في 22 سبتمبر (أيلول) عام 1842 ولد السلطان عبد الحميد الثاني في مدينة إسطنبول، وكان الثاني في ترتيب إخوته الـ43 أبناء السلطان عبد المجيد الأول. عاش وكبر بحكم توقيت ولادته خلال ما يعرف بحقبة الإصلاحات والتنظيمات في الدولة العثمانية، التي حاولت انتشال الدولة من تأخرها في الكثير من المجالات مقارنة بالتقدم الأوروبي وقتها. 

ولد السلطان عبد الحميد الثاني في وقت كانت الدولة العثمانية تصارع فيه على أكثر من جبهة ساخنة، فمن جهة كان السياسيون العثمانيون يعملون جاهدين لحل الأزمة المندلعة في مصر منذ عام 1839 والحرب مع محمد علي ومحاولة الحد من آثار هذه النزعة الانفصالية على الدولة وباقي أراضيها، وهو الوقت الذي شهد صعود ما عرف بالمسألة الشرقية، التي كانت تطرح فيه الدول الأوروبية سؤالاً مهمًا حول مصير تركة رجل أوروبا المريض- الإمبراطورية العثمانية – وكيفية تقاسمها. 

ومن جهة أخرى وبسبب الحروب الكثيرة، جاء مولد السلطان عبد الحميد الثاني في فترة قدمت فيها الدولة العثمانية الكثير من التنازلات السيادية للدائنين الأوروبيين بسبب الإسراف في سياسة الاقتراض لتغطية نفقات الدولة والحروب المستمرة. ولد في وقت كان ممثل المملكة الفرنسية في إسطنبول يتفاخر بوصفه الدولة العثمانية «أغنى مستعمرة في المملكة الفرنسية».

لم تكن ظروف تسلم السلطان لمقاليد السلطة أقل دراماتيكية من ظروف ولادته، فقد جاء إلى الحكم في صيفٍ ساخن سياسيًا في 31 أغسطس (آب) عام 1876 بعد خلع عمه السلطان عبد العزيز عن الحكم ومقتله، ومن ثم عزل أخيه السلطان مراد الخامس بعد أقل من ثلاثة أشهر من تسلمه للسلطة بذريعة الجنون. فتم تنصيبه السلطان الرابع والثلاثين من سلاطين الدولة العثمانية، والسادس والعشرين من سلاطين آل عثمان الذين جمعوا بين لقبي الخلافة والسلطنة في إسطنبول، وآخر من امتلك منهم سلطة فعلية. 

سال الكثير من الحبر، منذ أن تسلَّم الرجل السيف السلطانيّ في مراسم تنصيبه عند ضريح الصحابي أبو أيوب الأنصاري في مدينة إسطنبول -على عادة العثمانيين منذ أن فتحوا المدينة- وحتى اليوم سطرت ملايين الملايين من الحروف عن سيرته وعن حكمه نقدًا وتجريحًا ودفاعًا. لذا سنحاول في هذا التقرير أن نرافقك للتوقُّف عند محطات من قصة رجل وصفه معارضوه بالسلطان الأحمر، ودافع عنه مناصروه بوصفه السلطان المظلوم، لنحاول أن نكوّن صورة واضحة للرجل بعيدًا عن مبالغات مؤيديه ومعارضيه. 

عصر ما بعد التوليب.. السلطان عبد الحميد الثاني على رقعة السلاطين العثمانيين

اختصر ابن خلدون حركة التاريخ والحضارة بتصويرها على شكل حركة انتقال مستمرة للمجتمعات من حالة البداوة والتخلف إلى حالة المدنية والحضارة، في دورةٍ تعيد نفسها على خمس مراحل هي: مرحلة نشأة الدولة الحديثة على أنقاض دولة سابقة لها، ومرحلة الانفراد بالحكم بعد التخلص من كل المنافسين، ومرحلة ازدهار الدولة وتوسعها، ومرحلة الراحة والطمأنينة أي الركود، والمرحلة الأخيرة تفقد فيها الدولة قوتها فتتفكك وتزول.

والحال هكذا، حقّب المؤرخون ودارسو الإمبراطورية العثمانية سنواتها الـ600 من الحكم على فترات لا تخرج عن التقسيم الكلاسيكي أعلاه لابن خلدون. إذ تمتد سنوات التأسيس وقيام الدولة العثمانية من العام 1299 حتى فتح القسطنطينية عام 1453. ومرحلة التوسع والقوة التي امتدت لقرابة 200 عام ونيف شهدت الدولة العثمانية فيها سقوط جيرانها من عرب الأندلس بخسارتهم غرناطة، والقضاء على الحكم الصفوي بمعركة جالديران عام 1514 واحتلال عاصمتها تبريز، والقضاء بعد ذلك على حكم المماليك في الشام بعد معركة مرج دابق عام 1516، والنهاية بضم مصر بعد معركتهم الاخيرة مع المماليك هناك في معركة الريدانية عام 1517 والتي توجت بتنازل آخر الخلفاء العباسيين محمد الثالث المتوكل على الله عن لقب الخلافة للعثمانيين والاعتراف بسلطتهم على الأراضي المقدسة في الحجاز. 

ويبدأ بعد ذلك عصر الركود، عصر ركون السلاطين العثمانيين إلى الرخاء والارتخاء الذي امتد من عام 1683 إلى عام 1827. يحقّب المؤرخون لبداية هذه الفترة بموت السلطان العثماني الأقوى والأشهر على الإطلاق، السلطان سليمان العظيم كما عرف في الغرب، والقانوني كما عرف عند العرب وسكان المنطقة. هي فترة ركن فيها أغلب السلاطين إلى التنعُّم بما حققه أسلافهم حتى أن إحدى فترات هذه الحقبة تعرف لدى دارسي التاريخ العثماني بفترة التوليب نسبة إلى زهرة التوليب. إذ إن السلاطين ووزراء الدولة من شدة الترف ركنوا إلى توليد وتهجين الزهور في قصورهم بدلًا من الانصراف الجاد إلى شؤون الحكم، ومواجهة مشكلة خسارة الأراضي لصالح الروس والنمساويين. انتهت هذه الفترة بمقتل السلطان سليم الثالث عام 1808 الذي حاول إحداث ثورة حقيقية وتحديث جاد لكل مفاصل الدولة.

ويبدأ بذلك الفصل الأخير من قصة الإمبراطورية العثمانية بحقبة الأفول وعصر التنظيمات، أي القوانين والأنظمة التي حاول إدخالها السلاطين العثمانيون على الدولة في محاولات مستمرة للنهوض بجسدها المنهك دون جدوى، إنها الفترة التي شاخت فيها مؤسسات الدولة، وضعف فيها الجيش مقارنة بخصومه، والفترة التي خسرت فيها الدولة العثمانية ما تبقى من أراضيها، وزادت مديونيتها وكثر تدخل القوى الأوروبية في شؤون الدولة العثمانية الداخلية حتى إسقاطها عام 1922. وهي الفترة التي ولد فيها السلطان عبد الحميد الثاني عام 1842. وفيها تولى الحكم عام 1876، وفيها حكم دولة أنهكها ترف أسلافه من جهة، واشتداد جرأة الأعداء عليها 33 عامًا قبل أن يعزل عن منصبه عام 1909. وفيها توفي عام 1918، لتسقط الخلافة العثمانية بعد وفاته بخمسة أعوام نهائيًا، ويعلن إقامة الجمهورية التركية بصورتها الحالية.

الديون.. الخنجر الحقيقي الذي أطاح الإمبراطورية العثمانية

من أين تريدنا أن نقص عليك حكاية السلطان عبد الحميد الثاني؟

إذا كان بالإمكان اعتبار خسارة معركة ليبانتو البحرية بين الدولة العثمانية من جهة وبين تحالف أوروبي عرف باسم العُصبة المقدسة مكون من كل من: جمهورية البندقية، والإمبراطورية الإسبانية، والدولة البابوية، ومملكة نابولي، ومملكة صقلية، وجمهورية جنوة، ودوقية سافوي، ودوقية توسكانا، ودوقية أوربينو وفرسان مالطا. من جهة أخرى النقطة لبداية السقوط الدرامي للإمبراطورية العثمانية منذ عام 1571 أي بعد خمسة أعوام فقط من وفاة مرعب أوروبا السلطان سليمان القانوني، فربما يمكننا اعتبار القرض الذي أخذته الدولة العثمانية عام 1854 لسداد فواتير حرب القرم رصاصة الرحمة التي أطلقها الغرب على الاقتصاد العثماني المترنِّح منذ عقودٍ طويلة. لذا نعتقد أنه لا نقطة أفضل من ديون الدولة العثمانية لنبدأ منها القصة التي انتهت بانهيار آخر الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى عام 1922.

الثورة الصناعية.. أثر الفراشة! 

بدأت فصول القصة قبل 100 عام تقريبًا من تاريخ أول قرض مالي أخذته الدولة العثمانية، أي بحدود عام 1750، إذ تمكَّن أحدهم من استخدام المحرِّك البخاري لأول مرة في أحد مغازل النسيج في بريطانيا، معلنًا فجرًا جديدًا لدولٍ ستُصبح بعد سنين قليلة قوى عظمى جديدة تحل مكان تلك القائمة آنذاك، ولتنتهي، كما سنرى، قصة السلطان عبد الحميد حتى قبل أن تبدأ، فقد زاد استخدام المحرك البخاري والاختراعات الحديثة من إنتاجية العمل في كل المجالات في أوروبا، ليصبح التصنيع وبسببه التجارة الخارجية كذلك محرك النمو الاقتصادي الأهم على الإطلاق، متقدمًا على القطاع الزراعي، الذي كان حتى ذلك الوقت المورد الأول لخزينة الدولة العثمانية.

وفي مقابل التحاق العواصم الأوروبية بركب التقدُّم الصناعي البريطاني كانت لا تزال الإمبراطورية العثمانية تعتمد على القطاع الزراعي وغير قادرة أساسًا على الانعتاق منه نحو التصنيع، لذا فبينما كانت الآلات البخارية تحرِّك مغازل النسيج في مصانع مانشستر، كانت طواحين القمح العثمانية في سهل حوران تُشغل إما بواسطة الدفع المائي، أو بواسطة القوة الحيوانية.

في هذا العصر الجديد، صار التصنيع والقطاع الصناعي ينتج منتجات بأعدادٍ هائلة، وجودة عالية وتكلفة منخفضة، لذا فقد نشّطت الوفرة الإنتاجية التجارة الخارجية للدول الأوروبية، وبالتالي زاد ثراؤها وادخارها واستثمارها، وهي الميزات التي لم يستطع النمط الإنتاجي الزراعي العثماني توفيره للإمبراطورية العثمانية، لذلك فإن أي دولة لم تتمكن من مواكبة التطور في الشكل الاقتصادي العالمي حينها كان مصيرها إلى ضعفٍ وزوال. السؤال المهم الآن هو لماذا لم تتمكَّن الدولة العثمانية من أن تتطور وتحدِّث نفسها في كل الجوانب، ومنها الجانب الصناعي حتى تنقذ نفسها من مصيرٍ بدا لوهلة أن بالإمكان تجنّبه. 

حاولت الكثير من النظريات السياسية والاقتصادية الإجابة عن هذا السؤال المهم. سيساعدنا استعراض بعضها على وضع تصورٍ عامٍ نفهم من خلاله ما جرى للإمبراطورية الزراعية العثمانية. وما الذي شل قدرتها على مواكبة جنون الحداثة حولها حتى بدت كأطرشٍ في زفّة صاخبة.

مطب أكاديمي.. كيف يفسر العلم سقوط الإمبراطورية العثمانية؟

بالعودة إلى عالم البحث الأكاديمي قليلًا نريد أن نستعين بأبحاثه ذات الصلة في تسليط الضوء على ما جرى، وفهم النهاية التاريخية للدولة العثمانية التي واكبت حكم السلطان عبد الحميد الثاني، بعيدًا عن الكربلائيات الإعلامية سواء من طرف المناصرين، أو من جهة المنتقدين. 

تقدم نظرية الاقتصاد المؤسسي التي تقوم على فهم دور المؤسسات في تشكيل السلوك الاقتصادي للدولة، وتؤمن أن العامل الحاسم في النمو الاقتصادي لأي أمة هو الإطار المكون لمؤسسات الدولة، بمعنى الأفكار والرؤى الاقتصادية الحاكمة في فلسفة الدولة، والتي توجه الاقتصاد نحو الإنتاج من عدمه، مفتاحًا يساعد على فهم جزء من صورة ما حدث.

لاحظ هؤلاء الباحثون في دراسةٍ أجروها على مئات الأعوام من النمو الاقتصادي لدولٍ مختلفة حول العالم، أن الأفكار الحاكمة لاقتصاد الدولة العثمانية في عصور ركودها وما بعد، كانت تتمحور حول ثلاثة مبادئ رئيسية هي (الإمداد، والتقليدية، والضرائبية)، إذ كانت الدولة العثمانية تتكفَّل بإمداد أسواقها بما تحتاجه، وتضمن توافر المواد الأولية بنفسها، وإلى جانب ذلك كانت تحافظ على ثبات العرض السوقي الخارق بأسعارٍ رخيصة، وكمياتٍ وفيرة، وجودة عالية. لذلك فإن السياسة الاقتصادية العثمانية في ضوء هذا المبدأ الحاكم كانت تشجع الاستيراد على حساب التصدير خصوصًا أن تعاملاتها المالية كانت تقوم على الذهب والفضة، لذا فهي تمنع تحديدًا تسربهما إلى خارج الإمبراطورية.

كان هذا ما يؤكده النظام الضريبي العثماني الذي فرض ضرائب متدنية على الاستيراد 5%، وأخرى مرتفعة على التصدير 12% حتى يضمن عدم خروج إنتاجه إلى أسواق خارجية فتتأثر سياسة العرض السوقي الثابت. في بقعة أخرى من العالم وبنفس الوقت كانت أفكار الاقتصادي الإنجليزي آدم سميث في الاقتصاد تنتشر كالنار في الهشيم بين الصناعيين، والأدباء وحتى رجال البرلمان البريطاني، ففي الوقت الذي حصرت الدولة العثمانية نفسها في معبد الحمائية الاقتصادية، كانت أفكار السوق المفتوح، والتجارة الحرة وحقوق الملكية الفردية تفجر خزائن الاقتصادات الأوروبية بالثروة ومراكمة رأس المال. وبرز سريعًا حينها مفهوم التجارة الدولية الذي لم تستطع الدولة العثمانية اقتطاع حصتها منه، لضعف تنافسيتها المحكوم بانعدام الإنتاج الصناعي في الدولة.

وجدت الدولة العثمانية مع الوقت أن إنتاجها الزراعي ليس بتنافسية البدعة الصناعية الأوروبية، التي حاول السلطان عبد الحميد مرارًا الحصول على أسرارها من خلال جهاز مخابراته. واكتشفت أن مردود القطاع الزراعي والمكوس، أي الضرائب التي كانت تفرض على البضائع المارة من أراضي الإمبراطورية، لا يستطيعان رفد خزينة الدولة بالموارد المالية بالسرعة التي يفعلها القطاع الصناعي والتكنولوجيا، ولاحظ السلاطين المتعاقبون أن اقتصادهم البطيء يحتاج لحل. لذلك، ولمعالجة هذا البطء في النمو الاقتصادي لجأت الحكومات المتعاقبة لخفض النفقات، والزيادة في فرض الضرائب، ورقابة شديدة على الإنتاج، وفي بعض المراحل وضع اليد على ثروات بعض الأغنياء. 

اليوم نستطيع القول أن تلك الإجراءات لم تأت بنتيجة تذكر، خصوصًا أن عوائد الضرائب كانت في تناقص دائم بسبب خسارة الدولة العثمانية للأراضي التابعة لها، والذي وصل ذروته في عهد السلطان عبد الحميد. تزامن ذلك مع حروب الدولة العثمانية على أكثر من جبهة بنفس الوقت ما قتل خزينتها، واستهلك مواردها المالية من جهة. وخلق تململًا شعبيًّا في كثير من مناطق الإمبراطورية العثمانية على شكل احتجاجات وثورات ومطالبات بالاستقلال من جهة أخرى. 

ولنستطيع تخيل حجم أثر الفرق بين مردود الدخل عن طريق الزراعة والصناعة، فإن نموذج سولو-سوان الاقتصادي الذي يدرس النمو الاقتصادي للأمم على فترات زمنية طويلة من خلال دراسة عاملي التقدم التكنولوجي وإنتاجية القوى العاملة، يتبنى فكرة أن المعرفة والتقدم التكنولوجي هما أهم عاملين لزيادة نسب المدخرات المالية، وأكبر محفز على الاستثمار الذي يحقق النمو الاقتصادي، إذ أن المعرفة التكنولوجية ستنعكس ليس فقط على وسائل الإنتاج، بل حتى على مهارة اليد العاملة وإنتاجيتها. 

لكن هذا كله يتوقف على سياسات الدولة الداخلية التي إما تدعم الانفتاح والمنافسة والتغيير والابتكار ما يقودها إلى نمو اقتصادي طويل المدى، وإما أن تتبنى سياسات داخلية تقوم على تقييد أو إبطاء التغيير عن طريق حماية أو تفضيل صناعات أو شركات معينة قائمة واللجوء لفرض ضرائب أكثر، ما يؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي بشكل يضر بالمجتمع برمته بحسب نظرية النمو الحديث، وهي تتفق مع النموذج أعلاه في إيمانها أن التراكم المعرفي للمجتمع هو السر في كل النمو الاقتصادي السريع المبني على الصناعة والتكنولوجيا. وهذا ما يفسر سياسات السلطان عبد الحميد وسعيه الحثيث لتحديث مختلف مفاصل الدولة وقطاع التعليم خصوصًا كما سنلاحظ لاحقًا.

نتيجة لما سبق ولتحقيق نسب نمو اقتصادي جيدة لفترة زمنية طويلة تدعو النظرية للاستثمار في الرأسمال البشري، وفي التعليم والمعرفة من خلال اتخاذ تدابير في السياسة العامة لتحقيق ذلك، أي أن يكون هذا المشروع على مسؤولية مؤسسات الدولة بتوفيرها البيئة التشريعية المحفزة على الابتكار والتفكير والعمل، وهي الحقيقة التي فشلت فيها الدولة حتى سقوطها، وبسببها لازم الاقتصاد العثماني حالة من عدم القدرة على التعافي حتى عهد السلطان عبد الحميد، الذي لم يتمكن أسلافه من إيجاد بدائل لرفد خزينة الدولة غير فرض المزيد من الضرائب داخليًا، أو اللجوء المتزايد للاقتراض الأجنبي خارجيًا.

قصة الإصلاحات العثمانية.. من الإفلاس إلى «فرمان مُحرَّم»

هكذا ساهم عجز الدولة العثمانية على مدى سنوات طويلة من مواجهة مشاكلها الداخلية (ترهل المؤسسات، الطريقة التقليدية في الإدارة، وفشل إدارة التنوع الديمغرافي)، وعجزها عن مواكبة الحداثة الصناعية والإنتاجية على المستوى الخارجي في أفول نجمها. هذا المزيج من المشاكل أعاق قدرة اقتصاد الدولة على الحفاظ على موجودات الخزينة المالية، ناهيك عن زيادتها، خصوصًا أن واقع الدولة العثمانية كان صعبًا في تلك الفترة من ناحية انشغالها في الحروب الخارجية من جهة، وبالاضطرابات الداخلية من جهة أخرى.

لم تكن الإدارات العثمانية المتعاقبة بعيدة عن وضع الدولة المتدهور، ولم تكن تجهل الحاجة لفعل شيء جاد حيال الموقف. لذلك فإن فكرة الإصلاح كان متفقًا عليها من كل رجالات الدولة بمختلف تياراتهم. سواء تيار الإصلاح والتحديث بالاعتماد على الذات، أم ذلك الداعي للانفتاح على التجربة الأوروبية باعتبارها طريقًا للتحديث. لكن هذا التحديث الذي بالمناسبة كان قد انخرط وشارك في النقاش حوله السلطان عبد الحميد شابًا قبل أن يؤول إليه الحكم بوصفه أحد أفراد العائلة الحاكمة، أو من خلال مرافقته عمه السلطان عبد العزيز إلى أوروبا والاطلاع على تجارب الحكم المختلفة، يحتاج لأموال طائلة لا تتوفر عليها خزينة الدولة العثمانية. والدول الأوروبية الثرية مثل بريطانيا وفرنسا وغيرها لم يكن لديها المانع من الدعم لكن بشروطها وعلى أساس يحفظ ويزيد من مصالحها. 

جاءت المساعدات الأوروبية للدولة العثمانية على القدر الذي يمكنها فقط من وقف الزحف الروسي باتجاه المياه المتوسطية الدافئة، أو إلى الحد الذي يمكنها فقط من كبح جماح محمد علي باشا في مصر وتطلعاته التي كانت تهدد مصالح تلك الدول. ولكن ليس لتمكن الدولة العثمانية من أن تنهض أو تعيد بناء نفسها. في ضوء حاجة الدولة الماسة لتغطية نفقاتها لم تمانع تلك الدول إقراض العثمانيين المال مقابل «تحسين» وضع المكون المسيحي على أراضي الدولة العثمانية وقوننة ذلك، ومقابل تسهيل تجاري لبضائعهم وتجارهم. وبهذا شرعت الدولة فيما عرف بعصر الإصلاحات والتنظيمات منذ العام 1828 حتى العام 1908 الذي عزل فيه السلطان عبد الحميد الثاني.

لذلك نتيجة لارتفاع تكلفة الحرب على خزينة الدولة العثمانية (الحرب العثمانية الصفوية 1821 – 1823، الحرب العثمانية المصرية 1831 – 1833، وحرب القرم العثمانية الروسية 1853 – 1856) وغيرها الكثير من الجبهات الصغيرة، ونتيجة لعجز الدولة العثمانية عن تمويل خزينتها الفارغة والتي لم تستطع كل إجراءات الدولة الضريبية، وسياسات مراقبة الإنتاج، ومصادرة ثروات وعقارات بعض الأغنياء من ملئها. لم تجد الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد المجيد الأول، والد السلطان عبد الحميد الثاني، طريقًا آخر عام 1854 غير الاقتراض الخارجي وإلا فستنهار الدولة أثناء خوضها حرب القرم لإيقاف توسع الإمبراطورية القيصرية الروسية. وتتبعه بقروض أخرى لتعلن الدولة العثمانية في مارس (آذار) عام 1876 عدم مقدرتها على سداد ديونها، وهو ما عنى عمليًا إفلاس الدولة العثمانية. وهو نفس العام الذي تسلم فيه السلطان عبد الحميد الثاني الحكم في شهر أغسطس أي بعد خمسة أشهر فقط من تلك الواقعة.

كانت تكلفة الديون والقروض عالية جدًا على الدولة العثمانية، فإلى جانب كلفة تسديد الديون المالية اضطرت الدولة العثمانية إلى تقديم تنازلات أليمة للدول الدائنة في مجالات أخرى خصوصًا بعد عدم مقدرة الدولة على الالتزام بالسداد. عندها نصب الدائنون مقصلة علنية لآخر إمبراطوريات العصر القديم باستصدارهم فرمان محرم الشهير عام 1881 في عهد السلطان عبد الحميد والذي أَنشأَ بضغط من الدول الدائنة مؤسسة لتنظيم ديون الدولة، عرفت باسم مؤسسة إدارة الدين العام العثماني. 

صارت هذه المؤسسة التي يديرها أعضاء ممثلون عن الدول الدائنة لمراقبة وتوجيه الاقتصاد العثماني بهدف ضمان استرداد ديونهم، الأداة الأوروبية لتركيع الدولة العثمانية والتدخل في شؤونها. وهو ما فتح الباب أمام رضوخ الدولة العثمانية لمطالب الدائنين الأوروبيين في الإصلاح الداخلي، وشرع الباب أمامهم تحت مطالبات تحسين شروط حياة المكون المسيحي للدولة العثمانية للتدخل في شؤونها الداخلية، والإمعان في فتّ النسيج الاجتماعي للدولة حتى انهيارها على نفسها ذاتيًا. 

من الجهة الاقتصادية، كون خزينة الدولة لم تملك ما تسدد به ديونها الخارجية، فقد اضطرت الحكومة العثمانية للتخلي عن أهم المداخيل المالية الآتية من أهم مواردها الطبيعية واحتكارها لبعض السلع، فقد تخلت الإمبراطورية عن جيوبها التنفسية الاقتصادية الوحيدة من الضرائب على قطاعات مهمة مثل الضريبة على الدمغة، والمشروبات الكحولية، والسمك، والحرير، إلى جانب رهنها مداخيل سوقي التبغ والملح لعشر سنوات حتى تستطيع التخلص من الديون. وإن كانت الفكرة التي قبل بها السلطان عبد الحميد ذكية وطموحة وفيها الكثير من المخاطرة من وجهة نظره على الأقل، إلا أنه لم يكتب لها الوقت حتى تأتي بالمردود المرجو منها. 

ومن الجهة الديمغرافية والإثنية، ثارت العرقيات المكونة للدولة العثمانية في كل مكان تحت ضغط الوضع الاقتصادي والمعيشي والحقوقي. تلك الثورات مدعومة تارة بشرعية مطالبها، ومدعومة تارة أخرى بالمصالح الأوروبية تطورت لتصبح ذات نزعة استقلالية، وتنجح تقريبًا كلها في الانسلاخ والاستقلال عن الدولة العثمانية. وتفشل الدولة فيما كان يسهل عليها القيام به من إدارة للأزمات ذات الطبيعة العرقية، وذهب التطور المجتمعي ممثلًا بتشكيلاته السياسية المختلفة بعيدًا لحد إفراز حركات قومية عنصرية في أكثر من رقعة في أراضي الدولة العثمانية.

أما من الجهة الجغرافية ففي خلال أعوام قليلة خسرت الدولة من الأراضي الكثير. اليونانيون حازوا استقلالهم بعد ثورة دامية على الدولة العثمانية، ومن ثم استقلت كل من صربيا ورومانيا وبلغاريا ومولدافيا والجبل الأسود عن الدولة، وخلال حرب البلقان خسرت الإمبراطورية العثمانية كل ما تبقى لها من أراض في القارة الأوروبية، ومن ثم خسرت مصر ومناطق من العراق، والحجاز وبلاد الشام قبل أن تقتصر على الرقعة الجغرافية التي تقوم عليها الجمهورية التركية الحديثة اليوم.

الطريق إلى سقوط عبد الحميد.. قراءة في جذور المشهد السياسي عشية خلع السلطان

كان هذا جزءًا من الصورة العامة لمشاكل الدولة التي دفعت المفكرين والسياسيين والنخبة المثقفة فيها منذ القرن السابع عشر لطرح السؤال الكبير حول ما الذي يمكن فعله لإنقاذ الإمبراطورية العثمانية من السقوط، فكانت الأفكار الأولى تحوم حول إعادة تنظيم وإصلاح وتحديث الجيش الذي لم يعد متفوقًا على نظرائه الأوروبيين، لينتقل التفكير في مرحلة ما إلى استخدام القيم الغربية في وجه الغرب، خصوصًا في مجالي الدبلوماسية والتعليم، وينتهي بطرح خيار فكرة إحداث تغيير في الفضاء القانوني من خلال تطعيم نظام الشريعة الإسلامية المعمول به في الدولة العثمانية بالقيم العلمانية الغربية. كانت هذه هي محاور الإصلاحات طيلة عصر التنظيمات العثماني المهموم بسؤال الحداثة والتطور. إلا أن أيًّا من تلك الحلول، لم يُفلح في تجنيب الدولة المصير الذي نعرفه اليوم.

هكذا ونتيجة لسؤال الحداثة المُلِح تبلورت مجموعة من التيارات الفكرية السياسية بدءًا من القرن التاسع عشر يبحث جميعها عن علاجٍ لمشكلة «رجل أوروبا المريض»، ولا بد للإشارة إلى أن جميع تلك التيارات قد تأثر وقتها، وإن بدرجات مختلفة، بمخرجات الثورة الفرنسية (1789 – 1799) والأفكار التي جاءت بها. إذ أسست لعصرٍ جديد من المفاهيم في العلاقات بين الدولة ومواطنيها. وكانت سببًا في ظهور النزعات الوطنية والاستقلالية التي بدأت تغزو أفكارها مناطق الأطراف في الدولة العثمانية مبكرًا، وكانت قد تطورت ونضجت بشكل كبير وقتما تسلم السلطان عبد الحميد الثاني الحكم.

جميعها افتتن بالنهوض الأوروبي التكنولوجي وحاول عبثًا إيجاد السبيل إلى ذلك.

في الوقت الذي كان السؤال الهويّاتي قد استقر نسبيًّا في القارة العجوز الناهضة حديثًا من خلال فكرة المواطنة في حدود الدولة الوطنية، كانت الدولة العثمانية حتى نهايات القرن التاسع عشر تنظم شؤون مواطنيها من خلال «النظام الملّي» الذي مكّن الأقليات والعرقيات المختلفة في الدولة من حفظ هويّاتها وإدارة شؤونها بنوع من الاستقلالية، ورغم التعدد العرقي، والشكل شبه الثيوقراطي في الدولة العثمانية منذ نشأتها، إلا أن أحدًا لم يتحدث مطلقاً حتى ذلك الوقت في معنى أن تكون تركيًا، أو عربيًا، أو كرديًا، أو سلافيًا، أو غيره حتى اندلاع الثورة اليونانية عام 1821 التي يمكن اعتبارها التبلور الحقيقي الأول في الأراضي العثمانية لمفاهيم الثورة الفرنسية.

لذا كان تيار «العثمنة – Pan-Ottomanism» أول التيارات السياسية ظهورًا إبّان بدعة الهويات القومية حينها، وقد حاول البحث عن هوية جديدة لمواجهة المشاعر القومية الانفصالية التي بدأت تشتعل في مناطق مختلفة من الدولة متعددة العرقيات والقوميات. عمل هذا التيار ومنتسبوه على خلق وعي بالعثمانية بوصفها هوية سياسية جامعة تستوعب بداخلها القوميات الأخرى. وكانت فكرته الأساسية تقوم على مبدأ «اتحاد العناصر»، أي أن كل ملّة (عرق أو قومية) هي عنصر متساو مع بقية العناصر المكوّنة للأمة العثمانية.

على ضوء ذلك، جادل هذا التيار أنه لا يمكن للدولة الاستمرار بالنظر إلى العناصر غير المسلمة فيها من خلال النظام الملّي القديم، وانتقد نتيجة له اقتصار مناصب الدولة الحساسة فقط على المسلمين، كما أنه جادل أن تشريع سياسات جديدة على أساس إسلامي أو وعرقي تفضيلي لن يفعل غير تعزيز النزعات الانفصالية، وتعميق الوعي في الاختلافات العرقية والقومية، وهو ما تحقق لاحقًا آخر أيام حكم السلطان عبد الحميد.

كان هذا التيار يريد استمرار الخليط البشري والثقافي الذي ميّز الدولة العثمانية وشكّلها تاريخيًّا، ودافع عن فكرة العثمانية، لأن الدولة لا تستطيع منح دولة وطنية لكل مجموعة عرقية فيها، وكان يأمل أن تؤدي فكرة «العثمانية» باعتبارها هوية سياسية جامعة إلى تحويل ولاء الناس للدولة بغض النظر عن أصولهم ودياناتهم أو خلفياتهم الثقافية بدلًا من ولائهم لعرقياتهم أو قومياتهم، وآمن أن حقن الدولة بمؤسسات أكثر ليبرالية، والمساواة في المواطنة أمام القانون، يمكن أن ينقذ الدولة من الانهيار السريع، ويحافظ على وحدتها لوقت أطول. 

من جهة أخرى، كان هناك تيار من الداعين للانفتاح «المشروط» على التجربة الأوروبية. فقد رفض قسم منهم «العثمانيون الشباب»، تنظيمات عامي 1839 و1856 التي أعطت حقوقًا كبيرة لأبناء القوميات المختلفة في الدولة، بحجة أنها تحفز الإمبريالية، وتفتح بابًا للعبث في مكونات الدولة الثقافية، ورأوا فيها «تقليدًا ثقافيًّا للغرب» أكثر منها محاولة جادة لحل المشاكل بصورةٍ جذرية، إلا أن هذا التيار الذي قاتل باستماتة من أجل دستورية حكم حقيقية تحد من صلاحيات السلطان من جهة، وتبني دولة قانون ومساواة لكل أبنائها من جهة أخرى لم يحالفه النجاح. فقد رفضت الأقليات القومية أفكاره بدافع من حسها القومي، ونزعتها الانفصالية التي كانت قد وصلت إلى حد لا يمكن معه التراجع عنه، كما تم رفض أفكارها من مسلمي الدولة العثمانية، الجناح التقليدي فيه على الأقل، بسبب رفض مساواتهم مع غيرهم في الدولة وأمام القانون. 

جاءت نتائج الحرب الروسية العثمانية (1877-1878) فادحة جرّاء الخسائر الجغرافية والبشرية الهائلة التي تكبدتها الإمبراطورية في البلقان. ومن ذلك التاريخ يمكن القول أن العنصر العربي المسلم تحديدًا بدأ يحوز اهتمامًا أكبر في الإمبراطورية، وأروقة الحكم. ومنذ ذلك الوقت بدأت فكرة «Pan-Islamism» أو تيار دعاة الوحدة الإسلامية، بمعنى إحلال الإسلام رابطًا يجمع شتات الدولة محل الهوية العثمانية، تنمو وتكبر باعتبارها تيّارًا فكريًا وسياسيًا.

الفكرة التي كانت مطروحة قبل تسلّم السلطان عبد الحميد الثاني الحكم بوقت طويل باعتبارها طريقة لمواجهة الغرب، لاقت في عهده اهتمامًا أكبر. فقد تبنّاها الرجل وذهب بها بعيدًا من مجرد فكرة إلى وضعها موضع التطبيق العملي بجعلها سياسة رسمية لمؤسسة الحكم في عهده، وكان الهدف منها هو تحقيق الوحدة السياسية للمتبقين ممن لا زالوا يعيشون في كنف الدولة العثمانية من خلال إعطائهم إحساسًا بهوية سياسية واجتماعية تقوم على الرابطة الدينية.

رأى أبناء هذا التيار أن الإسلام يمكن أن يشكّل درعًا واقيًا، وطرحًا مضادًا للأيدولوجيات القومية التي ظهرت في أوروبا وتفشت في الدولة، فمن جهة، بحسب أبناء هذا التيار، يمكن للرابطة الدينية مواجهة الإمبريالية الغربية التي أصبحت قوتها أكبر من أن تصدها الدولة العثمانية سياسيًا وعسكريًا وفكريًا، ويمكنها، من جهة أخرى، تخفيف حدّة النزعات الانفصالية عند بعض المشيخات العربية، والولاة المصريين ما يحفظ على الدولة وحدتها.

جادل أبناء هذه المدرسة أن الانفتاح على الغرب للنهوض بالدولة لا يجب أن يكون انفتاحًا من غير رقيب أو حسيب، فالمؤرخ والسياسي التركي العثماني شمس الدين كنالطاي، عضو جمعية الاتحاد والترقي، ورئيس الوزراء 1949-1950 لاحقًا، كان يقول «إن أوروبا تفكر فقط بنفسها، هدفها هو استغلال الدول الأخرى، علينا أن نأخذ منها ما يوقظنا وينهض بنا فقط» أي الجانب التكنولوجي والعلمي، ومثله الأديب والشاعر ومؤلف النشيد القومي التركي لاحقًا، محمد عاكف، كان يقول «إن بتقليد الغرب في عاداته وتقاليده، ولبسه وتحياته لا يمكن لمجتمع حقيقي أن يظهر ويعيش». لذا كان يؤثر عنه قوله أن «أوروبا قوية علميًا، وضعيفة أخلاقيًا».

هذا الجدل كان أساسيًا لظهور تيّار فكري سياسي ثالث حينها عرف باسم «Pan-Occidentalism» أو التيار التغريبي، وقد ظهر في الوقت الذي بدأت فيه الدولة العثمانية تخسر أمام القوى الأوروبية اقتصاديًا، وسياسيًا، وعسكريًا، ودعى لأجل تجنب انهيار الدولة على نفسها لتبني الحضارة الغربية تنكولوجيًا، وتعليميًا وتشريعيًا، فعبد الله جودت، أحد مؤسسي ومنظّري جمعية الاتحاد والترقي، ومن أبناء هذا التيّار كان يقول أنه «ليس هناك بديل حضاري، الحضارة تعني الحضارة الأوروبية»، وكان يدعو لقبولها كلًّا واحدًا بحلوها ومرّها. 

ولد انتصار اليابان على روسيا في معركة حصار ميناء أرثر عام 1905 جدلًا واسعًا بين التيارات الفكرية المختلفة في الدولة العثمانية حول سبب انتصار اليابان، ففي تلك المعركة ظهرت أغلب التقنيات المتطورة للأسلحة في ذلك الوقت، والتي استخدمت لاحقًا في الحرب العالمية الأولى، مثل مدافع الهاوتزر الخفيفة والثقيلة، ورشاش ماكسيم، الرشاش الآلي الأول في العالم، والأسلاك الشائكة، والأسوار الكهربائية، وكشافات المصابيح القوسية، واستخدام التشويش العسكري على الاتصالات للمرّة الأولى، والقنابل اليدوية وأساليب حرب الخنادق والألغام البحرية.

جادل التغريبيون المتشددون أن سبب انتصار اليابان كان في تبنيها لمخرجات الحضارة الغربية جملة وتفصيلًا، بينما جادل المعتدلون منهم، أن الانتصار كان بسبب الحفاظ على الهويّة اليابانية مع استخدام التكنولوجيا الغربية، هكذا ومنذ العام 1908 وما بعد، صار ينظر أبناء هذا التيار إلى أن الفشل في الأوربة والتغريب في الدولة العثمانية هو أساس مشكلة الأمة الحقيقي، وكان الطرح الذي تبنوه يقوم على أن التفوق الأوروبي غير قابل للنقاش بسبب اعتمادهم على العلوم، وبالتالي فمن غير المنطقي مواجهته.

لكن لم يكن جميع أبناء هذا التيار من أنصار فكرة أن التغريب والأوربة بهذه الصورة هو الطريق الوحيد لإنقاذ الإمبراطورية من الانهيار والتفكك. فالأديب والصحفي والسياسي جلال نوري جادل أنه يمكن نقل الحضارة التقنية من بلد إلى بلد، ولا يمكن بأي حال من الأحوال النجاح في نقل أصالتها ثقافيًا وحضاريًا، لذا أخذ على المصلحين والسياسيين العثمانيين خطأهم بخلطهم بين نوعي الحضارة، التقني والأصيل، ورأى أنه كان بإمكانهم الاكتفاء بنقل تقنية الغرب وعلومه، بدلًا من محاولة تقليده في مجالات كان الإسلام متفوقًا فيها بحسبه. 

ومع تقلّص الدولة جغرافيًا وبشريًا باتت التربة خصبة أكثر من أي وقت مضى لأخر التيّارات الفكرية السياسية ظهورًا فيما عرف باسم «Pan-Turkism» أو تيار «التتريك»، ونعني بذلك تيّار متبلور سياسيًا، إذ أنه فكرة تعود بدايات ظهوره إلى وقت ما بعد العام 1880 بين الأتراك المقيمين على تخوم أو أراضي الإمبراطورية الروسية نتيجة الاضطهاد والتضييق عليهم في مرحلة ما، وأخذ شكلًا أكثر نضجًا مع طلاب الدولة المبتعثين إلى الجامعات الأوروبية، التي كانت وقتها تدرس العنصر التركي من حيث أصله العرقي الأسيوي حتى قبل دخولهم الإسلام. وكانت تدرس الروابط اللغوية للشعوب التركية المختلفة.

لذا فعندما أطلق إسماعيل جاسبيرالي صحيفة «تركمان» في القرم للدعوة للوحدة بين المسلمين الروس «تتار الفولغا» والأتراك لمواجهة الاضطهاد الروسي لهم، جعل شعارها «وحدة في اللغة، والأفكار، والأفعال»، وركّز على تجهيز الأرضية الثقافية والاجتماعية لذلك المشروع، تاركًا الجانب السياسي لمن سيأتي بعده. هذه الدعوة على أساس هوية إسلامية تركية تحديدًا تتسع لمسلمي الفولجا -وهم شعوب شمال القوقاز الذين أسلموا مع وصول الفتوحات الإسلامية إليهم في القرنين السابع والثامن للميلاد- كانت قد لاقت استحسان مفكرين وسياسيين أتراك مثل المسلم الروسي التتري يوسف أقجورا، ومن دعاة الفكر القومي التركي لاحقًا.

فقد رأى الرجل عام 1904 في مقال له أن «الاتحاد فوق العرقي» الذي تريد الدولة تبنيّه غير واقعي، خصوصًا أن الدول الاستعمارية الأوروبية التي سيطرت على مناطق فيها مسلمين ستمنع هذه الوحدة ولن تسمح بها، لذا رأى أن على الأمة التركية أن تسعى لبناء هوية وطنية تركية، وعليه فإنها مطالبة بالتخلي عن البلقان وشرق أوروبا لصالح التركيز على آسيا الوسطى، حيث يتركز تواجد العرق التركي. تقوّى هذا الخط الفكري السياسي عام 1908، عام واحد قبل عزل السلطان عبد الحميد، مع صعود حركة الاتحاد والترقي وتبني أفكار أقجورا باعتبارها أيديولوجية موجهة له، وقد نجحت الحركة في الإطاحة بنظام السلطان عبد الحميد الثاني لاحقًا يوم 27 أبريل 1909. 

ازداد هذا الخط قوة على ضوء نتائج حرب البلقان (1912-1913). التي قلّصت جغرافية الإمبراطورية العثمانية، وقلّصت معها المكونات العرقية التي تنتمي إلى الدولة، كما مواردها الطبيعية، فقد خسر العثمانيون في حروب البلقان أكثر من 80% من أراضيهم الواقعة في القسم الأوروبي. ما أدّى إلى تدفق نحو مليونين ونصف المليون مسلم من الأراضي العثمانية السابقة إلى داخل ما تبقّى من الدولة العثمانية هربًا من لظى القوميات الأوروبية الصاعدة.

ربما يخفى على البعض، أنّ أيًا من تلك الأطراف السياسية لم يكن يدعو إلى هدم الخلافة باعتبارها نظام حكم حينها. وأن بعض مفكريه كان لهم آراء مغايرة للتيار العام حول دور الدين من الحياة الاجتماعية، ودوره في استنهاض الأمة للعمل، قبل أن يفعل ذلك أتاتورك. فالأدب السياسي المتبقي من تلك الفترة، يوضّح الحرص حتى عند أقطاب حركة الاتحاد والترقي الأوائل الأكثر عداوة للسلطان عبد الحميد الثاني فكريًا وسياسيًا مثل مراد بيه وأحمد رضا والأمير صباح الدين على مكتسبات الدولة العثمانية جغرافيًا وديمغرافيًا. كان هذا المعسكر باختصار يخشى السلطان عبد الحميد الثاني والتدخل الأجنبي الذي سيجلبه بسبب سياساته بحسبهم، على مستقبل الإمبراطورية، التي لم يكن لديهم مشكلة مع فكرتها، بقدر ما كان لديهم مشكلة مع آل عثمان ورغبة في خلافتهم على ذلك الإرث الكبير جغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا.

مراد بيه الذي كان محررًا لصحيفة «ميزان» التابعة لحركة الاتحاد والترقي في فرنسا كان يروّج لأفكار ليبرالية في المجتمع مع روح إسلامية قوية، قبل أن يختلف مع رفاق باريس ويقرّر العودة إلى إسطنبول عام 1897. ومثله أحمد رضا، محرر صحيفة «مشورت» في باريس كذلك، فقد أدت دعوته إلى حكومة مركزية قوية داخل الإمبراطورية العثمانية، واستبعاد النفوذ الأجنبي إلى انقسام كبير داخل المنفيين الشباب التركيين في مؤتمر باريس 1902. ولم يكن يرى أن الإسلام كان سببًا في إعاقة الدولة، بل أن السبب هو فساد حكامها المتأخرين وتراخيهم. وأدت آراؤه إلى صدامه مع الأمير صباح الدين الذي كان يفضل اللامركزية الإدارية (تفكيك للدولة) والمساعدة الأوروبية (انفتاح كامل على الحضارة الأوروبية) لتعزيز الإصلاح في الدولة.

أسس كل ذلك لواقع ما بعد الحرب العالمية الأولى في الدولة التي اقتصرت مع مصطفى كمال أتاتورك على أتراك هضبة الأناضول بصورتها التي نعرفها اليوم. فقد كانت فلسفة أتاتورك تقوم على إقامة دولة تركية لأتراك هضبة الأناضول ذات سيادة، وحديثة على النمط الأوروبي. فقام من هذا المنطلق بإلغاء السلطنة في الأول من نوفمبر 1922، ومن ثم ألغى الخلافة يوم الثالث من مارس 1924. قاطعًا بذلك مع حقبة امتدت لـ600 عام، ومعلنًا عن بدء حقبة جديدة.

هكذا مرّت الدولة العثمانية برحلة طويلة وشاقة من المنعرجات الفكرية السياسية خلال بحثها عن حل لأكثر أسئلتها إلحاحًا في الهوية والحداثة لتتمكن من النهوض. يختصر هذا سعي الأطراف المختلفة إلى هدف واحد من طرق مختلفة. فالسياسيون من معارضي السلطان عبد الحميد آنذاك مثل جمعية الاتحاد والترقي ومعسكر الدستوريين عمومًا وبعض القادة العسكريين، اختاروا سياسة التغيير من أعلى إلى أسفل طريقًا لعملهم السياسي في الإمبراطورية العثمانية بشكل واضح منذ أحداث الثالث من يوليو 1908. 

فقد طالب مجموعة من الضباط الأتراك بقيادة أحمد نيازي السلطان عبد الحميد إعادة تفعيل الدستور الذي كان قد تم تعطيله قبل قرابة الثلاثين عامًا، ليعلن السلطان عبد الحميد في 23 يوليو 1908 سريان الدستور مجددًا فيما عرف باسم المشروطية الثانية. وعقدت الانتخابات التي فازت فيها حركة الاتحاد والترقي وفرضت رؤيتها على المشهد السياسي برمته منذ تلك اللحظة، لكنها لم تتمكن من الحفاظ على الإمبراطورية التي ورثتها عن السلطان عبد الحميد الثاني لأكثر من 12 عامًا بعد عزله.

السلطان عبد الحميد وطريق الإمبراطورية الطويل نحو الانهيار

إذاً كان قدر الشاب الثلاثيني عبد الحميد الثاني بن السلطان عبد المجيد الأول أن يكون في آخر سلالة العثمانيين الذي حكموا لستة قرون من عام 1299 حتى عام 1922 على أراضٍ قدرّت مساحتها بأكثر من خمسة ملايين كم² ممتدة على ثلاث قارات في أقصى اتساع لها. ودخل تحت إدارتها المباشرة أكثر من 30 مليون إنسان من مختلف الجنسيات والثقافات والديانات في مراحل نشأتها وتطورها وسقوطها. إذ تسلم الحكم في أغسطس (آب) عام 1876 خلفًا لأخيه مراد الخامس الذي لم يستمر في الحكم سوى ثلاثة أشهر فقط.

تسلم الشاب عبد الحميد الثاني منظومة حكم بالية ومهترئة على عكس ما كانت عليه في بدايتها. ولسان حاله كما قال الملك الشاعر العربي امرؤ القيس حين جاءه الخبر بمقتل أبيه، وسقوط المسؤولية فجأة على كاهليه: «رحم الله أبي، ضيعني صغيرًا، وحملني دمه كبيرًا».

يشير المؤرخون الذين حاولوا الإجابة عن سؤال: لماذا استمرت الدولة العثمانية طويلاً؟ إلى أن قوة الدولة العثمانية، بعيدًا عن قصة نشأتها، كان في قوة مؤسسات الدولة وفاعليتها في تنظيم وإدارة شؤون الدولة، ومرونتها في الاستجابة للتحديات التي تواجهها. أشارت الباحثة في تاريخ مؤسسات الدولة العثمانية كارين باركي إلى مرونة الحكومات العثمانية في ما عرف بحقبة الثورات (1566-1683) في التعامل مع الاضطرابات التي حلت بالدولة العثمانية بعيد وفاة السلطان سليمان القانوني. 

استطاعت الدولة العثمانية استعادة النظام في المناطق المضطربة آنذاك بواسطة «التصرف المرن واستخدام قدراتها التفاوضية». عنت هذه المرونة والبراجماتية كما تشير الباحثة إحداث تعديلات في الأنظمة والقوانين والمؤسسات وتطبيقها بحسب الحاجة والظرف من قبل الدولة. فالعثمانيون لم يكونوا بحسب الباحثة مقيدين بنظام قانوني جاف، ولم تحكمهم العادات والتقاليد، ولم تؤثر في طريقة حكمهم السلوكيات العدائية النمطية في حالة الثورات بقمعها بالعنف والقتل في تلك الحقبة.

لذا فمن جهة، تمتع أسلاف السلطان عبد الحميد الثاني بدولة ذات اقتصاد قوي. إذ قدرت الأرقام الدخل السنوي العام للدولة العثمانية على سبيل المثال عام 1644 بحوالي 12 مليون ليرة ذهبية عثمانية، من اقتصاد تجاري متنوع قائم على التجارة الزراعية لمحاصيل مثل العنب والتبغ والقطن والحرير والملح والضرائب على الطوابع، ومكوس الملاحة البحرية والتجارة البرية. بينما وصلت ديون الدولة العثمانية الخارجية في عام 1874، أي قبل تسلم السلطان عبد الحميد الحكم بعامين، أكثر من نصف دخل الدولة العام، تحديدًا كانت الدولة العثمانية تدفع من دخلها السنوي العام ما نسبته 55% لتسديد ديونها الخارجية فقط نتيجةً لعجز اقتصادها الزراعي عن الوفاء بحاجاتها والتزاماتها المالية.

ومن جهة أخرى كانت مؤسسة الجيش لدى الدولة مؤسسة منضبطة ومتطورة، إذ شكّل الجيش الإنكشاري الذي كان الأحدث في وقته، والأكثر تسليحًا وانضباطًا بين أقرانه في العالم آنذاك الرافعة التي تخدم تطلعات الدولة التوسعية والأمنية. ففي ظل الدولة العثمانية كان ينشأ أفراد القوات الإنكشارية منذ الصغر حسب برنامج معين يربّوا فيه على الولاء للسلطان والدولة لا غير. 

كانت تتميز بالانضباط في المظهر، وبالقوة في الأداء، والاحتراف في القتال، صار الجيش الإنكشاري الذي كان عضد الدولة العثمانية ومرعب أوروبا وإمبراطوريتها ردحًا من الزمن، سيفًا مقلوبًا يتكأ السلاطين على نصله في أرض وعرة دوليًا وسياسيًا، لا ينفك أن يكون مصدر قلق للدولة، ومن عوامل إعاقة نهضتها، وأصبح الجيش بشكل عام مصدرًا دائمًا للتمرّد على السلاطين وعزلهم وقتلهم، حتى انتهى المطاف بضباط مؤسسة الجيش العثماني عزل السلطان عبد الحميد الثاني، وإعلان نهاية الخلافة، وإلغاء الإسلام بوصفه دينًا رسميًّا للدولة، وإعلان قيام الجمهورية التركية على أنقاض الإمبراطورية الشاسعة مترامية الأطراف.

كما أن الدولة العثمانية حتى وقت طويل، أحسنت إدارة التنوع الديمغرافي الواسع والإثني المتعدد على أراضيها. فهذا التنوع أمد الدولة العثمانية بخيرة العقول في الإدارة والسياسة والتنظيم والحرب والفن والأدب. فقد تعاقب على إدارة مكاتب الدولة ومؤسساتها وتسيير شؤونها عرب وكرد وترك وفرس وألبان وغيرهم في كل المجالات. حتى أن إحدى الحقب في الدولة العثمانية سميت باسم عصر كوبرلو، وهي إحدى العائلات الألبانية التي تولت الصدارة العظمى من عام 1656 حتى عام 1703 في الدولة العثمانية، وكان لها أثر ملموس في تحديث الدولة وتطويرها. 

إلا أن هذا التنوع قد تحول لكابوس للدولة العثمانية في مراحلها المتأخرة. وشكلّت العرقيات والأقليات والنزعة القومية الانفصالية حصان طروادة الذي امتطاه الأوروبيون إلى قلب نسيج الدولة الاجتماعي ومنه عملوا على نخرها من الداخل. وتكون نهاية حكم السلطان عبد الحميد الثاني، ومن بعده انهيار الدولة العثمانية بفتوى يستصدرها المجلس المللّي من المفتي الأعظم ويقوم أربعة من أعضاء المجلس؛ تركي وأرميني ومسيحي ويهودي بتبليغ السلطان قرار عزله، ونحر دولته أمام عينيه.

ما الذي حاول السلطان عبد الحميد فعله خلال 33 عامًا من الحكم؟

إذًا هكذا وجد السلطان عبد الحميد الثاني نفسه عشية تنصيبه أمام حقيقة أدركها مبكرًا أن هذه دولة لا يمكن حكمها بصورتها الحالية، فهي تحتاج لعمل كثير، وجهد شاق. فالشاب الثلاثيني الذي شهد اغتيال عمه السلطان عبد العزيز، ومن ثم تنصيب أخيه السلطان مراد وعزله في أقل من ثلاثة شهور بتهمة الجنون أحس بالبيئة السياسية المتوحشة حوله. لذا يعتبر المختصون أن السنة الأولى والنصف لم يكن له منها نصيب يذكر في الحكم، وانتظر حتى جاء الوقت المناسب ليتخذ خطوته الأولى. وكان ذلك في العام 1879 عندما أعلن وقف العمل بالدستور، وحل البرلمان، واستعادة كامل السلطة التنفيذية بعد خسارة الحرب الروسية التي كانت عكس إرادته في شهور حكمه الأولى.

اكتشف السلطان الشاب سريعًا مكامن الضعف في دولة أسلافه، التي تسلمها بعجز في الموازنة العامة، وخزينة فارغة، وديون متراكمة، واضطرابات شعبية في كل مكان تقريبًا، وفساد طاغٍ في مؤسسات الدولة، ولأن الديون كانت أم الشرور كلها، فإن أول قضية اهتم بها الرجل هي سدادها كلها عن بكرة أبيها حتى يحرر الاقتصاد العثماني من معيقاته ويصير أقدر على النهوض بنفسه، لتمويل مشاريع الخليفة التحديثية رويدًا رويدًا.

عبد الحميد الثاني: «السلطان البخيل؟»

أدرك السلطان عبد الحميد الذي ولد وتربى في عصر التنظيمات والإصلاحات العثمانية، أن خطأ أسلافه كان في استسهال مسألة الاستدانة الخارجية، التي تحولت مع الوقت إلى لجام بيد الدول الأوروبية لخنق اقتصاد الدولة العثمانية ومن ثم الإطاحة بها. وأدرك سريعًا أن الخطأ الثاني كان في استخدام تلك الديون والقروض لسداد ديون أخرى سابقة، بدلًا من محاولة استثمارها في مجالات مثل تطوير الرأسمال البشري بالتعليم والمعرفة الذي سيقود الدولة للوقف على قدميها من جديد دون الحاجة للمساعدة الخارجية.

على ضوء ذلك بدأت ملامح السياسة العامة للدولة في عهد السلطان عبد الحميد بالتشكّل، وكان عنوانها الأبرز، الاعتماد على الذات، والبناء من القاع، والتحديث في كل مجال. لكن بداية على الدولة أن تتخلص من عائق مهم، وهو مسألة الديون، فأصدر السلطان عبد الحميد الثاني مرسوم محرم القاسي 1881 للتخلص من عبء الديون مرة واحدة وللأبد. استطاع الرجل خلال 30 عامًا من تخليص الدولة العثمانية من جُلّ ديونها، إذ دخل في مفاوضات مع الدول الدائنة واستطاع تخفيض الدين إلى أقل من النصف (41%) وتخفيض الفائدة عليها إلى 1% كذلك، وتم وضع بعض موارد الدولة تحت تصرف لجنة ممثلة عن الدائنين وأصبحت الديون تسدد بانتظام حتى لم يبق إلا عُشر الديون في نهاية عهده. 

اعتمد السلطان على موارد الدولة الزراعية في التسديد، وعلى تضمين مواردها الطبيعية المهمة ورهن احتكارات الدولة في السداد دون أن يلجأ للاقتراض من البنوك والدول الأوروبية على شدة الحاجة، وقسوة الوضع المالي للإمبراطورية العثمانية. لذا تندرت عليه الصحافة الغربية بوصفه «السلطان البخيل»، لأنه لا يقترض. بالموازاة مع ذلك أطلق السلطان عبد الحميد الثاني سلسلة إصلاحات على المستوى الاقتصادي والضريبي حتى يتخلص من الفوضى المالية الداخلية قدر المستطاع، وبالتالي يركن إلى سلامة هذا الجانب ليتفرغ لغيره من القضايا. 

الجورنالجية الحميدية.. جهاز المخابرات

على مستوى السياسة الخارجية كانت الدولة العثمانية تسير في حقل ألغام من العلاقات السياسية. فالكل متربص برجل أوروبا المريض، وصار يكثر الحديث عن تقسيم التركة العثمانية على مسامع السلطان عبد الحميد الثاني. وعانت الدولة العثمانية من لعبة تبادل الكراسي الدولية بين حلفائها وأعدائها على حساب مصالحها. لذا لم يجد السلطان من أحد في المجتمع الدولي يثق به غير الألمان على حساب الإنجليز والفرنسيين.

وحاول تفعيل الجامعة الإسلامية ولقب الخلافة أيضًا في وجه جيرانه وتدخلاتهم في شؤون دولته. خصوصًا بعد أن بدأت القوى الأوروبية تشجع المكون المسيحي في الدولة العثمانية على المطالبة بالاستقلال وتدعمها، وأخذت في الأطراف تغذي أحلام أبناء المكون العربي في الاستقلال والازدهار بالثورة والانفصال عن الدولة العثمانية، ناهيك عن سيطرة تلك القوى المباشرة على بعض أراضي الدولة العثمانية. 

إلى جانب ذلك لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية، أنشأ السلطان عبد الحميد الثاني جهاز «الجورنالجية» أو المخابرات ليعمل مباشرة تحت إمرته في قصر يلدز. وقد ذكر السلطان في مذكراته أنه أسس هذا الجهاز بعد اكتشافه خيانة بعض رجالات الدولة إذ يقول: «نعم أنا أسست جهاز الجورنالجية، وأنا أدرته، بعد أن رأيت الصدور العظام (رؤساء الوزراء) يرتشون من الدول الأجنبية، مقابل هدم دولتهم والتآمر على سلطانهم، أسست هذا الجهاز لا ليكون أداة ضد المواطن، ولكن لكي يعرف ويتعقب هؤلاء الذين خانوا دولتي في الوقت الذي كانوا يتسلمون فيه رواتبهم من خزانتها، وفي الوقت الذي كانت النعمة العثمانية تملؤهم حتى حلوقهم».

وفي سبيل تطهير البيئة السياسية الداخلية من المتعاونين مع القوى الأوروبية على مختلف رتبهم، حسّن السلطان عبد الحميد فكرة جده السلطان محمود الثاني الذي ضم دراويش الطرق الصوفية إلى جهاز الاستخبارات، بأن أنشأ قسمًا خاصًّا عرف بقسم «المجذوبين» كانت مهمته مراقبة مفتعلي الجرائم، والحرائق والانفجارات في العاصمة بأمر من بعض العواصم الأوروبية والمنتفعين من وضع الدولة العثمانية الضعيف. لكن ليس هذا فقط بل كان الهدف من جهاز الاستخبارات كما ذكر السلطان عبد الحميد في مذكراته هو نقل أساليب التقدم الأوروبي والعمل سريعًا على تعلم ما وصلوا إليه. 

سلطان المعرفة.. طريق عبد الحميد لتحرير الإمبراطورية

«إن من واجبنا الاهتمام بتثقيف عقول شعوبنا، مع التأكيد على أن الأمم الأوروبية حازت على الازدهار الذي تنعم به بسبب التعليم العام… فإننا أصدرنا مرسومًا بإنشاء المدارس لكي تصبح فيها الثقافة والتربية في متناول الجميع، ولإنجاز هذا البرنامج في أقصر مدة ممكنة، فإننا نتمنى أن تزيد الاعتمادات المخصصة للتعليم العام، وأنه من الأهمية بمكان إيجاد مدارس مختلطة في المقاطعات التي يعيش فيها المسيحيون والمسلمون، وهذه الوسيلة تمكنهم من التعارف ومن تقدير بعضهم لبعض، وبعد ذلك تصبح لهم صداقات معقودة على مقاعد الدراسة صامدة أمام كل متاعب الحياة». *من خطاب السلطان عبد الحميد الثاني الافتتاحي لمجلس المبعوثان عام 1876 

تشي كلمات السلطان بالكثير عن تصوره للقضايا التي تعاني منها دولته، كما تشي برؤيته للحل. ولو قدر له العيش اليوم، لكان ليعبر عن أفكاره من خلال نظرية المدرسة الاقتصادية المؤسسية، أو نظرية النمو الحديثة التي تؤمن أن الاستثمار في الموارد البشرية هو مفتاح بوابة ازدهار الأمم، والطريق الأمثل لمراكمة الثروات. 

دلت تجربة السلطان عبد الحميد في الحكم على وعيه الدقيق لكلماته، فمن جهة أنشأ المدارس والمعاهد والكليات والجامعات في كافة المجالات حتى ينهض بمستوى المعرفة عند مواطني الدولة. ومن جهة أخرى أنشأ معاهد التدريب لموظفي الدولة حتى يحسن من أداء الجهاز الإداري، وسن القوانين التي تساوي بين مواطني الدولة أمام القانون، وأولى الرجل اهتمامًا حتى في الرياضة، فأهم نوادي الدرجة الأولى لكرة القدم في تركيا اليوم كانت قد تأسست في عهده مثل أندية فينيرباخشه، وجالطة سراي إلى جانب نادي بشكتاش.

وعلى المستوى الإداري ومؤسسات الدولة أحدث السلطان عبد الحميد تغييرات على الهيكل الإداري للمقاطعات بربطها بالباب العالي من جهة، وعمل على إشراك السكان المحليين في مناطقهم في تحمل مسؤولية الإدارة حتى يتخلص من الفساد، ولتفعيل الدور الإداري طور السلطان البريد وأدخل التلغراف إلى كل أطراف الدولة حتى يسرع عملية التواصل، وشق الطرقات وحسن القائم منها، ومد الترامات الكهربائية والسكك الحديدية حتى يربط أجزاء الدولة المتهالكة مع بعضها، ويحسن من مقدرة الدفاع العسكري عنها، وينشط التجارة الداخلية بين مقاطعاتها. 

أقدم السلطان عبد الحميد على خطوات هامة في مجالات التعليم والإسكان والزراعة، فقد ارتفع عدد المدارس بمراحلها المختلفة بشكل كبير، وارتفع عدد دور المعلمين لإعداد المدرسين وتدريبهم إلى 32 بين أعوام 1876 و1908. كما افتتح العديد من المعاهد العليا لتخريج الكوادر المؤهلة في مجالات الزراعة والمالية والقانون والطب البيطري والتجارة وغيرها، وبفضل هذه السياسة انتشر التعليم الابتدائي والمتوسط وفق النظام الأوروبي في الإمبراطورية تحت إشراف الدولة. كما حرص السلطان على تطوير القطاع الصحي والمساعدات الاجتماعية؛ حيث شهد عهده بناء مدرسة «حيدر باشا» الطبية، ومشفى الأطفال في حي شيشلي بإسطنبول الذي بناه من ماله الخاص، ودار العجزة الذي تكفل بجزء من تكاليفه، وانتشرت من ناحية أخرى في عهده غرف الزراعة والتجارة والصناعة في أرجاء الإمبراطورية.

ليس كل من سار على الدرب وصل

حاول استهلالنا للتقرير إثارة نقطة أن من درسوا تاريخ الدولة العثمانية أقرّوا أن قوة مؤسساتها بمقاييس عصرها كان أحد أهم أسباب ديمومتها وقوتها، وحاولنا نحن إلى حد الآن أن نظهر أن مقتل الدولة العثمانية كان في صميم أسباب قوتها. فما كان بالأمس سبب القوة، صار في نهاية الدولة، وبصورة تجلت في فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني على أشد ما يكون، سبب ضعف الدولة والطريق المُعَبَّد إلى نهايتها.

جاء السلطان عبد الحميد إلى الحكم في وقت كان قد اتسع الرَّتقُ فيه على الراتق، وجاء ببرنامج عمل كان ليكون قبلة حقيقية لإحياء الدولة العثمانية لو أنه تقدم على وقته 150 عام على الأقل. يمكننا أن نزعم أن السلطان عبد الحميد الثاني في تجربته في الحكم قد أمدّ في عمر الدولة 33 عامًا وحال دون سقوطها برغم الظروف غير المؤاتية، بينما لم يستطع خصومه المحافظة على ما تركه لهم أكثر من 12 عامًا كان لهم فيها الحكم المطلق داخليًا. إذ أن الرجل قد رأى فوعى مشاكل الدولة العثمانية في وقته، ومن ثم مشى في طريق إصلاحها، إلا أن ليس كل سائر في الطريق لا محالة سيصل. فذلك في المقام الأول يعتمد على حال السائر وقدرته واستعداده للسير، ويعتمد على الطريق ومشاقها وعوائقها في المقام الثاني، وعلى ظروف السفر الحادثة التي ليس للإنسان عليها سلطان في المقام الأخير. 

بالرغم من أن السلطان عبد الحميد الثاني استطاع تحديد مشاكل دولته بدقة على الجبهة الداخلية، وبنفس المهارة حدد تلك الخارجية الأكثر إلحاحًا، ومن ثمّ وفّق باتخاذ الإجراءات الصحيحة لمعالجتها إلا أن التوفيق لم يحالفه في منع تفكك إمبراطورية جده عثمان الأول والسلاطين العظماء بعده. الدولة العثمانية وبالرغم من نزعها جزء كبير من خنجر الديون من خاصرتها الاقتصادية، إلا أنها لم تتوفر على الوقت المناسب لتدخل في مرحلة النمو الاقتصادي الذي يسمح لها بمراكمة الثروة، أو على الأقل البدء بتنشيط الاقتصاد ذاتيًّا بعد شبه الخروج من الديون الخارجية.

ولم تساعده قُبلة الإصلاحات الإدارية والتنظيمية التي أعطاها للنهوض بمستوى الجهاز الإداري للدولة وموظفيها، على بث الحياة في مؤسسات الدولة فتنهض ذاتيًا. لم تسعف الدولة العثمانية شبكة المواصلات من سكك الحديد التي وصلت حتى الحجاز وبغداد، وخطوط التلغراف التي وصلت حتى مدينة البصرة في الجنوب العراقي، والترامات الكهربائية التي زينت مدن الشام، وتحسين خدمة البريد بهدف ربط مقاطعات الدولة جغرافيًا، من رتق الشرخ في النسيج المجتمعي روحيًا وثقافيًا.

بل وجدت الدولة نفسها جثة عاجزة عن النهوض في وسط حقل تلتهمه نيران القومية، لا تنطفئ بؤرة انفصالية حتى تشتعل أخرى مكانها. لم تساعد الثورة الطبية والتعليمية التي أحدثتها الدولة ببناء المستشفيات والجامعات والمعاهد العلمية الطبية والمختبرات ودور الرعاية الصحية والمدارس، أن تمنع الإنسان من عدوى النزعات الوطنية والقومية، والتي تسببت في دخول الدولة في حالة انكماش جغرافي رهيب بخسارتها مقاطعاتها واحدة تلو الأخرى في وقت قصير، والدولة تراقب كل ذلك عاجزة.

لكن ربما إن كان هناك درسًا تعلّمه تجربة العثمانية في الحكم، فهو أن الحكّام عليهم أن يفكروا في تبعات سياساتهم على مستقبل شعوبهم وأوطانهم لمئة عام في المستقبل، وأن يحافظوا على ما ورثوه من الأجيال السابقة بتنميته وإدارته على مبدأ زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد