نشر موقع «المونيتور» الإخباري مقالًا للصحافي المتخصص في شؤون الخليج سيباستيان كاستيلير تناول فيه التحديات التي تواجه اقتصادات الخليج في عالم ما بعد انتشار جائحة فيروس كورونا المُستجد، وهل يمكن لمجلس التعاون الخليجي أن يلعب دورًا تنسيقيًّا حيويًّا لتنوِيع اقتصادات الخليج في مرحلة ما بعد الجائحة، خاصة في ظل وجود إشارات قوية تدل على أن الحظر المفروض على قطر قد ينتهي قريبًا.

عربي

منذ 3 شهور
«المونيتور»: لهذه الأسباب وحدة الخليج ضرورية لنجاح استراتيجية التفاوض الفلسطيني

الحصار يحفز الاقتصاد القطري

يستهل الكاتب مقاله بالقول إنه مع عودة الأضواء إلى الخلاف المستمر منذ سنوات بين دول الخليج وقطر، وادِّعاء تقارير جديدة أن نهاية ذلك الحصار ربما تكون وشيكة، هناك تحديات هائلة أمام اقتصادات الخليج – حتى في حالة إنهاء النزاع بنجاح.

وأشار الكاتب إلى أن أربع دول عربية (المملكة العربية السعودية، ومملكة البحرين، والإمارات العربية المتحدة، ومصر) فرضت حظرًا على قطر منتصف عام 2017، على أمل أن يجبر الحظر الإمارة الغنية بالغاز على الركوع والامتثال لقائمة من 13 مطلبًا، تضمَّنت قطع العلاقات مع إيران وجماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى إغلاق قناة الجزيرة التي تموِّلها الحكومة القطرية. وعلى عكس المتوقع فقد حفَّزت الأزمة الاقتصاد القطري – تأسست 47 ألف شركة منذ عام 2017 – وعززت الفخر الوطني بالمنتجات المصنوعة محليًّا. ونفَت الدوحة الاتهامات مرارًا وتكرارًا قائلة: إن الهدف من الحظر هو تقويض سيادتها، وردَّت على الحصار بتحدٍ من خلال فتح خطوط تجارية جديدة، بما في ذلك الخطوط التجارية مع تركيا وإيران المجاورة.

وقال المسؤول الصحافي في شركة ألبان قطرية عملاقة تدير واحدة من أكبر مزارع تربية المواشي في الخليج لوكالة رويترز الإخبارية: «إن قطر بعد الخامس من يونيو (حزيران) عام 2017 ليست مثل قطر من قبل». وتعد جهود الدوحة الشرسة لتعزيز صناعتها الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي أحد الاستجابات السياسية الرئيسة للحصار، على الرغم من أنها تخاطر بتسريع استنفاد مياهها الجوفية.

وفي الأيام الأخيرة من رئاسة دونالد ترامب، تشير «بعض التحركات» إلى أن الخلاف المستمر منذ ثلاث سنوات ربما ينتهي؛ إذ ورد أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو وصهر ترامب جاريد كوشنر دفعا قدمًا باتجاه اتخاذ خطوة أخيرة لإنهاء الخلاف. وقال مستشار الأمن القومي الأمريكي: «لا يوجد منتصر في هذه الأزمة، وكلنا خاسرون». وقالت مصادر لـ«رويترز» إنه يمكن الإعلان عن اتفاق مبدئي خلال القمة السنوية لمجلس التعاون الخليجي المقرر عقدها في شهر يناير (كانون الثاني) عام 2021.

قطر

الفرص وأوجه التآزر الضائعة

يلفت الكاتب إلى أن أزمة دول مجلس التعاون الخليجي أثبتت أنها تمثل تحديًّا لوجستيًّا لآلاف الشركات التي تدير أعمالًا في جميع أنحاء المنطقة، وتدير أصولًا مادية عبر الحدود من مقارِّها الرئيسة في دولة الإمارات العربية المتحدة. وأعلنت شركة «داماك» للتطوير العقاري، التي يقع مقرها الرئيس في دبي، عن إطلاق مشروع برج سكني جديد مكون من 31 طابقًا في قطر قبل أيام قليلة من اندلاع النزاع.

وقال مصرفيون في الرياض لوكالة «رويترز»: إن البنك المركزي السعودي «حظر على نحو أساسي التعاملات الجديدة مع أي مؤسسة قطرية»، رغم أن تكلفة تصدي القطاع المصرفي في المملكة لقطر بلغ 30 مليار دولار في الأيام الأولى للأزمة. وأعطى فصلُ الاقتصادات القطرية عن الاقتصادات الإماراتية – السعودية المتشابكة في السابق مجلسَ التنسيق السعودي – الإماراتي مزيدًا من الزخم. وعقد المجلس اجتماعه الأول في عام 2018؛ مما يشير إلى تحوُّل نحو العلاقات الثنائية عبر الحوار الإقليمي.

وظهرت الموانئ العمانية باعتبارها مركزًا بديلًا لإعادة شحن المنتجات ونقطة عبور لرجال الأعمال في دبي للتحايل على تعليق الرحلات الجوية إلى قطر. وأصبح لِزامًا على المزارعين السعوديين الذين كانوا يصدِّرون المنتجات الغذائية إلى محلات السوبر ماركت في الدوحة العثور على عملاء جدد؛ إذ انخفضت الصادرات من المملكة العربية السعودية إلى قطر بنسبة 99٪ مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة.

وفي هذا الصدد يقول سكوت ليفرمور، كبير الاقتصاديين في أكسفورد إيكونوميكس الشرق الأوسط لموقع «المونيتور»: إنني «لا أعتقد أن اقتصادات الخليج في حال أفضل في ظل الأزمة من حالها دون الأزمة».

وفي الواقع قضى الصدع الذي حدث بين البلدين على تدفق السياح السعوديين الذين كانوا يشكِّلون حوالي ثلث زوار قطر البالغ عددهم 2.94 مليون زائر في عام 2016، وعلى الرغم من تفاخر كلا الجانبين بالنجاح الاقتصادي، إلا أنه يأتي على حساب مشاريع إقليمية محورية كان يمكن أن تحقق فوائد اقتصادية. أما أبرز الأمثلة على الفرص الضائعة فتتمثل في السكك الحديدية في دول مجلس التعاون الخليجي، وهي شبكة سكك حديدية تأخَّر تنفيذها على نحو متكرر ويبلغ طولها 1350 ميلًا (2172.6 كم) وخُطِّط لها في البداية لربط جميع دول مجلس التعاون الخليجي لكي تسهل تنقل ملايين الركاب وتعزز التجارة الإقليمية وتقلل تكاليف النقل.

وعلاوةً على ذلك قوِّض الخلاف جاذبية اقتصادات الخليج باعتباره سوقًا واحدة؛ إذ يخشى بعض المستثمرين الدوليين أن تطغى المنافسات السياسية على سيادة القانون والمصالح التجارية. وفي هذا الشأن يقول ليفرمور: «يُحب المستثمرون الاستقرار ويكرهون المجهول».

مخاوف من ترحيل عالم دين من مسلمي الإيغور في السعودية إلى الصين

حرب إعلامية مُكلِّفة في واشنطن

وأوضح الكاتب أن الأزمة وقَعتْ في وقتٍ كشف فيه انهيار أسعار النفط في المدة من 2014 حتى 2016 عن ضعف اقتصادات الخليج. وأجبرت جائحة فيروس كورونا المُستجد صنَّاع القرار على التصرف بسرعة وتطبيق ضرائب لم يكن من الممكن تصوُّرها سابقًا في محاولة لحماية الأوضاع المالية العامة.

ويتحدى التقشف المالي استقرار دول الخليج المستبدة التي تستمد شرعيتها من عقد اجتماعي فريد من نوعه يضمن للمواطنين مزايا سخية مقابل الابتعاد عن السياسة وأمور الحكم. ولذلك حذَّر وزير المالية السعودي من ضرورة اتخاذ «إجراءات صارمة ومؤلمة».

وفي الوقت نفسه أنفقت الحكومات الإماراتية، والسعودية، والقطرية، ما مجموعه 190 مليون دولار للضغط في واشنطن بين عامي 2016 و2020 من أجل تأجيج حرب إعلامية، حسبما أفاد مركز السياسات، وهو عبارة عن مجموعة بحثية توفر بيانات حول نفقات الضغط.

يقول بن فريمان، مدير مبادرة شفافية التأثير الأجنبي: إن «شركات الضغط هي الفائز من أزمة دول مجلس التعاون الخليجي». وقال لـ«المونيتور»: إن شركات الضغط التي عملت على أزمة دول مجلس التعاون الخليجي هي على الأقل «متواطئة في استمرار الأزمة».

«مجلس التعاون الخليجي.. مات بالفعل»

يقول الكاتب: في أعقاب الجائحة، كان بمقدور دول مجلس التعاون الخليجي أن تلعب دورًا نشطًا في تنسيق جهود التنويع الاقتصادي؛ إذ يتضمن ميثاق التحالف تحفيز تعاون القطاع الخاص، والتقدم التكنولوجي. لكن نبيل نويرة، المحلل المهتم بشؤون دول الخليج، يعتقد أن صيغة مجلس التعاون الخليجي الموحَّد ليست مطروحة في الأفق المنظور؛ لأن الدول الست الأعضاء في منافسة اقتصادية الآن بعضها ضد بعض. وقال نويرة: «إن مجلس التعاون الخليجي ميت بالفعل، ولا ينبغي أن نتوقع الكثير منه».

ويذكر الكاتب أنه حتى قبل اندلاع الأزمة في عام 2017 أدَّت المصالح المتنافسة والافتقار إلى مواءمة السياسات والتكامل الاقتصادي البطيء إلى شلِّ التحالف السياسي والاقتصادي الذي تأسس قبل أربعة عقود، والذي غالبًا ما يوصف بأنه «مطية لتحقيق طموحات المملكة العربية السعودية». إن مشروع العملة الموحدة والبنك المركزي الخليجي الذي كان متوقعًا في عام 2010 لم يرَ النور مطلقًا، وأصبح الفشل في فرضٍ مشتركٍ لضريبة القيمة المضافة بنسبة 5٪ رمزًا للتعاون الإقليمي غير الفعَّال. وفي الواقع لم تطبِّق عمان، أو الكويت، أو قطر هذه الضريبة بعد، في حين ضاعفتها السعودية ثلاث مرات لتصل إلى 15٪ في شهر يوليو (تمّوز) الماضي.

ويختتم الكاتب مقاله مشيرًا إلى أن انخفاض أسعار النفط واحتمال حدوث تحوُّل عالمي في مجال الطاقة في العقود المقبلة لم يترك أمام ولي عهد المملكة العربية السعودية والحاكم الفعلي للبلاد الأمير محمد بن سلمان سوى خيارات قليلة لتسريع الإصلاحات الاقتصادية التي طال انتظارها، مع المخاطرة بتحدي مكانة الإمارات التي لا خلاف على أنها مركز الخليج الاقتصادي. وأضاف نويرة: «إن الصراع السعودي الإماراتي قادم لا محالة».

ولذلك قال الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب إنه «يأمل» أن تعمل دول الخليج على تحقيق «المستقبل التعاوني» الذي تصوره أمير الكويت السابق (الأمير صباح الأحمد الجابر الصباح)، والمدافع المخضرم عن وحدة الخليج الذي وافته المنية في التاسع والعشرين من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي بعد سنوات من المحاولات الفاشلة لإنهاء أزمة مجلس التعاون الخليجي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد