نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا لمديرة مكتبها في أفغانستان وباكستان، سوزانا جورج، تناولت فيه مباحثات السلام بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية في العاصمة القطرية الدوحة، والتي دخلت مرحلة الحسم للتوصل إلى تسوية سياسية في البلاد والاتفاق على وقف شامل ودائم لإطلاق النار، متوقعة أنها ستكون أكثر تعقيدًا من مباحثات الولايات المتحدة وطالبان. 

استهلت الكاتبة تقريرها بالقول: بدأت الحكومة الأفغانية وحركة طالبان محادثات سلام تاريخية تهدف إلى وضع أوزار الحرب التي دامت لعقود في البلاد؛ إذ التقى الطرفان يوم السبت لإطلاق مباحثات يُتوقع أن تكون أكثر تعقيدًا من تلك المفاوضات التي أُجريت بين طالبان والولايات المتحدة، وامتدت لأكثر من عام.

دولي

منذ 6 شهور
مترجم: ما تحتاج لمعرفته عن اتفاق السلام بين أمريكا وطالبان.. وماذا بعده؟

أوضحت الكاتبة أن هذه المحادثات بين الطرفين، والتي تُعد الأولى على الإطلاق، تأتي بعد شهور من التأجيل والضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على الجانبين. كما أن التوصل إلى اتفاق بين الطرفين الأفغانييَّن هو شرط أساسي لنجاح اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وطالبان، والذي ينص على الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من البلاد. ويلفت التقرير إلى حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تعهد خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحرب في أفغانستان، على إحراز تقدم هناك قُبيل إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني).

1- من هم المشاركون في المحادثات؟

وتُبين الكاتبة أن أحد أكثر المخاوف التي تخيم بظلالها على المفاوضات هو الافتقار النسبي للانسجام داخل الفريق الذي يُمثِّل الحكومة الأفغانية والمجتمع المدني والمؤسسات الدينية، بعكس فريق حركة طالبان التفاوضي. إذ يتكون الفريق المُمثل للحكومة الأفغانية، تحت قيادة رئيس المخابرات الأفغانية السابق، معصوم ستانيكزاي، من شخصيات ذات مشارب متعددة لم يبدأوا العمل سويًا إلا مؤخرًا، بعضهم من المسؤولين الحكوميين، وبعضهم أعضاء في الأحزاب السياسية المتنافسة وعدد منهم من ممثلي التيارات الدينية، وأغلبهم ينتمون إلى المجتمع المدني. كما يضم الفريق الحكومي أربع سيدات من بينهن البرلمانية الأفغانية فوزية كوفي التي نجت من محاولة اغتيال في الشهر الماضي.

وتابعت الكاتبة قائلة: أما فريق طالبان فمعظمهم يعملون معًا منذ أكثر من عام في المفاوضات مع الولايات المتحدة. ويخضع الفريق لقيادة جديدة برئاسة رئيس القضاة في حركة طالبان، عبد الحكيم إسحق زاي، ولكن لا يوجد تنوع سياسي أو ديني واضح بين أعضائه. ومن المتوقع أن يمنح هذا الانسجام النسبي والخبرة الأوفر أفضلية لممثلي حركة طالبان في المفاوضات.

2- كيف سارت الاجتماعات التحضيرية للمفاوضات؟

ولفتت الكاتبة إلى أن المسؤولين من الجانبين وصفوا لقاءهم الأول يوم السبت بأنه كان تسوده الأجواء الوُدِّية. لكنهم كانوا يتناولون التجهيزات، ولم يتطرقوا إلى جوهر ما يتطلبه الأمر لإرساء السلام في أفغانستان. والأمر نفسه ينطبق على اجتماع يوم الأحد للمتابعة. واتفق الجانبان في الاجتماعات التحضيرية على تشكيل فرق أصغر، يُتوقع أن تعقد اجتماعات متكررة، وعلى كيفية التواصل فيما بينهم.

Embed from Getty Images

(من اليمين) مؤسس مشارك لحركة طالبان يصافح المبعوث الأمريكي الخاص لأفغانستان. الدوحة – فبراير (شباط) 2020 

وفي هذا الصدد صرح المبعوث الأمريكي الخاص لأفغانستان، زلماي خليل زاد، للصحافيين يوم السبت قائلًا: «سمعت أشياءً إيجابية عن الاجتماع الأول بين الجانبين». وأشار إلى عدد من وجهات النظر المشتركة بين الجانبين: مثل أهمية سيادة الدولة واستقلالها، ورغبتهم في العيش في ظل دولة إسلامية.

وألمحت الكاتبة إلى أن الجانبين طلبا الاجتماع دون حضور أي من مسؤولي الولايات المتحدة، أو أي دولة أخرى، وهو القرار الذي أيده خليل زاد، لكنه استدرك قائلًا: «إن الولايات المتحدة ستبقى على استعداد لتقديم المساعدة، وستكون جاهزة لمد يد العون عند الحاجة إليها».

3- ما هي القضايا التي سيكون حلها أكثر صعوبة؟

تقول الكاتبة: «إن نقاط الخلاف التي يتوقع أن تكون أكثر صعوبة خلال المفاوضات هي حقوق المرأة والحريات المدنية وتعزيز الديمقراطية وتشكيل قوات الأمن في البلاد».

وأضافت أن الجانبين لديهما تصورات ورؤى تختلف اختلافًا جذريًا لأفغانستان ما بعد الحرب، إذ تعارض طالبان عقد أي انتخابات في البلاد، وتسعى، بدلًا عن ذلك، إلى إقامة دولة يحكمها تفسير صارم للشريعة الإسلامية، على حد وصف تقرير «واشنطن بوست». بينما تريد الحكومة ومنظمات المجتمع المدني المحافظة على الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات المدنية في البلاد.

صحيحٌ أن قادة طالبان أعربوا عن دعمهم لتفسيرات حقوق الإنسان وحقوق المرأة التي لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، إلا أن هذا يترك مساحة فضفاضة للتأويل. ووقع اختيار طالبان، قبل أيام من بدء المحادثات، على رئيس القضاة عبد الحكيم، المعروف بمعرفته العميقة بالشريعة والفقه الإسلامي. 

كما أومأ المسؤول السياسي الأبرز في حركة طالبان، عبد الغني بارادار، برأسه موافقًا على المساواة في الحقوق خلال كلمته الافتتاحية التي ألقاها في الاجتماع التحضيري يوم السبت، قائلًا: «إن الحركة تريد أفغانستان دولة ينعم فيها جميع الشعب الأفغاني بالسلام والوئام، ولا يشعرون بأي تمييز».

وبحسب الكاتبة، نبه كل من الرئيس الأفغاني أشرف غني ومنافسه عبد الله عبد الله، رئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية الأفغانية، إلى أن المواطنين الأفغان الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة قد يتعين عليهم تقديم بعض التضحيات مع تقدم مباحثات السلام. لكن عبد الله أخبر صحيفة واشنطن بوست قائلًا: «بالنسبة لي أنا شخص واحد ولي رأي واحد – ولا أُسمي أي شيء بالخط الأحمر الذي لا ينبغي تجاوزه – لكن هذا أمر بالغ الأهمية… والتنازلات بشأن هذه الأمور لن تُحقق لنا السلام».

4- ما هو وضع النزاع المسلح بين الجانبين؟

أضافت الكاتبة: في البداية، طالب مسؤولو الحكومة الأفغانية بوقف إطلاق النار قبل أن يبدأوا المحادثات مع طالبان، لكن اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان لم يشترط الحد من وتيرة العنف. وزادت الهجمات في الأشهر الأخيرة، في المناطق التي يشتد فيها النزاع، واستمرت حتى مع اجتماع الجانبين في الدوحة للتحضير للمفاوضات.

Embed from Getty Images

ملا عبد الغني بارادار أحد مؤسسي حركة طالبان يغادر بعد توقيع الاتفاق مع أمريكا. الدوحة – فبراير (شباط) 2020 

وبحسب وزارة الدفاع الأفغانية، قُتل العشرات من مقاتلي حركة طالبان على أيدي قوات الأمن الأفغانية في محافظات قندهار، وننجارهار، وزابول، وبغلان، مساء الجمعة قبل ساعات من بدء المحادثات، بل واستمرت أعمال العنف بعد بدء محادثات السلام، إذ أفاد مسؤولون أفغانيون بمقتل خمسة من ضباط الشرطة الأفغانية، وإصابة أربعة آخرين مساء السبت في مدينة قندوز. كما لقي خمسة من ضباط الشرطة مصرعهم، وأُصيب سبعة آخرون من القوات الموالية للحكومة في محافظة كابيسا الأفغانية.

5- ماذا سيحدث بعد ذلك؟

تتوقع الكاتبة أن تصبح المفاوضات أكثر تعقيدًا؛ إذ يتعين أن يتوافق فريقا التفاوض على القضايا التي ستُناقش، وترتيبها من حيث الأولوية. ويتضح من تصريحات طالبان والحكومة أن الجانبين لديهما بالفعل توقعات متباينة إلى حد كبير بشأن المفاوضات. فبينما أعطت الحكومة الأفغانية الأولوية في المباحثات لوقف إطلاق النار، فإن طالبان تقول إنها لن توافق على وقف إطلاق النار إلا بعد التوصل إلى تسوية سياسية، أي في نهاية المفاوضات. 

ورجَّحت الكاتبة أن يكون التوافق على خفض وتيرة العنف لفترة هو أحد التسويات المطروحة، وربما يكون هناك حل وسط آخر هو وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية للسماح بالتوصيل الآمن للسلع الأساسية وتوفير الخدمات.

وترى الكاتبة في ختام تقريرها أن العمل المنتظر إنجازه في هذه المفاوضات ضخم. إذ فشلت المحادثات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان مرات عديدة قبل أن تُكلَّل بالنجاح في نهاية الأمر. لكن هذه المحادثات التي ستُجرى بين أعداء منذ مدة طويلة يسعون للتوافق على كيفية العيش سويًا ستكون أكثر تعقيدًا من تلك التي كانت بين الولايات المتحدة وطالبان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد