تسعى كلٌ من الصين والهند إلى استخدام ميناء تشابهار لتحقيق مصالِحهما الإستراتيجية. ويُمكن لإيران استغلال هذا التنافس من أجل تحقيق مصالحها الخاصة.

نشرت مجلة «ذا دبلومات» تقريرًا أعدَّه سوروش ألياسجاري، باحث يركز على شؤون الشرق الأوسط، ومارين إكستروم، باحثة في معهد الأبحاث والتحليل الأوراسي، سلَّطا فيه الضوء على أهمية ميناء تشابهار لإيران لتعزيز مكانتها على الساحة الدولية، وتوقَّعا أن يكون الميناء الواقع في جنوب شرق إيران وعلى خليج عُمان بمثابة ساحة لمنافسة الصين والهند على قيادة منطقة جنوب ووسط آسيا.

يستهل الباحثان تقريرهما بالتنويه إلى زيادة الاهتمام بمشروع ميناء تشابهار الإيراني على اعتبار أنه سيصبح مركزًا محتملًا للتجارة العالمية وساحة للمنافسة الجيوسياسية. ونظرًا لأن الهند تنظر إلى الميناء على أنه وسيلة للوصول إلى أسواق أفغانستان ووسط آسيا دون الاعتماد على الطرق البرية لباكستان، أصبحت نيودلهي المستثمر الرئيس في تشابهار. والأهم من ذلك قد يُؤدي الميناء إلى تعزيز العلاقات الهندية الإيرانية؛ مما قد يحقق تعاونًا بين البلدين يكافئ التعاون المتزايد بين الصين وباكستان. وفي الوقت نفسه يتنامى نفوذ الصين في إيران، في محاولة للوصول إلى الموارد الطبيعية الحيوية وطرق الشحن. بينما ترى إيران أن الميناء قد يمكنها من تعزيز إقامة شراكات دبلوماسية واقتصادية جديدة، لا سيما أنها في أمس الحاجة إلى خيارات بديلة بسبب سمعتها باعتبارها دولة منبوذة في الغرب.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
إستراتيجية تطويق إيران.. ماذا تفعل إسرائيل في القوقاز؟

ويُوضح التقرير أنه في ظل تنافس الهند والصين على الاستثمار في تشابهار، تحاول إيران تحريض الخصمين بعضهما ضد بعض لتعزيز مكانتها الدولية دون أن تهيمن عليها إحدى الدولتين القويتين. ولذلك يُعد ميناء تشابهار دراسة حالة أساسية في التعاون الدولي والمنافسة، ويمكن أن يسفر عن ثورة تجارية في المنطقة، لكنه قد يُفاقم المنافسات الإقليمية أيضًا.

معلومات عن ميناء تشابهار

يُشير التقرير إلى أن الميناء يقع في جنوب شرق إيران في محافظة سيستان وبلوشستان، ويضم عددًا من المميزات التي تجعله جذابًا من منظور محلي ودولي، إذ يقع على حافة المحيط الهندي، وهو الميناء الوحيد في إيران الذي يمكنه الوصول مباشرةً إلى المحيط. كما أن قربه الجغرافي من دول مثل أفغانستان، وباكستان، والهند، فضلًا عن وضعه بوصفه مركز عبور رئيسًا على الممر الدولي المزدهر للنقل بين الشمال والجنوب، يمنحه القدرة على التطور ليصبح أحد أهم المحاور التجارية في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك تعد تشابهار إحدى المناطق القليلة المستثناة من العقوبات الأمريكية في إيران؛ مما يساعد إلى حد كبير في تيسير الإجراءات التجارية مع الدول الأخرى. 

Embed from Getty Images

ويُؤكد التقرير على أن الميناء يمكنه تحويل مسار التجارة في جنوب آسيا ووسطها؛ إذ ستؤدي طرق التجارة البرية المرتبطة بالميناء إلى تسهيل الوصول إلى أسواق أفغانستان ووسط آسيا. وسيكون لهذا الترابط المتزايد تأثير ذو تداعياتٍ إيجابية هائلة على أفغانستان تحديدًا؛ إذ ربما يوفر ميناء تشابهار منفذًا تجاريًّا بديلًا لأفغانستان التي تمارس معظم تجارتها حاليًا من خلال طرق عابرة من باكستان. وفي المقابل قد يحقق الميناء نموًا اقتصاديًّا هائلًا في أفغانستان، مع السماح بدخول البضائع من الدول الأخرى بسهولة أكبر وتعزيز قدرات التصدير.

وسيوفر الميناء لدول وسط آسيا غير الساحلية إمكانية الوصول إلى طرق التجارة البحرية وسيكون بمثابة حصن ضد المحاولات الصينية والروسية للسيطرة على التجارة في المنطقة. لذلك قد يؤدي توسيع نطاق التجارة مع أفغانستان ودول وسط آسيا إلى تعزيز مكانة إيران على الساحة الدولية.

وينوِّه التقرير إلى أن عددًا من محللي الشؤون الدولية يُصنِّفون إيران بوصفها قوة إقليمية ذات إمكانات قوة عظمى عالمية بالنظر إلى بعض المعايير، مثل ثروتها من الموارد الطبيعية، وقوتها العسكرية، وكثافتها السكانية. ومع ذلك تُقيَّد مكانة إيران باعتبارها قوة عظمى عالمية أساسًا بسبب علاقاتها العدائية مع دول أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والسعودية، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية التي تُعرقل قدراتها التجارية الدولية. وللتحايُل على هذه القيود سعَت إيران إلى إقامة علاقات أقوى مع دول آسيوية أقل عدائية معها.

وفي السياق ذاته، لا يُعد ميناء تشابهار وسيلة للتواصل مع أفغانستان ودول وسط آسيا فحسب، ولكنه يمثل أيضًا رابطًا مع قوى اقتصادية عالمية عملاقة مثل الصين والهند. ونظرًا لأن ميزانية إيران لتنمية المحافظة التي يوجد فيها الميناء ارتفعت بنسبة 2200% منذ عام 2018، فمن الواضح أن الميناء سيكون جزءًا لا يتجزأ من إستراتيجية إيران للمشاركة في الشرق.

المنافسة الجيوسياسية على ميناء تشابهار

يلفت التقرير إلى أن الهند والصين لديهما خطط خاصة لتشابهار والعلاقات الثنائية مع إيران. وتتمتع الهند بتاريخ ممتد مع ميناء تشابهار، معتبرة أنه فرصة لتعزيز مكانتها باعتبارها قوة إقليمية وعالمية. وتسعى الهند، سادس أكبر اقتصاد في العالم، منذ زمن طويل للحصول على عضوية دائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كما أنها تحاول توسيع نطاق وصولها إلى الأسواق في غرب آسيا ووسطها لزيادة تعزيز هذه الإمكانات.

Embed from Getty Images

بيد أن الهند تواجه عقباتٍ شديدة فيما يتعلق بتداول التجارة البرية مع الدول الواقعة إلى غربها، مع ضرورة مرور جميع هذه الطرق تقريبًا عبر باكستان، عدو الهند اللدود. لكن إنشاء طريق تجاري بحري إلى غرب آسيا ووسطها عبر ميناء تشابهار سيسمح للهند بتجاوز باكستان وإقامة شبكات تجارية مع دول هذه المناطق.

وألمح التقرير إلى أن التعاون الهندي الإيراني في ميناء تشابهار يعود إلى عام 2003. ومع ذلك بدأت جهودهم المشتركة تكتسب عامل جذب في 2016، عندما أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الإيراني حسن روحاني أن الهند ستضخ استثمارات بقيمة 500 مليون دولار لتطوير الميناء، والدافع الأكبر لهذا التعاون كان نابعًا من إعلان الرئيس الصيني شي جين بينج أن الصين ستبدأ مشروعها الضخم للبنية التحتية لمبادرة الحزام والطريق.

وبدورها تنظر الهند إلى الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، على أنها منافسها الرئيس على مكانة القوة العظمى. وقد أثار تعاون الصين مع باكستان في تطوير ميناء جوادر والممر الاقتصادي بين الصين وباكستان مخاوف بشأن كيفية تأثير الشراكة بين الخصمين الرئيسين للهند على البلاد. ولذلك يُعد انخراط الهند في الميناء بمثابة إستراتيجية رئيسة لدعم مكانتها باعتبارها قوة عظمى من خلال توسيع وجودها في السوق الإقليمية واستخدام تحالف هندي إيراني لعزل الصين، ولمنع التعاون الصيني الباكستاني.

دولي

منذ شهر
مترجم: هل تتزعم الصين سوق الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط؟

وأفاد التقرير أن الهند ليست القوة الوحيدة التي تمتلك حصة في ميناء تشابهار؛ إذ سعت الصين أيضًا إلى تعزيز العلاقات مع إيران لتأمين احتياطيات الطاقة والموارد المعدنية والوصول إلى طرق التجارة الأوروبية الآسيوية المميزة. وسوف يؤدي وصول الصين إلى ميناء تشابهار إلى تعزيز هذه الأهداف إلى حد كبير. ويُعد المحرك الرئيس لمصلحة الصين في الميناء هو مَنْع الهند من الوصول إلى الطرق المؤدية إلى أفغانستان وآسيا الوسطى.

وصحيحٌ أن الصين لم تنخرط حتى الآن في مشروع الميناء، لكن العديد من المحللين يرون أن برنامج التعاون الصيني – الإيراني الذي اتُّفق عليه مؤخرًا ويمتد لـ25 عامًا، والذي تستثمر فيه الصين 400 مليار دولار في الاقتصاد الإيراني مقابل أسعار مخفضة ومضمونة للطاقة والتعاون في مبادرة الحزام والطريق، أحد وسائل تأكيد الصين على وجودها التدريجي في الميناء.

قانون التوازن الإيراني

يؤكد التقرير أن إيران يمكنها أن تُعزِّز طموحاتها الخاصة بأن تكون قوة عظمى من خلال الفرص الاقتصادية والدبلوماسية التي تُقدمها لها الهند والصين، إلا أن تفاوت علاقات القوة المتبادلة والصفقات التجارية يمكن أن تجعل إيران شريكًا ثانويًّا أو طرفًا تابعًا مُستَهلِكًا للموارد. لذلك تحاول طهران إيجاد طرق لتحقيق التوازن الإستراتيجي بين الهند والصين.

Embed from Getty Images

وانضمام إيران إلى منظمة شنجهاي للتعاون، وهي المنظمة التي تضم الصين والهند أيضًا، يعكس رغبتها في تشكيل تحالف ضد الهيمنة الغربية مع سعيها للتأكيد على دورها المهم في شؤون وسط آسيا والشرق الأوسط. ويُمكن أن تستخدم إيران عضويتها في منظمة شنجهاي للتعاون وغيرها من المبادرات المتعددة الأطراف وسيلةً لتأليب الهند والصين ضد بعضهما بعضًا، ويمكنها أيضًا أن تهدد بالوقوف إلى جانب إحدى الدولتين إذا لم تحصل على تنازلات أكبر من الأخرى. لذلك ربما تستغل إيران التنافس الصيني الهندي لصالحها من أجل تعزيز مكانتها باعتبارها قوة عظمى مع الحفاظ على خطها المستقل المتمثل في عدم اصطفافها مع «الشرق أو الغرب».

ويختتم الباحثان تقريرهما بالإشارة إلى أن هناك عددًا من المتغيرات يُمكن أن تُعطل المسار الحالي لتطوير ميناء تشابهار. وأدَّى استيلاء طالبان على أفغانستان إلى أهمية تعديل الخطط لإنشاء شبكات تجارية معززة مع غيرها من الدول، والذي يُعد مصدر إزعاج كبير للهند تحديدًا. وفي الوقت نفسه يُهدد عدم استقرار النظام الإيراني المستمر بعرقلة قدرة إيران على تحقيق مصالحها الإقليمية والدولية. ومع ذلك يمكن أن يكون الميناء ساحة معركة أساسية لتطلعات الصين والهند للمنافسة على قيادة جنوب آسيا ووسطها، وقد يؤدي الميناء دورًا مؤثرًا في سعي إيران لتعزيز مكانتها على الساحة الدولية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد