نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا لآنا فيفيلد، مديرة مكتب الصحيفة في بكين، سلَّطت فيه الضوء على إنشاء الصين لمراكز اعتقال جديدة للمسلمين في إقليم شينجيانج غربي البلاد.

تستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى بوابة ضخمة يعلوها العلم الصيني لمجمع ضخم من دون علامات سوى نقش يحمل نصيحة من الأب المؤسس للحزب الشيوعي ماو تسي تونج: «كن وفيًّا لمهمتنا وتطلعاتنا التأسيسية».

لكن السياج الذي يبلغ ارتفاعه 45 قدمًا وأبراج الحراسة تشير إلى أن هذا المجمع الضخم، بجوار مدرسة للتدريب المهني ومركز لوجستي جنوب كاشغر، ليس مجرد موقع بيروقراطي آخر في غرب الصين، حيث تشن السلطات حملات قمع شَعواء ضد أقلية الإيغور المسلمة.

وتوضح الكاتبة أنه معسكر اعتقال جديد يمتد على حوالي 60 فدانًا، افتتحته السلطات مؤخرًا، ويضم 13 مبنًى سكنيًّا من خمسة طوابق، ويمكن أن يستوعب أكثر من 10 آلاف شخص.

ويُعد موقع كاشغر من بين عشرات مراكز الاعتقال الشبيهة بالسجون التي شيَّدتها السلطات الصينية في منطقة شينجيانج، وفقًا لمشروع بيانات شينجيانج، وهو مبادرة من «معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي (ASPI)»، برغم مزاعم بكين بأنها بدأت في إنهاء جهودها التي أثارت إدانة دولية «لإعادة تثقيف» السكان الإيغور بعد أن عَدَّت الحملة ناجحة.

وتشير زيارة «واشنطن بوست» الأخيرة إلى شينجيانج والأدلة التي جمعها معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي، إلى أن الضغط والغضب الدوليين لم يسفرا عن الكثير لإبطاء حملة القمع الصينية، التي يبدو أنها تدخل مرحلة جديدة تنذر بالسوء.

وخلال العام الماضي، قالت الحكومة الصينية إن جميع الأشخاص تقريبًا في «برنامج التدريب المهني» في شينجيانج، والذي يهدف ظاهريًّا إلى «مكافحة التطرف» لدى السكان المسلمين في المنطقة، قد «تخرَّجوا» وأُطلِق سراحُهم.

وقال الباحث في المعهد ناثان روسر: «يُثبِت هذا أن تصريحات الحكومة كاذبة بوضوح»، مضيفًا أن هناك «تحولًا في أسلوب الاحتجاز».

الصين وسجون لكن باسم آخر

تشير الكاتبة إلى أن المجمع الجديد، وهو واحد من 60 منشأة على الأقل بُنيتْ من الصفر، أو جرى توسيعها خلال العام الماضي، تحيط به أضواء كاشفة وخمس طبقات من الأسوار الشائكة الطويلة، فضلًا عن الجدران الشاهقة.

يقول روسر: «هذا جهد متضافر لاحتجاز الأشخاص وإبعادهم جسديًّا عن المجتمع. ولا يوجد أي ملامح لإعادة التأهيل في مراكز الاحتجاز ذات الإجراءات الأمنية المشددة. ويبدو أنها بالأحرى مجرد سجون باسم آخر».

وتُظهر صور الأقمار الصناعية أنه ما يزال يجري بناء حوالي 14 منشأة في جميع أنحاء شينجيانج. وتنقل الصحيفة عن جيمس ميلوارد، أستاذ التاريخ في جامعة جورج تاون، قوله إن معسكرات الاعتقال هذه هي الخلفية لجميع جهود الحكومة الصينية للسيطرة على السكان في شينجيانج.

محظور أمنيًّا

تلفت الكاتبة إلى أنها حين حاولتْ زيارة مركز الاحتجاز الواقع على بعد نصف ساعة بالسيارة جنوب كاشغر هذا الشهر، سرعان ما أحاطت بسيارتها ثماني سيارات كانت تتعقبها. وكان هذا الموقع حساسًا بوضوح. وحين توجَّهتْ مراسلة الصحيفة وصحفيان أوروبيان نحو معسكر جديد آخر في أكتو، جنوب كاشغر، أُوقِفوا مرارًا وطُلب منهم تسجيل جوازات سفرهم والقيادة خلف سيارات الشرطة، وكان ذلك بهدف تحويلهم عند حدود إحدى المقاطعات. وتذرَّعت الشرطة بالتدابير المتعلقة بفيروس كورونا المستجد سببًا لما حدث.

وعلى العكس من ذلك، عندما زار المراسلون عديدًا من المرافق التي كانت تضم في السابق الإيغور المحليين، لم تهتم السلطات كثيرًا بمحاولة عرقلتِهم. وبدت تلك المرافق فارغة، إذ فُتِحت النوافذ في أحد مراكز «التدريب المهني» السابقة، وكانت هناك أسرَّة بطابقين مكدسة في ساحة أخرى، في حين زحفت القمامة فوق طاولات تنس الطاولة، وعلى ملاعب كرة القدم المهجورة.

وتشير الكاتبة إلى غياب أي علامات على وجود ملاعب لكرة القدم أو مصانع أو منشآت مهنية في المجمع الجديد جنوب كاشغر، والتي قد تشير إلى وجود هدف تأهيلي. وفي وقت لاحق اختفى داخل السجون عديد من الإيغور وأفراد الأقليات العرقية الأخرى الذين أرسلوا إلى معسكرات إعادة التأهيل، ومن بين هؤلاء مايلا ياكوفو، العاملة في شركة تأمين تتحدث لغة الماندرين الصينية، والتي أفرجت عنها السلطات هذا الشهر بعد عامين وثلاثة أشهر من الاحتجاز دون محاكمة، وكانت قد وُضِعتْ سابقًا في معسكر اعتقال «تدريب مهني» لمدة 10 أشهر.

ونوَّهت الكاتبة إلى إنكار الصين القاطع لوجود انتهاكات حقوقية عندما ظهر حجم تلك الانتهاكات في شينجيانج في عامي 2017 و2018م، ولكن عندما أصبحت صور الأقمار الصناعية وشهادات الناجين والأقارب أمرًا لا جدال فيه، وقدَّر خبراء الأمم المتحدة أن أعداد المسجونين بلغت نحو مليون شخص أو أكثر، حاولت بكين تفسير المعسكرات على أنها برنامج ضروري للتعامل مع الإرهابيين.

الإيغور

والمنطقة هي موطن للإيغور وغيرهم من المسلمين الأتراك الذين تختلف ثقافتهم ولغتهم عن ثقافة قومية الهان الغالبة في الصين. ولأكثر من قرنين من الزمان، احتج الناس هنا، في بعض الأحيان بعنف، على القمع الصيني. وقتل نحو 200 شخص في أعمال شغب في أورومتشي عاصمة الإقليم قبل 11 عامًا. وفي السنوات الأخيرة، تحت قيادة شي جين بينغ، استخدمت بكين هذه الاحتجاجات ذريعة لتنفيذ ما وصفه عديد من المدافعين عن حقوق الإنسان بأنها إبادة جماعية ثقافية.

ووفقًا للكاتبة، أفاد الأشخاص الذين اعتُقِلوا في تلك المعسكرات أنهم أُجبِروا على تناول لحم الخنزير والمشروبات الكحولية والتخلي عن دينهم والولاء للحزب الشيوعي الصيني والخضوع لما وصفوه بالغسيل المنهجي لأدمغتهم.

كما وصف وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، معاملة الصين لمسلمي الإيغور بأنها «وصمة عار القرن»، ويُقال إن الإدارة تدرس إعلان تصرفات الصين على أنها إبادة جماعية. ولم تستجب سلطات شينجيانج للطلبات المتكررة لإجراء مقابلة حول تطور نظام الاحتجاز. لكن رئيس حكومة شينجيانج شهرت ذاكر قال إن: «معسكرات إعادة التأهيل» ضرورية لمكافحة التطرف الديني العنيف وأن «الخريجين» يواجهون الآن مستقبلًا أكثر إشراقًا.

تحوُّل مخيف

وتشدد الكاتبة على أن هذا التحوُّل يُعد جزءًا من واقع جديد مخيف هنا في كاشغر، العاصمة التقليدية لثقافة الإيغور، والتي تخضع لرقابة صارمة من الحزب الشيوعي لمدة ثلاث سنوات بالتزامن مع حملة إعادة التثقيف.

ومع إذعان السكان، يبدو أن السلطات تراجعت قليلًا، وأحكَمتْ سيطرتها على كاشغر؛ إذ اختفت أقسام الشرطة التي كانت تراقب التحركات عند كل تقاطع رئيس، كما غابت إلى حد كبير عمليات التفتيش الأمنية التي تُقام على غرار المطارات في الأسواق وفي الأنفاق، واقتصر الأمر على أجهزة الكشف عن المعادن.

وتلفت الكاتبة إلى أن سكان الإيغور في كاشغر يخافون على نحو واضح من التحدث إلى الزوار الأجانب، ويلوحون مُعبِّرين عن رفضهم للحديث مع الصحافيين حتى قبل أن يطرح الصحفيون أي أسئلة.

وتحولت المدينة القديمة، التي كانت واحة رائعة على طريق الحرير، إلى حديقة ترفيهية للسياح من الصينيين الهان، وتكتمل بعروض الإضاءة التي تتميز بشخصيات الماندرين الصينية، فضلًا عن الأجواء المثالية لالتقاط صور ذاتية (سيلفي).

لكن الملاحظة المتأنية تكشف عن أن كل الرجال في هذه المدينة المسلمة غير مُلتَحين، ولا ترتدي أي من النساء الحجاب. وما تزال مبانٍ تاريخية عديدة قائمة، ولكن هناك عددًا من المنازل التي تنذر بالخطر لأن أبوابها موصدة وتحمل لافتات مكتوب عليها: «منزل فارغ». كذلك لا توجد مساجد مفتوحة للصلاة، فقد تحولت إلى مقاهي أو متاحف أو أغلقت بالكامل، كما أن مسجد «عيد كاه» المبني بالقرميد الأصفر يقف بصفته معلمًا وحيدًا لحملة إعادة التثقيف.

واضطرت مراسلة الصحيفة التي زارت المسجد في يوم فُتِحتْ أبوابه للسياح لتسجيل رقم جواز سفرها حتى يُسمح لها بالدخول، ثم رافقوها عبر صحن المسجد، وهو فارغ إلا من كاميرات التعرف إلى الوجه.

وأغلقت السلطات قاعة الصلاة، وقال مرشد لأحد المراسلين إن الصلاة يُسمح بها في السادسة صباحًا والثانية ظهرًا فقط، وهي ليست مواقيت الصلاة لدى المسلمين، وقيل لمراسل آخر إن الصلاة أُلغِيت بسبب فيروس كورونا. وتختتم الكاتبة تقريرها قائلةً: على الجانب الآخر من المسجد، تبرز لافتة حمراء كبيرة مكتوبة بأحرف صينية تشكر الرئيس «شي» على رعايته الكريمة.

حقوق إنسان

منذ شهرين
مترجم: ماذا يمكن أن تفعل أمريكا لمساعدة مسلمي الإيغور؟ 5 إجراءات مقترحة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد