توضح القصة المروعة التي ينقلها تقرير منشور حديثًا في صحيفة «الجارديان» حقيقة عمليات «صدّ اللاجئين» ومستوى التعامل الذي يتعرض له ملتمسو اللجوء الذين يصلون إلى حدود اليونان، وكيف يجري إعادتهم إلى المياه الدولية رغم الالتزامات والمعاهدات المتعلّقة بهذا الخصوص.

في عرض البحر

«أُجبرنا جميعًا على ركوب القارب، وكانوا يصرخون علينا إذا نظرنا إلى الأعلى ويضربوننا على رؤوسنا. ثم توقفوا في مكان ما في البحر حيث لا توجد أيّ قوارب أخرى وتركونا هناك». بقي مصطفى وزوجته وطفلاه الصغار لبضع ساعات فقط في جزيرة ليسبوس اليونانية قبل أن يتم نقلهم في شاحنة صغيرة إلى الساحل – وفقًا لما تنقله الجارديان عنه – وقد تعرضوا للضرب على أيدي رجال ملثّمين ومن ثم نقلوا إلى البحر على طوافة وتُركوا هناك ليواجهوا مصيرهم.

عُثر على مصطفى وعائلته في قارب نجاة، وتعود حقوق الصورة لمنظمة Aegean Boat Report. المصدر: الجارديان

ليست قصة مصطفى سوى واحدة من مجموعة كبيرة من القصص المماثلة الكامنة في صميم ما تحذّر منه الجماعات الحقوقية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بخصوص «أزمة» حق اللجوء على حدود أوروبا، و«عمليات صد اللاجئين» المتكررة والتي تجري بمستوى شديد إلى حدّ يتسبب بانخفاض كبير في الواصلين عبر البحر إلى اليونان وفقًا للصحيفة.

حذّرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)» من المخاطر التي يتعرض لها نظام اللجوء على حدود أوروبا، وعبّرت عن قلقها إزاء ارتفاع وتيرة حالات طرد اللاجئين وطالبي اللجوء وصدهم على الحدود البرية والبحرية لأوروبا. وقالت مساعدة المفوض السامي لشؤون الحماية، جيليان تريجز: «تلقت المفوضية سلسلة متواصلة من التقارير حول قيام بعض الدول الأوروبية بتقييد فرص الوصول من أجل طلب اللجوء، وإعادة الأشخاص بعد وصولهم إلى الأراضي أو المياه الإقليمية، واستخدام العنف ضدهم على الحدود. تتم عمليات الصد بطريقة عنيفة، وعلى ما يبدو منهجية، وتُسحب القوارب التي تقلّ لاجئين من أجل إعادتها. كما يتم تجميع الأشخاص بعد هبوطهم على اليابسة وإعادتهم مرة أخرى إلى البحر. وقد أفاد كثيرون عن ارتكاب قوات حكومية لأعمال عنف وانتهاكات».

Embed from Getty Images

وتقول الصحيفة إن هنالك انخفاضًا بنسبة 85% في عدد الوافدين عن طريق البحر إلى اليونان في عام 2020 مقارنة بعام 2019، وقد تحدث وزير الهجرة اليوناني نوتيس ميتاراتشي مرارًا وتكرارًا عن انخفاض «تدفقات» طالبي اللجوء إلى جزر بحر إيجه.

بحثًا عن مكان لا حرب فيه

بدأت رحلة مصطفى من شمال أفغانستان. سافرت الأسرة إلى تركيا ومنها عبرت على متن قاربٍ صغير إلى اليونان مع 12 من طالبي اللجوء الآخرين. دفع كلّ منهم 1200 يورو لأجل الرحلة، وباعوا كل ممتلكاتهم تقريبًا من أجل تأمين هذا المبلغ، وذلك بعد تعرّض مصطفى للتهديد من جماعة مسلّحة في بلاده.

بعد أن وصلوا إلى الشاطئ، ساعدتهم منظمة غير حكومية (تُدعى Aegean Boat Report) في العثور على مخيم يمكن لهم فيه طلب اللجوء، لكنهم يقولون إن الشرطة اليونانية هي ما قابلهم عندما وصلوا إلى هناك. تنقل الصحيفة عن مصطفى قوله: «كان هناك ضابطا شرطة وأخبرانا بالانتظار حتى ينادوا [شخصًا] ذا منصبٍ أعلى»، وقد قدّم لهم طالبو اللجوء الآخرون في المخيم الثياب والطعام حين رأوهم على حالتهم من الابتلال والإجهاد.

يستذكر مصطفى شعوره بالقلق على نحوٍ خاص عندما قالت الشرطة إن أسرته والمهاجرين الآخرين الذين كانوا بصحبتهم سيؤخذون لإجراء اختبار كوفيد: «بدأت أشعر بالخوف من أن يبعدونا ويعيدونا إلى تركيا».

Embed from Getty Images

تقول الصحيفة إنه بدلًا عن أخذ مجموعة طالبي اللجوء إلى الاختبار، نُقلت المجموعة إلى حاوية. يسرد مصطفى التفاصيل: «أتت الشرطة حينها وأعطتنا توجيهات نحو حاوية قريبة، وهناك صرخوا علينا لندخلها». وصل أربعة رجال ملثمين وبدأوا بتفتيش المجموعة بحثًا عن هواتف وأغراض شخصية، بينما كان طالبو اللجوء يواجهون الحائط، وهو ما أثار رعب أفراد العائلة.

يذكر مصطفى تفاصيل ما حدث للصحيفة: «أتى أربعة شبان مغطّاة وجوههم بالكامل. أيقظونا وأخذوا كلّ الهواتف من بقية المجموعة. لم يقدروا على إيجاد هاتفي لأنه كان ملفوفًا في بطانية حيث كان ينام ابني. فتشوا في كل مكان، حتى في حفاضات الأطفال». أضاف مصطفى أن الأطفال بدأوا في البكاء أثناء حدوث التفتيش، وأجبرت المجموعة على الصعود إلى مؤخرة مركبة نقل بعدها: «لم تكن هناك أي مقاعد في داخلها، بدت وكأنها عربة للحيوانات».

بعد حوالي ساعة من القيادة، توقفت المركبة وأجبرهم الرجال على ركوب قارب صغير. يستذكر مصطفى خشيته من الصعود على القارب، لكن الرجال ضربوه وركلوه حتى أقدم على فعلها: «اعتقدت أن هؤلاء الرجال سيغرقوننا. كان الجميع خائفين ويصرخون بأنهم لا يريدون دخول القارب، لكنهم ركلوني حتى صعدت».

تشرح الصحيفة كيف دفعت المجموعة إلى زورق نجاة برتقالي اللون بعدها، و«تُركوا في البحر ضمن المياه التركية». عند الساعة الواحد ونصف بعد منتصف الليل، أرسلوا مقطع فيديو إلى منظمة Aegean Boat Report يطلبون فيه المساعدة، وذلك بعد ما يقرب من ستّ ساعات من طلبهم المساعدة من نفس المنظمة عند وصولهم إلى ليسبوس في بداية الرحلة.

الرسائل التي أرسلتها المجموعة إلى المنظمة غير الحكومية وتتضمن مقطع فيديو للعائلة وهم في الحاوية. مصدر الصورة: الجارديان

وصل خفر السواحل التركي بالنهاية إليهم وأعيدوا إلى تركيا، حيث توجهوا للإقامة في شقة أحد الأصدقاء. توضح الصحيفة أن إنفاق العائلة كل أموالها على الرحلة تسبب في وصولها إلى مستوى يقارب العوز الآن، وتنقل عن مصطفى قوله: «حاولنا الوصول إلى أوروبا من أجل مستقبل أطفالنا، لأنه لا توجد حرب هناك».

تعليق خفر السواحل اليوناني

تقول الصحيفة إن خفر السواحل اليوناني يزعم بأن ليس لديه سجل بالحادثة التي وصفها مصطفى، وأصدر بيانًا يقول فيه إنه تصرف وفقًا لالتزامات اليونان الدولية وجميع المعاهدات الدولية ذات الصلة، وأنه حافظ على احترام حقوق الإنسان، ويقول البيان: إن «خفر السواحل اليوناني يتخذ جميع الإجراءات الضرورية لمراقبة وحماية كلّ من الحدود البحرية لليونان والاتحاد الأوروبي بشكل فعّال».

ويتابع البيان: «في إطار جهودنا لحماية حقوق بلدنا، بالإضافة إلى حياة اللاجئين المعرضين للخطر، تستهدف بعض وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية خفر السواحل اليوناني بدعايةٍ تستند إلى ادعاءات غير صحيحة ولا مؤكدة».

دولي

منذ 6 شهور
لماذا أصبحت الهجرة من تركيا إلى اليونان أقرب إلى الانتحار؟

وتنقل الصحيفة عن ممثلة مفوضية اللاجئين في لبنان ميراي جيرار تأكيدها بأنهم كانوا على علمٍ بالحادث ولديها شهود عيان رأوا الأشخاص يصلون إلى مخيم ميجالا ثيرما المخصص للعزل الصحي. تقول جيرار: «نحن نتابع هذه القضية عن كثب. نُبّهنا من قبل السكان المحليين والسكان في مخيم مجيالا ثيرما. هنالك 29 طالب لجوء داخل المنشأة رأوا المجموعة تصل في تلك الليلة».

تضيف جيرار أنه ينبغي اتباع إجراء اللجوء، مصرحةً للصحيفة: «من الواضح أن هناك مجموعة وصلت إلى اليونان، بل أكثر من ذلك، فقد دخلوا إلى منشأةٍ تابعة للحكومة. لذا فمن المهم جدًا أن تنظر السلطات في هذا الأمر وترى ما حدث». تختتم الصحيفة تقريرها بالتنويه إلى أن اسم مصطفى قد تم تغييره لحماية هويته في ظلّ حساسية المسألة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد