حاليًا؛ فبالرغم من نجاحها أخيرًا في امتلاك قنوات اتصال مفتوحة مع الحوثيين، إلا أنّها حتى الآن تفشل في الوصول إلى اتفاق مُلزم مع الحوثيين الذين ينتهجون معها سياسة «التفاوض الخشن».

دولي

منذ شهرين
قابوس يحكم حتى بعد وفاته.. لماذا لن تتأثر عُمان بالسلطان الجديد؟

 ولا يبدو كيف سيرد السُلطان الذين خسر للتو أولى معاركه بسيطرة السعودية على محافظة المهرة، وفشل المعارضة الداخلية في إخراج قوات التحالف العربي منها، ويبدو أنّ السلطان الذين ورث سياسية جيران بلا مشاكل ستقوده عمان مُجددًا إلى صدام مع الرياض التي حملت إرثًا ثقيلًا من العداء المكتوم مع قابوس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد