نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية مقالًا للكاتب والصحافي والاقتصادي لويل هوتون خلص فيه إلى نتيجة ربما تتناقض مع تصورات الكثيرين، وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست بأرض الأحرار، مشيرًا إلى أزمة الاقتصاد الأمريكي المتنامية على النقيض من أوروبا المزدهرة والمبدعة في الآونة الأخيرة.

يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة لندن لحضور قمة «الناتو» السنوية. وعلى الرغم من تفاخره بمكانة القوة العظمى وبهارجها، إلا أنه مبعوث بلدٍ يعاني اقتصاده ومجتمعه من صعوبات متزايدة، وتواجه قيادته العالمية تحديات ليس فقط من الجهة المشتبه بها في العادة: الصين، ولكن من أوروبا كلها.

لافتًا إلى أن «بريطانيا على وشك الانفصال عن اقتصاد قاري بدأ في تصحيح أموره، والإلقاء بنفسها في أحضان اقتصاد بدأ يفشل فشلًا ملموسًا».

مترجم: 8 خبراء يجيبون.. هل يعد الاتحاد الأوروبي ناجحًا أم فاشلًا؟

بريطانيا على وشك ارتكاب خطأ فادح

ويتابع الكاتب أن «هذه ليست هي الحكمة التقليدية. والاتحاد الأوروبي يتسم بالصلابة، وليس بالديناميكية، وتخنقه البيروقراطية شبه الاشتراكية، ويعادي شركات ناشئة متمردة. كما أن الاتحاد الأوروبي متدهور لدرجة أنه لا يمكن أن يدافع عن نفسه؛ كما سيُذكِّر ترامب بلا شك قادته خلال اليومين المقبلين. والولايات المتحدة على العكس من ذلك».

وتمثل اتفاقية التجارة الحرة التي جرى توقيعها مع الولايات المتحدة بعد 31 يناير (كانون الثاني) هدف السياسة الإستراتيجية الأساسي بالنسبة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ تحرير المملكة المتحدة من قيود الوضع القديم المتدهور، وتبني الوضع الديناميكي الجديد، وهو الوضع الأفضل للرئيس ترامب.

يستدرك الكاتب موضحًا أن العكس هو الصحيح، بحسب أحدث الأبحاث، وأن بريطانيا على وشك ارتكاب خطأ فادح.

في كتابه «The Great Reversal» الذي نُشر مؤخرًا، صعَّد كبير الاقتصاديين توماس فيليبون، من جامعة نيويورك وعضو اللجنة الاستشارية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وتيرة هجوم ماحق على الحكمة التقليدية، التي جسدها بإتقان بوريس جونسون الأخرق.

وتشير الأنباء إلى أن دخل الفرد في الاتحاد الأوروبي خلال العشرين سنة الماضية قد نما بنسبة 25%، بينما نما في الولايات المتحدة بنسبة 21%، وهناك تباطؤ في معدل النمو في الولايات المتحدة بينما ظل ثابتًا في أوروبا؛ وقد تسارع بالفعل في بعض دول أوروبا. ما الذي يجري إذًا؟ يتساءل الكاتب.

«العملية الاحتكارية» تلخص كل شيء

يرد توماس فيليبون بإجابة بسيطة، وهو الخبير الاقتصادي فرنسي وأستاذ المالية في كلية ليونارد إن ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك.

بحسب فيليبون، أصبح الاقتصاد الأمريكي متضررًا على نحو متزايد من التنافسية التي وصلت أقل مستوياتها؛ بسبب سيطرة عدد أقل من الشركات على قطاع بعد آخر، من شركات الطيران إلى الهواتف المحمولة.

قوة السوق هي المفهوم الأكثر أهمية في الاقتصاد، كما يقول فيليبون، فعندما تهيمن الشركات على قطاع ما، فإنها تستثمر وتبتكر على نحو أقل، وتُثبِّت الأسعار أو ترفعها، وتحقق أرباحًا تفوق المعتاد عن طريق وجودها فقط (ما يسميه الاقتصاديون «الريع الاقتصادي»).

لذلك تبلغ فواتير الهاتف المحمول في الولايات المتحدة في المتوسط ​​100 دولار أمريكي في الشهر، أي ضعف قيمتها في فرنسا وألمانيا، والأمر ذاته ينطبق على الاتصال بتقنية النطاق العريض (Broadband)، وكذلك تبلغ أرباح كل ميل يقطعه المسافرون لدى شركات الطيران في الولايات المتحدة ضعف الأرباح في أوروبا.

الرعاية الصحية في الولايات المتحدة باهظة التكاليف؛ إذ تضع شركات الأدوية أسعارا أعلى بواقع مرتين أو أكثر من مثيلاتها في أوروبا؛ وتبلغ نسبة الإنفاق الصحي 18% من الناتج المحلي الإجمالي. وسُمِح لشركة «جوجل» و«أمازون» و«فيسبوك» بأن تصبح شركات احتكارية هائلة، واستطاعت بذلك شراء منافسين أصغر بدون أي عراقيل.

يعلق الكاتب بأن هذه «العملية الاحتكارية» تلخص كل شيء. فالاستثمار في الولايات المتحدة يتراجع منذ 20 عامًا، ونظرًا لأن الأسعار لا تزال مرتفعة، فإن الأجور لا تشتري إلا القليل من اللوازم، ولذلك تتعرض أنماط حياة العاملين، ما لم يقترضوا، للضغط بينما يتقاضى أصحاب المناصب العليا رواتب أعلى ويظلون في مَنَعَة. ويتزايد التفاوت الاقتصادي ليصل مستويات لا تحتمل، كما أن متوسط ​​العمر المتوقع ينخفض ​​الآن في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

لكن لماذا يحدث هذا الآن؟ يمتلك فيليبون إجابة مميتة: «تبلغ تكلفة حملة سياسية أمريكية واحدة 50 ضعف تكلفة حملة مماثلة في أوروبا، وذلك من جهة الأموال التي تُنفَق على كل صوت يجري الإدلاء به.

لكن هذا لا يشوه العملية السياسية فقط، بحسب فيليبون، بل يعتبر السبب الرئيس للأزمة الاقتصادية الأمريكية؛ إذ تريد الشركات الحصول على عائدات من أموالها، والاسترداد يمثل حماية من أي نوع من اللوائح أو التحقيقات أو سياسة مكافحة الاحتكار التي قد تضرب قوتها السوقية المتنامية باستمرار.

على سبيل المثال، أكدت شركة بوينج – أحد أكبر جماعات الضغط في الولايات المتحدة – أن اللوائح كانت مناسبة لخططها الرامية إلى تضمين محركات أثقل وزنًا في طائرة غير مصممة لذلك؛ وهذا الطريق المختصر المميت كان السبب وراء حادثتي تحطم الطائرة «737 ماكس 8».

ويوضح فيليبون أن هذا أمر منظم؛ كيف أن حملات التبرعات في الحملات الانتخابية على المستوى الفيدرالي وعلى مستوى الولايات مرتبطة بتدابير أقل من أي وقت مضى ضد الاحتكار وتحديد الأسعار والسلوك المؤسسي السيِّئ.

الرهان على أوروبا وليس الولايات المتحدة

ويوضح الكاتب أن العكس هو الصحيح في أوروبا. فمن الصعب أكثر على الشركات عقد صفقات مع أجهزة رقابية ودودة، وتتمتع سلطات المنافسة في الاتحاد الأوروبي باستقلال سياسي أكبر بكثير من تلك الموجودة في الولايات المتحدة؛ لاِحظ الغرامات غير العادية المفروضة على شركة «جوجل» أو رفض السماح في فبراير (شباط) الماضي لشركة «سيمنز» بالاندماج مع شركة «ألستوم» الفرنسية العملاقة.

أعلام الاتحاد الأوروبي

نتيجةً لذلك فإن أوروبا، على الرغم من وجود واحد أو اثنين من المتخلفين عن الركب مثل إيطاليا، هي التي تطور بعض الأسواق التنافسية شيئًا فشيئًا، وتقدم مزيدًا من الابتكار وتحديًّا أكبر لشاغلي الوظائف، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التعليم والإنفاق الاجتماعي المهم جدًّا لحياة الناس العاديين.

وقد أصبح الآن تأسيس شركات تجارية ناشئة أكثر سهولة. وتؤسس فرنسا العديد من الشركات الناشئة عالية التقنية، مع انخفاض معدل البطالة. وتنافس الآن أجزاء من باريس، أو برشلونة، أو أمستردام، أو حتى ميلانو، منطقة خليج سان فرانسيسكو.

ويُنظر إلى لوائح الاتحاد الأوروبي نظرةً أفضل، ولذلك أصبحت هذه اللوائح هي التي تحدد المعايير العالمية في صناعة بعد أخرى. وأصبحت هياكل حوكمة الشركات أفضل.

وفي الأسبوع الماضي لاستكمال الصورة قالت كريستين لاجارد، الرئيسة القادمة للبنك المركزي الأوروبي، في أهم بيان صدر هذا العام: «إن البيئة ستكون في قلب السياسة النقدية الأوروبية». وبعبارة أخرى: «يتعهد البنك المركزي الأوروبي بضمان ثورة خضراء بمليارات اليوروهات». وباختصار: «الرهان على أوروبا، وليس الولايات المتحدة».

خط أكبر من المتصور

ويذكر الكاتب بأن جيريمي كوربين، الذي بحوزته وثائق مسربة توضح كيف يريد المفاوضون التجاريون الأمريكيون رفع أسعار الأدوية في المملكة المتحدة إلى مستويات الأسعار في الولايات المتحدة، تساوره الشكوك في حدوث شيء أكبر بكثير من التهديد الذي تتعرض له هيئة الخدمات الصحية الوطنية، رغم أنه تهديد قاتل.

ويوضح الكاتب أن «أي صفقة تجارية مع الولايات المتحدة سوف تتطلب من المملكة المتحدة أن تقبل قواعد الحماية التي تجعل الرأسمالية الأمريكية شديدة الصلابة ومفترسة وذات أسعار مرتفعة، بينما تنأى بنفسها عن الرأسمالية الأوروبية، التي لا تتفوق على القيم الأمريكية فحسب، بل تعكس أيضًا قيمنا على نحو أفضل بكثير».

ويختم الكاتب المقال بقوله: إن «هذه الانتخابات من المقرر أن تؤكد ليس فقط الخطأ الجيوسياسي، ولكن أيضًا الخطأ الجغرافي الاقتصادي في تاريخ بريطانيا الحديث. والمأساة هي أن حديثنا الوطني يدرك بالكاد إلى مدى بلغت المخاطر».

«بلومبرج»: كيف بدأت لندن تخسر مليارات بالفعل بسبب «البريكست»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد