شركات صناعة السيارات الصينية تُحقِّق تقدمًا سريعًا في ظِل هيمنة اليابان منذ أمدٍ بعيدٍ على سوق السيارات في إندونيسيا.

نشرت مجلة «ذا دبلومات»‏ تقريرًا أعدَّه محمد ذو الفقار رحمت، المحاضر في الجامعة الإسلامية الإندونيسية، ناقش فيه حيثيات دخول الصين من خلال شركات السيارات الصينية إلى سوق السيارات في إندونيسيا التي تضع اليابان قبضتها عليه منذ زمن بعيد، لا سيما أن بكين تُعد أكبر مورِّد للسيارات والمركبات الكهربائية في العالم، وتمتلك أكثر من 93 مصنعًا من مصانع البطاريات، وتتمتع بفرص الوصول إلى المواد اللازمة لصناعة البطاريات، فضلًا عن انتصار بكين على طوكيو في صفقة تمديد خط سكة حديد في إندونيسيا.

وخلُص الكاتب إلى أن إندونيسيا أضحت بمثابة ساحة معركة إستراتيجية شرسة للتنافس بين الصين واليابان، مؤكدًا أن إندونيسيا ستسعى إلى التعاون مع الصين في مجالي بيع السيارات والمركبات الكهربائية وإنتاجها على حدٍ سواء؛ ما يُهدِّد بزعزعة استقرار تعاون جاكرتا الاقتصادي منذ أمد بعيد مع طوكيو.

السيارات في إندونسيا.. تنافس متزايد

يستهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى أنه بعد تنافس الصين واليابان على السكك الحديدية الفائقة السرعة، ينافس البلدان الآن بعضهما بعضًا تنافسًا متزايدًا على سوق السيارات المتنامي في إندونيسيا.

دولي

منذ 3 شهور
«جزر نانسي».. تعرف إلى الجزر التي قد تشعل حربًا بين الصين واليابان

وفي الأسبوع الماضي أفادت التقارير أن شركة «شيري أوتوموبيل ليمتد» الصينية أعلنت أنها تستعد للدخول مرةً أخرى في سوق السيارات في إندونيسيا خلال هذا العام، بعد محاولة فاشلة لاقتحام السوق الإندونيسي في أوائل العَقْد الأول من القرن الحادي والعشرين، ولكنَّها تَعِد هذه المرة بأنها ستُقدِّم منتجات أكثر حداثة وتطوُّرًا.

«سنطرح في العامين المقبلين خمسة نماذج جديدة في إندونيسيا، وهي سيارات الدفع الرباعي التقليدية ومركبات تعمل بالطاقة الجديدة»، هكذا قال تشين جانج، مُمثل شركة «شيري»، وفقًا لما أوردته صحيفة «كونتان» الإندونيسية. وتستثمر شركة «شيري» أيضًا في منشأة لإنتاج السيارات بإندونيسيا.

ووفقًا للتقرير لا تُعد «شيري» شركة صناعة السيارات الصينية الوحيدة التي حقَّقت نجاحًا في إندونيسيا، حيث تحتل شركتا «وولينج» و«دونج فينج سوكونيندو (DFSK)» مكانة بارزة في سوق السيارات في البلاد. وتُباع سيارات شركة «وولينج» الآن من خلال شبكة متاجر يربو عددها على 100 متجر في جميع أنحاء البلاد.

Embed from Getty Images

وتشير صحيفة «كونتان» إلى أن الإقبال على منتجات شركة وولينج تجاوز الآن مبيعات السيارات اليابانية مثل «مازدا» و«نيسان». وفي المدة التي تتراوح بين يناير (كانون الثاني) ويونيو (حزيران) من هذا العام سجَّلت شركة وولينج بيع 10 آلاف و973 وحدة، وهو ما منح الشركة الصينية حصة تبلغ 2.8% من سوق السيارات الإندونيسي؛ ما جعلها سابعَ أشهر علامة تجارية للسيارات في البلاد. وسجَّلت شركة «DFSK» أيضًا مبيعات جيدة، على الرغم من أنها ليست كبيرة مثل مبيعات شركة «وولينج».

كسْبُ قلوب الإندونيسيين

ويستدرك كاتب التقرير قائلًا: بينما يعتقد بعض المراقبين لسوق السيارات أن المنتجات الصينية ستواجه صعوبات في إثناء المستهلكين الإندونيسيين عن اقتناء السيارات اليابانية التي اعتادوا عليها منذ أمدٍ بعيد، بدأ صُنَّاع السيارات الصينيون في تعلُّم كيفية كسْبِ قلوب الإندونيسيين، لا سيما من خلال إدراك حاجتهم إلى ضمان خدمة موثوقة لما بعد البيع.

ومن منظور صيني، تُعد إندونيسيا أحد أسواق السيارات الواعدة لسببين. يتمثَّل أولهما في أن نسبة ملكية السيارات موازنةً بإجمالي عدد السكان تظل منخفضة، بواقع 99 سيارة فقط لكل ألف شخص اعتبارًا من هذا العام؛ ما يعني أن هناك إمكانية كبيرة لنمو هذه الصناعة. ثانيًا شهدت إندونيسيا مؤخرًا تطوُّرًا كبيرًا في البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الشوارع والطرق السريعة؛ ما يُرجِّح تحفيز الطلب على السيارات.

وفي الحقيقة حقَّقت شركات صناعة السيارات الصينية نجاحًا في إندونيسيا منذ وقت طويل. وفي عام 2019، وبعد أن وقَّع الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو مرسومًا رئاسيًّا بشأن السيارات الكهربائية، أعلنت الحكومة الإندونيسية أنها تُخطِّط للتعاون مع شركات صناعة السيارات الصينيين لتحقيق هذا الهدف. وبعد وقت قصير وفي يوليو (تموز) 2019 أعلنت شركتان صينيتان، هما «بي واي دي (BYD)» و«جيك (JIC)»، عن خُطط نقل أنشطتهِما إلى إندونيسيا.

عرقلة هيمنة اليابان

يضيف التقرير: وعلاوةً على ذلك، أعلنت شركة «DFSK» في الشهر ذاته أيضًا عن اعتزامها إنتاج سياراتها الكهربائية من طراز «إي 3 جلوري (E3 Glory)» في إندونيسيا؛ بهدف تسويقها في جميع أنحاء دول جنوب شرق آسيا. وباعتبارها أكبر مورِّد لمبيعات السيارات والسيارات الكهربائية في العالم، يهدف دخول الصين إلى سوق السيارات في إندونيسيا إلى عرقلة هيمنة اليابان الممتدة منذ أمدٍ بعيدٍ على صناعة السيارات في إندونيسيا.

Embed from Getty Images

ومنذ سبعينات القرن الماضي اعتمد المُستهلكون الإندونيسيون على اليابان اعتمادًا كبيرًا عندما يتعلق الأمر بشراء السيارات. وأفادت جمعية صناعات السيارات الإندونيسية في عام 2016 أن معظم السيارات التي يقودها الإندونيسيون مصنوعة في اليابان. كما أجرَت شبكة «سي إن إن» استطلاعًا للرأي، خلُصت فيه إلى أن الإندونيسيين يُفضِّلون شراء سيارات يابانية أكثر من السيارات التي أُنتِجَت في أوروبا، أو كوريا الجنوبية، أو الصين. وبدأت شركات صناعة السيارات اليابانية مثل «تويوتا» و«هوندا» أيضًا في تسويق المركبات الكهربائية بجنوب شرق آسيا.

ولكن نظرًا لأن السيارات الكهربائية جديدة في إندونيسيا ومُكلِّفَة نسبيًّا، تتمتَّع السيارات الصينية بميزة مُعيَّنة. وموازنةً بمنافسيها اليابانيين، يرى كثير من الناس أن السيارات المصنوعة في الصين رخيصة نسبيًّا وذات جودة مماثلة. وعلاوةً على ذلك تُعد الصين الآن المُنتِج الرئيس للسيارات الكهربائية في العالم، فضلًا عن كونها رائدة في تصنيع عديد من المُكوِّنات التي تتعلَّق بها.

المواد اللازمة لصناعة البطاريات

وينوِّه كاتب التقرير إلى أن الصين، التي تمتلك 93 مصنعًا من مصانع البطاريات اعتبارًا من العام الماضي، تتمتَّع بفُرَص الوصول إلى المواد اللازمة لصناعة البطاريات مثل النيكل، والكوبالت، والليثيوم. كما أنها تُعد موطنًا لمصانع إنتاج الكاثودات والأنودات والمواد الكيميائية الضرورية لإنتاج خلايا البطارية.

وتخطط شركة «كاتل»، وهي أكبر شركة مُنتجة لبطاريات الليثيوم الأيونية في الصين، لإنشاء مصنع إنتاج لهذا المُكوِّن في إندونيسيا في عام 2024. وفي الوقت ذاته، يوجد مصنعان من أهم مصانع معالجة النيكل في العالم، وهما المنطقة الصناعية في خليج ويدا والمنطقة الصناعية في مقاطعة مورووالي، في إندونيسيا، وتعود ملكية كلا المصنعين إلى شركات صينية.

ولذلك فمن المنطقي أن تتطلَّع إندونيسيا إلى تحقيق تعاون أقوى مع الصين في مجالي بيع السيارات والمركبات الكهربائية وإنتاجها على حدٍ سواء. ومن المُرجَّح أن يؤدي دخول شركات صناعة السيارات الصينية المتزايد إلى سوق السيارات في إندونيسيا إلى زعزعة استقرار تعاونها الاقتصادي الممتد منذ أمد بعيد مع اليابان.

Embed from Getty Images

وينطبق هذا الأمر بصفة خاصة إذا أخذنا في الاعتبار حقيقة أن إندونيسيا أصبحت على نحوٍ متزايد ساحة معركة إستراتيجية بين بكين وطوكيو، على غرار ما حدث في المناقصة الأخيرة لبناء خط سكة حديد يربط بين جاكرتا وباندونج، حيث نجحت الصين في الفوز بالمناقصة.

ويقول الكاتب في نهاية تقريره: ومع أن إندونيسيا ذكرت مؤخرًا أنها تُفكِّر في الاستعانة باليابان للمساعدة في تمديد خط السكة الحديد إلى مدينة سورابايا، في الوقت الذي أُعلِن فيه عن المناقصة الأولية، أعربت الحكومة اليابانية، التي جهَّزت عددًا من الاستعدادات لتأمين المناقصة، عن إحباطها بسبب نتيجة المناقصة، وفقًا لما ذكره رئيس الوزراء الياباني سوجا يوشيهيدي في ذلك الوقت. ونظرًا إلى هذه التطورات الأخيرة، يلوح سوق السيارات في إندونيسيا في الأفق باعتبارها ساحة معركة أخرى بين المتنافسين في شرق آسيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد