خلال العامين الذين قضاهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حتى الآن على كرسي الرئاسة تعرض فيهما للعديد من الهجمات على شخصه من قبل رؤساء دول أخرى، ومن شخصيات عامة، وجهوا له انتقادات مسيئة، ووصفوه بأنه «انتهازي، وأبله، ويعاني من حالة الموت الدماغي، وغبي».

كانت أبرز الشخصيات التي هاجمته: الرئيس البرازيلي جير بولسونارو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأخيرًا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

فما السبب وراء تعرض الرئيس الفرنسي للإهانات على الساحة الدولية بشكل متكرر؟ هذا ما حاول أن يجيب عليها تقرير أعده الصحافي جان لوب ديلماس على موقع صحيفة «20 مينيت» الفرنسية.

في بداية التقرير أشار الكاتب إلى الهجوم الأخير العنيف للرئيس التركي على نظيره الفرنسي، والذي وصفه فيها بأنه يعاني من «حالة موت دماغي»، واعتبرت الصحف الفرنسية أن هذه إهانة شخصية لماكرون.

وليست هذه المرة الأولى التي يتلقى فيها ماكرون مثل هذه الإهانة؛ ففي عام 2019 تحدث الرئيس الأمريكي عن «غباء» ماكرون لدى إثارة قضية الضرائب على الشركات الرقمية العملاقة، كما سخر الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو من مظهر السيدة الأولى بريجيت، زوجة ماكرون، وأيضًا وصفه وزير برازيلي بأنه «انتهازي وأبله» .

ويتساءل الكاتب لماذا يتلقى ماكرون كل هذه الإهانات الكثيرة من قادة العالم؟ قبل البحث عن الأسباب الشخصية، يجب أن نشير إلى دلالة التوقيت وقواعد التواصل السياسي الجديد بين قادة الدول، وهو ما أشار إليه برونو كاوتريه الباحث والسياسي بالمركز الوطني للبحث العلمي ومعهد البحوث السياسية الفرنسي بقوله: «اليوم تتجسد القيادة بطريقة شخصية، حيث يستخدم رؤساء الدول أسلوبًا استفزازيًا جدًا، ويصفون به أنفسهم أكثر من البلدان التي يحكمونها».

«فورين أفيرز»: على طريقة هتلر وماو.. كيف ما زال الطغاة يشكلون تاريخ بلادهم؟

لماذا يسبون ماكرون تحديدًا؟

أوضح الكاتب قصده قائلًا: إن الهجمات الانفعالية والألفاظ النابية أصبحت شائعة في الوسط السياسي، بينما كنت محظورة تمامًا حتى قبل بضع سنوات، كما يقول أوليفييه روكوان، الخبير السياسي والأستاذ في العلوم السياسية: «كان الاحترام والأخلاق في الماضي هما أساس قواعد اللعبة في المعاملات الدولية، أما الآن فقد تدهورت أخلاقيات المناقشات وآداب الحوار».

ماكرون

وأشار الكاتب إلى وجود تعارض ومشاحنات بين القادة، خاصةً أردوغان وبولسونارو وترامب، ولكن لماذا كان نصيب ماكرون من هذا العداء دائمًا أكبر من الآخرين؟ الإجابة هو أن الرئيس الفرنسي يفضل المواجهة، بل معارضة هؤلاء الرؤساء أيضًا.

وأوضح كاوتريه أنه «منذ بداية ولاية ماكرون رأى نفسه قائدًا لمعسكر التقدميين، ووضع ترامب وأردوغان وبولسونارو في معسكر المحافظين المقابل. فهو يرى أن مكانته الدولية تُستمد من هذا الثنائية».

«القيادي الملهم»

ويرى الكاتب أنه بالإضافة إلى رغبة ماكرون في أن يكون قائدًا، فإنه يرى نفسه الشخص الوحيد الذي ينبغي أن يُسمع صوته؛ لأنه يرى أن معسكر التقدميين يفتقر إلى القيادي الملهم الذي يجيب على التساؤلات الموجهة لهذا التيار، فيما تتبلور أكثر الإجابات على لسان الرئيس الفرنسي، أو هكذا يريد أن يبدو ماكرون.

ويضيف روكوان أن ماكرون هو «الوحيد الذي يعود إلى لعبة الاستفزاز مرة بعد أخرى. في حين أنه لا يستهدف الأفراد مطلقًا بعكس خصومه. فعندما تحدث ماكرون عن الموت الدماغي، كان يتحدث عن الناتو، ويطرح سؤالًا حقيقيًا على طاولة النقاشات، ولم يكن مجرد تعليق ساخر».

ويتساءل روكوان لماذا يأخذ ماكرون مثل هذا المواقف، إذا كانت عاقبتها الكثير من الانتقادات والشتائم؟ ويجيب إنه «سلاح ذو حدين، إن كان له عيوب فإن له مزاياه أيضًا، إذ يرى ماكرون أن هذا يعطيه مكانة دولية حقيقية، تجعله حديث الجميع، ويصبح ضمن الشخصيات البارزة في السياسة الدولية».

ماكرون يمثل الغطرسة الفرنسية

ذكر الكاتب تعليق كاوتريه على شخصية ماكرون في «أنه لا يتردد في التعبير عن رأيه في كل شيء، والتدخل في السياسة الداخلية للدول الأخرى، والتي تغضب بدورها جراء هذا التدخل، وخصوصًا بولسونارو الذي انتقد فرنسا بشدة لتدخلها في شؤون البرازيل عقب التعليق على حرائق غابات الأمازون».

ويرى الكاتب أن هذا المكانة التي يعطيها ماكرون لنفسه تفسر جزئيًا العداء الذي يتلقاه، كما يرى الباحث بمعهد البحوث السياسية الفرنسي «أنه يتبنى الموقف التطوعي، مع الشعور بالبطولة بداخله. فهو يمثل الغطرسة الفرنسية، ويفضل أن يكون ذلك الشخص الذي يعطي دروسًا للآخرين حول طريقة تفكيرهم في حلول لمشاكلهم، وما ينبغي عليهم فعله. فهو لا يتوقف أبدًا في التحدث مع مؤيديه؛ مما يثير غضب من لا يوافقون على أفكاره».

هل ما يفعله ماكرون مفيد؟

وأشار الكاتب أيضًا إلى تعليق روكوان بالمثال الألماني: «يمكن للجميع أن يرى تسليط الضوء على الرئيس الفرنسي، الذي يقود أوروبا كلها. فهو يحلم بمنصب قائد التقدميين، ولكن هل يريد كل التقدميين أن يتولى ماكرون القيادة؟ هذا أمر غير مؤكد على الإطلاق».

واختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى الانقسامات الداخلية وأنانية الرئيس الفرنسي، وقال: «يبقى التساؤل حول ما إذا كانت هذه السياسة تؤتي ثمارها أم لا؟» وينقل هنا إجابة روكوان بقوله: «بالتأكيد نحن بحاجة إلى الصلابة والحزم في الدبلوماسية، ولكن لا نحتاج إلى التشهير بها في الإعلام. فمثلًا لن تغير التعليقات الساخرة بين ماكرون وأردوغان شيئًا في ملف التدخل التركي في سوريا، بل على العكس تمامًا».

مترجم: فرنسا تسعى إلى ملء الفراغ في الشرق الأوسط بعد الانسحاب الأمريكي

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد