«معانا ريال معانا ريال.. ده مبلغ عال ومش بطال»؛ تلك الأغنية التي قدمتها فيروز في طفولتها، هي واستعراضات أخرى في فيلم «دهب»، هي واحدة من الذكريات الراسخة في أذهان الكثير من المشاهدين العرب، حتى المشهد الذي قدمته فيروز وهي ترتدي بدلة رقص محترفة مثل التي ترتديها الراقصة البالغة، كان واحدًا من المشاهد التي أحبها الجمهور، والأغلبية من المشاهدين لم يروا أن هذا انتقص من براءة الطفلة فيروز شيئًا.

ولكن الرقص في تلك الفترة الزمنية، يختلف كلية عن الرقص في العصر الحديث خاصة في المجتمعات الغربية التي تربت فيها الأجيال الحديثة على عروض شاكيرا وبريتني سبيرز ومايلي سايرس، حيث يختلط الغناء بالرقص المثير، ولذلك عندما عرضت شبكة نيتفلكس فيلم Cuties، والذي قدم فتيات في سن الطفولة وبداية المراهقة يرقصن على نفس المنوال، مرتدين الملابس نفسها التي ترتديها النجمات السابق ذكرهن، ظهرت الانتقادات على الفيلم منذ خروج إعلانه إلى الشاشات ومن قبل عرضه كاملًا، متهمين نيتفلكس بتقديم مواد إباحية للأطفال، تغذي ميول البيدوفيليا.

مجتمع

منذ 4 شهور
استغلال الأطفال جنسيًّا عبر الإنترنت يتزايد.. كيف تحمي أبناءك؟

ثم جاءت الحملة التي تطالب مشتركي نيتفلكس بإلغاء اشتراكهم بعد عرض الفيلم، بالإضافة إلى مطالبة نيتفلكس بوقف عرض الفيلم، وهو ما قامت به نيتفلكس بالفعل بعد أن قدمت اعتذارها للجماهير. ومع وضع المشهدين بجوار بعضهما، فيروز وهي ترقص ببدلة الرقص الشرقي، وبطلات فيلم Cuties، يجعلنا نطرح تساؤلًا مهمًا: ما هو الحد الفاصل بين الفن والمواد الإباحية للأطفال؟

ليست المرة الأولى

الأزمة التي أثارها فيلم Cuties لم تكن الأولى من نوعها عالميًا، والسؤال عن الحد الفاصل بين الفن والمواد الإباحية للأطفال هو محل تساؤل وجدل منذ سنوات عديدة. في عام 2013 بأستراليا داهمت الشرطة واحدًا من المعارض الفنية التي تقدم صورًا لأجساد عارية للبالغين ولكن بعد أن تم استبدال وجوههم بوجوه أطفال، الأمر الذي وجدته الشرطة مطابقًا للقوانين الموضوعة عن صناعة المواد الفنية الإباحية للأطفال، وأغلق المعرض نهائيًا.

مرة أخرى في عام 2009؛ أثيرت ضجة كبيرة حول صورة الممثلة الأمريكية بروك شيلد، والتي كانت تبلغ من العمر 10 سنوات، وعرضت تلك الصورة لها وهي عارية تمامًا ووجهها مليء بمساحيق التجميل، ولم يستمر عرض الصورة طويلًا في المعرض الفني الموجود في لندن، وأزيلت الصورة استجابة للانتقادات الموجهة بأنها مادة إباحية لطفلة.

«كل شيء طاهر؛ القذارة في عين الناظر»؛ تلك كانت وجهة نظر الناقدة الفنية لورا كومنج، والتي ذكرتها في مقال نشر في العام نفسه حول أزمة صورة بروك شيلد تحت عنوان «متى أصبح الفن مادة إباحية للأطفال؟» والذي ناقشت فيه اللوحات الفنية القديمة، والتي جسد الكثير منها أطفالًا عرايا، أو أطفالًا نصف عرايا، وبعضها كان يجسد أطفالًا يمارسون أفعالًا جنسية، ومع ذلك تلك اللوحات ما زالت معروضة في أكبر المتاحف العالمية، ويحتفي بها العالم، ويؤخذ الأطفال من مدارسهم في رحلات لتلك المتاحف ليشاهدوا هذا النوع من الفن، و- تتساءل لورا – ماذا تغير إذن؟

في هذه النقطة تناقش الناقدة فكرة تجسيد الأطفال دون مشاركتهم الشخصية في المادة المقدمة، بمعنى ماذا لو رسم شخص طفلًا عاريًا دون مساعدة طفل وقف عاريًا أمامه؛ فهل هذا يعتبر استغلالًا للأطفال في عمل مشين؟، هي ترى أن الإجابة لا، فالفنان – من وجهة نظرها – يجب أن يكون عقله حُرًا في التعبير عما يدور في خياله.

ولكن في المقابل جاءت الآراء التي وقفت وراء غلق المعرض الفني للفنان الأسترالي السابق ذكره، مؤكده أنه من غير اللائق للبالغين أو لأي شخص آخر تقديم الأطفال في أعمال فنية تصورهم باعتبارهم هدفًا جنسيًّا مشروعًا للرغبات الجنسية للبالغين، وأنه في حين حدوث هذا يجب أن تتدخل السلطات لإيقاف تلك الممارسات.

من جانبها؛ اطلعت المحامية ورئيسة جمعية ليبرتي فيكتوريا لحقوق الإنسان؛ على ما تبقى من المعرض في أستراليا، والذي لم تصادره الشرطة في هجمتهم عليه، ووصفت بعض اللوحات بأنها مذهلة وبها خيال خصب، وصرحت وقتها قائلة: « هناك دائمًا صعوبة في تحديد الحدود بين الفن والمواد الإباحية، لأنها عملية ذاتية للغاية ويحددها ذهن من يشاهد، وما يعتبره البعض بذيئًا، يراه الآخر تحفة فنية أو معنى كامنًا وراء العمل»، وضربت مثالًا على هذا تمثال ديفيد الشهير لمايكل أنجلو، والذي يجسد فيه شابًا عاريًا تمامًا مع تجسيد كامل لأعضائه التناسلية، ومع ذلك لا ينظر إلى التمثال باعتباره مادة إباحية.

ولكن أيضًا تلك الآراء سواء المؤيدة أو الرافضة، يصعب تطبيقها على الأزمة التي مرت على شبكة نيتفكلس مع فيلم «Cuties» وهذا لأن تلك الأعمال الفنية لم يشارك فيها الأطفال فعليًا، ولذلك قد تندرج تحت بند مواد إباحية تستغل في مادتها فكرة الطفولة، ولكن لا ينطبق عليها بند استغلال الأطفال لأنه لم يكن هناك أطفال مشاركين بالفعل في العمل الفني، فماذا عن تلك النوعية من الأعمال الفنية؟

أطفال في مشاهد جنسية.. فن أم سوء معاملة؟

«لقد بكيت وأنا أرى هذا المشهد »؛ هكذا وصفت كارتر إلود الكاتبة والناقدة الأدبية مشاعرها عن فيلم Moonrise Kingdom للمخرج ويس اندرسون.

هذا الفيلم الذي يقوم ببطولته طفل وطفلة في سن العاشرة تقريبًا، ويجمع بينهما مشهد يمكن وصفه بكونه جنسيًّا لأنه يتضمن التقبيل والتلامس فيما بينهما والكلام الجريء أيضًا عن أجسادهم، وكان هذا المشهد من وجهة نظر كارتر مشهدًا جارحًا لها بوصفها أمرأة تعرضت للاستغلال الجنسي في طفولتها، فكان من الصعب عليها أن ترى هؤلاء الأطفال يتعرضون للشيء نفسه وأمام الكاميرا وبموافقة ذويهم.

توضح ماريسا إيفانز أخصائية النفسية المتخصصة في علاج مشاكل الأزواج والأسر، بأن معرفة الأطفال للسلوك الجنسي في سن مبكرة تسبب الكثير من المشكلات في النمو العاطفي والعقلي، فالطفل الذي يتعرض لموقف جنسي في طفولته ولا يقدر على فهمه أو تفسير ما يمر به تفسيرًا كاملًا تتعرض صحته النفسية لمشاكل خطيرة، وقد تدفعه إلى الانخراط في سلوكيات جنسية متهورة في سن مبكرة، وإذا شعر الطفل بالصدمة النفسية نتيجة تلك التجربة أو الشعور بالانتهاك – توضح ماريسا – فقد يدفعه هذا إلى سلوكيات سلبية مثل إدمان المخدرات أو تعرضه للاضطراب العاطفي، وبشكل عام الطفل الذي يتعرف على التجارب الجنسية مبكرًا وبشكل فج، تكون حياته الجنسية مضطربة بعد النضوج بحسب رأيها.

ولذلك تنصح ماريسا أن قرار الموافقة على مشاركة الأطفال في أعمال فنية تقدمهم تقديمًا جنسيًا، لا يجب أن يكون في أيدي آبائهم فقط، فهو يعد – من وجهة نظرها – استغلالًا صريحًا للأطفال في مواد إباحية. وعلى الرغم من أن القوانين الفيدرالية الأمريكية لاستغلال الأطفال في المواد الإباحية توضح أن أي والد أو وصي قانوني أو شخص لديه حضانة أو سيطرة على قاصر ويسمح لهذا القاصر بالانخراط في سلوك جنسي صريح لغرض إنتاج تصوير مرئي لهذا السلوك أو لغرض نقل تصوير مرئي، يندرج فورًا تحت بند استخدام الأطفال في المواد الإباحية، ولكن هذا لم يعرض الفيلم إلى أي مساءلة قانونية.

وهذا لأن معظم الآراء جاءت مخالفة لما ذكرته كارتر، على سبيل المثال الصحفي والناقد أساوين سويبسينج تحدث عن هذا الفيلم بعدما مر ببعض الانتقادات مؤكدًا أن الفيلم – من وجهة نظره – لا يعتبر مادة إباحية للأطفال بل إنه يجسد لحظة يمر بها كل مراهق في هذه السن.

هي لحظة اكتشاف جسد الجنس الآخر والتعرف على تلك الرغبة الجديدة التي تغزو أجسادهم سواء شاء البعض أم أبى، وطالما – يرى أساوين – أن الأطفال شاركوا في الفيلم بموافقة آبائهم ولم يتعرضوا إلى ضغط نفسي أو إساءة جسدية، فإن هذا يعتبر عملًا فنيًّا وليس مادة إباحية للأطفال، مؤكدًا أن الفن يجب أن يكون مسموحًا له بمناقشة ما يمر به الأطفال المقبلون على عمر المراهقة، خاصة فيما يتعلق باكتشافهم للجنس. وهذا يطرح تساؤلًا مهمًا؛ هل ما مر به فيلم «Cuties» من انتقادات، قد يكبل صناع الأفلام فيما بعد عن مناقشة المشكلات الواقعة في الكواليس الخلفية لحياة الأطفال والمراهقين؟

كواليس جيل كامل.. ومحاذير كثيرة

في عام 2019 نشرت الرسامة الأمريكية ديبي دريشسلر مدونة كاملة تحتوي على قصص مصورة رسمتها بنفسها، وتحكي فيها ما تعرضت له خلال طفولتها من اعتداءات وإساءات جنسية.

ولكن بعد وقت قليل من نشرها لتلك التجربة القاسية التي مرت بها في صغرها، أُغلقت المدونة بدعوى أن تلك الرسومات تعد مادة إباحية للأطفال، وعن هذا الأمر صرح جيرمي مالكوم رئيس جمعية بروستاسيا لدعم ضحايا الاعتداءات الجنسية موضحًا أنه بعد سنوات من العمل مع ديبي لتخرج تجربتها في تلك الصورة وتتخلص منها باعتبار ذلك بداية لرحلة علاجها النفسي من التجربة المؤلمة، تأتي القوانين وتخبرها أن ما قدمته عن تجربتها ليس سوى فن إباحي للأطفال، متجاهلين الشجاعة التي احتاجتها تلك المرأة لتحكي كواليس تجربة قد تكون مرت بها الكثير من النساء ولا يقدرن على البوح بها، وربما إذا كانت تلك الرسومات ظلت منشورة كانت شجعت المزيد من النساء للتحدث، بحسبه.

ولكن مرة أخرى قد يتفق الكثير مع الرأي السابق، نظرًا لأن من رسمت تلك الرسومات ليست طفلة، ولم تستعن بأي أطفال لتقدم العمل الفني، فلا يندرج هذا العمل تحت بنده استغلال الأطفال، والسؤال هو كيف نقدم عملًا فنيًّا مصورًا يتضمن أطفالًا ويناقش مشاكل الأطفال والمراهقين الجنسية دون أن يعرض الأطفال للاستغلال الجنسي أو الإساءة؟

الأزمة التي تمر بها نتيفلكس الآن ليست تجربتها الأولى مع الاتهام بتقديم محتوى إباحي للأطفال، ففي عام 2017 وبعد عرض الشبكة لفيلم Desire؛ أثار غضب المشاهدين المشهد الافتتاحي للفيلم، والذي تظهر فيها طفلتان تحت سن العاشرة تلعبان بالوسائد أثناء مشاهدة فيلم لرعاة البقر، ومن ثم تبدأ واحدة منهن بتقليد راعي البقر وهي تمتطي الوسادة، وفجأة يتحول هذا التقليد إلى ممارسة الاستمناء حتى تصل الطفلة إلى النشوة الجنسية، وجاء دفاع المخرج عن هذا المشهد بأن الطفلة لم تكن تفهم طبيعة المشهد الذي تقدمه، فهي نفذت ما طلب منها دون تفسير.

ذلك التبرير للمخرج رآه البعض دفاعًا هشًا، لأنه إذا كان الطفل أصغر من أن يفهم ما يقوم به أمام الكاميرا، فلا يجب عليه أن يفعله من الأساس، وكيف سيكون موقف الطفل عندما ينضج ويشاهد نفسه في هذا الوضع، وكيف سيشعر بثقته تجاه آبائه الذي قدموه باعتباره سلعة جنسية – توضح ماريسا – للمشاهدين دون علمه.

وما الحل؟

مناقشة المشكلات الجنسية التي يمر بها الأطفال والمراهقون في الأعمال الفنية، هو أمر ضروري وصعب الاستغناء عنه، ولكن هناك أفلام كثيرة قدمت تلك المشكلات دون تقديم الأطفال في مشاهد جنسية عرضت صناع الفيلم لتهمة استغلال الأطفال أو تقديم مواد إباحية للأطفال.

ويعتبر فيلم Mysterious Skin من الأفلام التي أشاد بها النقاد في قدرته على مناقشة مشكلة حساسة للغاية وبشكل غير فج، وكانت تدور قصة الفيلم حول طفلين أحدهما تعرض للتحرش الجنسي وهو صغير، ولم يعرض صناع الفيلم الأطفال المشاركين في البطولة لأي مشهد جنسي قد يصنف تحت بند استغلال الأطفال، واستخدم صناع الفيلم تقنيات التصوير والموسيقى لتجسيد مشهد التحرش الجنسي، دون أن يتم تصويره بالفعل.

وأيضًا أفلام Simon Love وEdge of Seventeen والتي ناقشت قصصًا مهمة عن البلوغ والمراهقة دون عرض مشاهد جنسية، ومع ذلك استطاعت تلك الأفلام – من وجهة نظر النقاد أن تقدم الارتباك الذي يشعر به الأطفال المقبلون على سن المراهقة تجاه رغباتهم الجنسية واكتشاف أجسادهم.

مرة أخرى «كل شيء طاهر؛ القذارة في عين الناظر»؛ وهذا قد نتفق عليه في حالة تقديم فنون لم يشارك الأطفال في صناعتها من الأساس، ولكن الأعمال التي تقدم الأطفال في مشاهد جنسية؛ حتى الآن لم تستطع أن تحصل على رضاء العالم، وما يزال الكثيرون يرونها مادة إباحية للأطفال واستغلالًا جنسيًا يجب المعاقبة عليه قانونيًا حتى وإن وافق آباؤهم على ما يقدمونه.

المصادر

تحميل المزيد