تمتد مساحة الجزائر لنحو 2.3 مليون كيلومتر مربع، وتعد بذلك من أكبر بلاد القارة الأفريقية من حيث المساحة، وفي الجنوب الغربي منها تقع منطقة الساورة وعاصمتها ولاية بشار.

هذه الولاية ذات التاريخ العريق والجغرافيا الرحبة كانت محور تقريرٍ أعدته النسخة الفرنسية من يومية «المجاهد» التابعة لجبهة التحرير الوطني الجزائرية.

استهل التقرير بالقول: حين يأتي الحديث عن الجنوب الغربي للجزائر، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هي ولاية بشار، عاصمة منطقة الساورة التي تعد وجهة سياحية مميزة، لاسيما خلال ذكريات الأحداث التاريخية التي تجذب السياح الجزائريين والأجانب على السواء، وتساهم في تشجيع السياحة بالبلاد.

ولفت التقرير إلى أن مرور الأيام وتعاقب السنين لا يزيد هذه المنطقة إلا ثراءً وبهاءً، وبالرغم من وجود بعض أوجه القصور التي يجب معالجتها، مثل نقص البنى التحتية الفندقية، بات يحل محلها أسلوب الضيافة الشهير «الإقامة مع عائلة»، حتى أصبح وسيلة أساسية للتغلب على نقص الخدمات الفندقية.

«جابوا الصخر بالواد».. مدائن صالح مدينة سعودية قد تحتاج فتوى لزيارتها

ومع ذلك، فإن الساورة، تعد واحدة من أكثر المناطق جاذبية في جنوب الجزائر، والتي تقع في ذلك الوادي الذي يحمل اسمها والذي لم يعد عنوانًا سياحيًا فقط، بل مازال يفتخر بتراثه المادي والتاريخي العريق، والذي يتوزع على ثلاثة من أهم مناطقها: «تاغيت» و«كرزاز» و«قصور الشمال».

«تاغيت» وزواياها

عندما تذكر مدينة تاغيت – التي تقع على بعد 90 كم جنوب المدينة الرئيسة في ولاية بشار – فإن الإمكانيات السياحية التي تميزها هي التي تتبادر إلى الأذهان: مثل المنحوتات الصخرية، والتزلج على الكثبان الرملية، وغيرها، وخاصة في «الزاوية الفوقانية والزاوية التحتانية» ويعود تاريخهما إلى القرن السادس عشر، وفقًا لما جاء في التقرير.

مدينة تاغيت في ولاية بشار.

مدينة تاغيت في ولاية بشار.

وكغيرها من الزاويا الأخرى في بلاد المغرب العربي، تعتبر زوايا الجزائر مباني دينية إسلامية، مهمتها الأساسية هي الحفاظ على الهوية الوطنية، وتأسست هاتان الزاويتان اللتان تديرهما جمعيات أهلية حاليًا في وقت متزامن، وتستمد كل منهما اسمها من موقعها الجغرافي بالنسبة لمدينة «تاغيت».

وأردف التقرير: تعتبر «تاغيت» جوهرة «الساورة» بجمالها وواحات نخيلها وتنوع طبيعتها، التي تتميز بالكثبان الرملية، وامتدادات الصحراء الصخرية وخاصة في منعطفات واد زوزفانة، التي يزخر بما خلفته مئات السنين وما تركته فيها من آثار الثقافات والحضارات التي تعاقبت عليها.

ويوجد فيها قصر «القنادسة» الذي يعود تاريخه إلى سبع قرون خلت، ويعد لوحة فنية زادت من بهاء المنطقة بطابعها الديني الروحي المميز، كما يوجد على ضفاف «تاغيت» قصر عتيق، تمامًا مثل «بني عباس» التي تزدهي بقصرها المبني بالطوب الأحمر والمتواجد وسط الواحة الخضراء.

«كرزاز».. مركز المعرفة ودرة ولاية بشار

بعد ذلك انتقل التقرير للتعريف ببلدية «كرزاز» وهي منطقة سياحية بامتياز، ودرة ولاية بشار، وتبعد عن مقر الولاية بحوالي 330 كم، وهي واحة من الواحات المنتشرة على جنبات وادي الساورة.

وتتكون من ثلاث مناطق رئيسة هي: «المقسم»، «كرزاز القصر» و«الزاوية الكبيرة»، وعلى بعد أربعة كيلومترات من «المقسم»، باتجاه «الزاوية الكبيرة»، توجد أنقاض «قصر تزقارت»، وحوله آثار مساكن طينية من العصور القديمة.

وقريبا منها تلاحظ أطلال «سيدي موسى بن خلي». ولجأ إليها العديد من العائلات التي فرت من الحروب المتعاقبة واستقرت فيها، لتوفر السلم والأمن بها، وقد وُضعت تحت حماية شيوخ الزاوية.

قلتة باسليمان في قصر كرزاز، ولاية بشار

قلتة باسليمان في قصر كرزاز، ولاية بشار. تصوير: عبد الهادي بنزيطة

وتعد دائرة كرزاز من المناطق السياحية في ولاية بشار التي يقصدها السياح بكثرة، باعتبارها تتوسط المسافة بين ولاية بشار وولاية أدرار، ويمر بها الطريق السريع الرابط بين الولايتين، في أقصى جنوب الجزائر قرب حدود مالي.

وينقل التقرير عن بعض الآثار التاريخية أن «سيدي أحمد بن موسى»، مؤسس زوايا كرزاز، هو الذي حولها قبل وفاته عام 1573، إلى مركز للمعرفة، وتحويلها إلى مقصد للباحثين وطلبة العلم والأئمة ومعلمي القرآن واللغة، وتحتوي على العديد من الآثار الدينية التي تشهد بعراقتها.

«قصور الشمال».. تاريخ طويل من الإلهام

تحدث التقرير أيضًا عن منطقة «قصور الشمال» التي تتكون من ثلاث بلديات وهي «بوكايس، وموغل، ولحمر» وتحتوي على إمكانيات طبيعية وتاريخية وثقافية تثير اهتمام وفضول أي زائر لها.

وتقع هذه القصور شمال ولاية بشار على بعد «50 و40 و30 كم على التوالي»، وهي ليست بعيدة عن الحدود المغربية، ونظرًا لموقعها الجغرافي المميز، لعبت هذه القصور دورًا مهمًا خلال حرب التحرير الجزائرية.

وفقًا لبعض المصادر التاريخية، يعود تاريخ تأسيس قصر «بوكايس» إلى 40 عامًا قبل الإسلام، ولا يزال كما هو بحالة جيدة، بسبب عمليات إعادة التأهيل المختلفة التي حافظت عليه خلال هذه القرون الطويلة.

ويمتد هذا القصر على مساحة ستة هكتارات، ولا يزال يسكنه عُشر السكان المحليين لهذه البلدية، وهو بلا شك معلم سياحي من أهم ولايات بشار، ويحيط بعد العديد من الواحات وبساتين النخيل.

أما القصر الآخر، الذي لا يقل أهمية عنه، فهو قصر «موغل»، الذي يبرز في هندسته المعمارية المستوحاة من الحضارة الإسلامية وشوارعه الغامضة. وحافظت أبواب موغل الخشبية المنحوتة والقاعة ذات القبة العالية والأعمدة والمدفأة التقليدية على أصالتها، فضلًا عن منافذه المميزة والسقوف المنحوتة، التي تضفي جوًا رائعًا طوال اليوم.

أما بلدية «لحمر» فقد سميت بهذا الاسم لغلبة اللون الأحمر على كل شيء فيها بدءًا من لون التربة، مرورًا بلون بشرة سكانها، وحتى لون خيولهم وإبلهم وملابسهم، كما كان يطلق عليها قديمًا اسم عاصمة قصور الشمال «لحمر وموغل وبوكايس»، وأنشئت منذ قرون طويلة على يد السكان الأمازيغ حيث شيّد قصرها العتيق فوق هضبة جبلية.

«تبلبالة».. متحف في الهواء الطلق

فرضت منطقة «تبلبالة» نفسها بجمالها الأخاذ لتحتل مكانها في التقرير، فهي واحة وبلدية تتبع ولاية «بشار»، وتوصف بأنها متحف في الهواء الطلق.

تزخر بآثارها الطبيعية وتاريخها العريق، ومرت عليها شعوب وقبائل من مختلف أنحاء العالم، وذكرها الحسن الوزان خلال القرن السادس عشر على أنها مدينة عامرة بالنخيل وأرضها خصبة صالحة للزراعة، وبها ثلاثة قصور عامرة هي: «الشرايع» و«الزاوية» و«مخلوف».

وتتميز هذه المنطقة بالعديد من الأمور التي تضيف عليها غموضًا من نوع خاص، مثل مقابرها العملاقة التي يتراوح طولها بين سبعة وثمانية أمتار، وتنتشر أساطير عديدة حول سبب وتاريخ وجود هذه المقابر، التي يرجح بعضها أن تكون هذه المقابر موجودة منذ قبل انتشار الإسلام في المنطقة.

ورغم أهمية وقيمة هذه الآثار الحضارية، إلا أن قصور الساورة بشكل عام تعاني من الإهمال، حتى وصل بعضها إلى حالة مزرية شوهت طابعها الجمالي وسمتها المعماري الذي يختلف من حقبة إلى أخرى، رغم أن هذه المنطقة تعتبر فريدة من نوعها بسبب تاريخ أجدادها وتراثهم المميز، فهي غنية بالأحداث التاريخية الفاصلة، فضلًا عن تراثها الثقافي والحضاري، الذي يستحق الحماية والاهتمام.

رحلة عبر الزمن.. كيف تحولت مساحة الجزائر من واحة خضراء إلى صحراء قاحلة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد