حاولت إسرائيل، في العقود التي أعقبت تأسيسها المصبوغ بالعنف، أن تحجز لنفسها مكانًا في العالم الصاعد المناهض للاستعمار. وعلى الرغم من دورها الواضح باعتبارها محتلًّا في عالم اليوم، فإنها لا تفتأ تحاول القيام بالأمر نفسه: إقامة علاقات مع الدول الأفريقية؛ لحماية نفسها من الانتقادات بأنها دولة فصل عنصري.

مفارقتان رصدتهما مجلة «جاكوبين»، في مستهل استعراضها لمقابلةٍ أجراها جون جاكوبس، الأستاذ المشارك في الشؤون الدولية في جامعة «المدرسة الجديدة» البحثية الخاصة، والكاتب الصحفي ويليام شوكي، مع يوتام جيدرون، باحث دكتوراه في التاريخ الأفريقي بجامعة دورهام، ومؤلف كتاب «إسرائيل في أفريقيا: الأمن والهجرة والسياسة بين الدول»، للحديث عن تدافع إسرائيل صوب أفريقيا.

سياسة

منذ 4 سنوات
«لوس أنجلوس تايمز»: إسرائيل دولة فصل عنصري

تستهل المقابلة، التي أذيعت مؤخرًا في إحدى حلقات البرنامج الأسبوعي AIAC Talk «أفريقيا دولة»، بالحديث عن سعي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بمساعدة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إلى حشد الشرعية لإسرائيل خارج واشنطن، خلال السنوات الأخيرة. ففي النصف الثاني من عام 2020، استعادت إسرائيل علاقاتها الدبلوماسية، جزئيًا أو كليًا، مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين، في الشرق الأوسط، وكذلك مع السودان والمغرب في أفريقيا.

وعلى الرغم من مغادرة ترامب البيت الأبيض، فإن حملة إسرائيل الرامية لتوسيع رقعة التطبيع لم تضع أوزارها بعد، وتحظى أفريقيا بأهمية خاصة لدى إسرائيل في هذا السعي. وكما قال نتنياهو نفسه عام 2017 لسفراء إسرائيل إلى أفريقيا: 

«تتكون الأغلبية التلقائية ضد إسرائيل في الأمم المتحدة – في جوهرها – من الدول الأفريقية. توجد 54 دولة؛ إذا غيَّرت نمط تصويت أغلبيتها، فإنك بذلك تكون قد نقلتهم فورًا إلى الجانب الآخر. لقد تغير ميزان الأصوات المناهضة لنا في الأمم المتحدة، واليوم الذي سنحصد فيه الأغلبية هناك ليس ببعيد».

ووجود إسرائيل في القارة الأفريقية ليس مجرد ظاهرة حديثة كما يشير جيدرون، بل «رأى السياسيون الإسرائيليون والمنظمات والجهات الفاعلة الموالية لإسرائيل، عبر التاريخ، أن تدخل إسرائيل في أفريقيا يساعد في إعادة صياغة الرواية الدولية حول الوضع في إسرائيل / فلسطين، ومواجهة الانتقادات الموجهة لإسرائيل باعتبارها دولة استيطانية استعمارية وتمييزية».

Embed from Getty Images

خلال السنوات التي أعقبت تأسيس الدولة في عام 1948، سعت إسرائيل إلى تصوير نفسها بوصفها جزءًا من العالم الصاعد المناهض للاستعمار، ونجحت في إقامة علاقاتٍ مع قادة ما بعد الاستعمار، مثل: الغانيّ كوامي نكروما، والتنزانيّ جوليوس نيريري. لكن بحلول أوائل السبعينيات، كانت حقائق الاحتلال الإسرائيلي قد نخرت في أوصال هذه العلاقات، وقطعت دول في مختلف أنحاء القارة – باستثناء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا – علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل. لكن اليوم، كما يصف جيدرون في هذه المقابلة، تسعى إسرائيل مرة أخرى إلى تجميل صورتها من خلال العودة إلى أفريقيا.

كيف أصبحتَ مهتمًّا بالعلاقات الإسرائيلية مع الدول الأفريقية؟

يوتام جيدرون: تتشابك قصتي جزئيًّا مع السياسة الأوسع التي يرويها الكتاب. بدأتُ العمل مع لاجئين من القرن الأفريقي منذ حوالي 10 سنوات. كنت أدرس القانون في ذلك الوقت، وعملت مع باقة من منظمات المجتمع المدني في قضايا حقوق اللاجئين.

في عام 2012، رَحَّلَت إسرائيل جالية جنوب السودان فور استقلال دولتهم. فورًا وبلا تردد، تخليتُ عن مستقبلي القانوني، وتحوّلت إلى دراسة التاريخ الأفريقي والسياسة الأفريقية. بدأتُ بجانبٍ من القصة، هو: الهجرة، ولكن بعد ذلك، بدأت تدريجيًّا في النظر إلى الصورة الأوسع. وسبب رغبتي في تأليف كتابي يرجع جزئيًا إلى عدم وجودِ مُؤَلَّفٍ مثله؛ ما أشعرني بوجود فجوةٍ غريبة، يتحتم عليّ ملؤها.

غالبًا ما ينظر الناس إلى أفريقيا على أنها لا تحظى بمكانةٍ مركزيّة على رقعة مناورات السياسة الخارجية للبلدان الأجنبية. غالبًا ما يُنظَر إليها على أنها مجرد اسمٍ على قائمة المساعدات والبعثات الإنسانية وما إلى ذلك. فلماذا تهتم إسرائيل بأفريقيا؟ ولماذا أرادت بسط نفوذها في القارة؟

يوتام جيدرون: هناك العديد من الإجابات، ويتوقف الأمر على ما إذا نظرنا إلى الفترة الأخيرة، أو التاريخ الممتد. لكن بعض الخطوط العريضة متشابهة جدًا. كان الوضع الإسرائيلي، منذ لحظة تأسيسها كدولة في عام 1948، إشكاليًا: هل هي كيان شرعي؟ أم دولة لشعبٍ محرّر، في مرحلة ما بعد الاستعمار؟ أم دولة استعمارية استيطانية؟ أم بؤرة إمبريالية؟

لطالما كانت أفريقيا بالنسبة لإسرائيل كمرآةٍ تسمح لها بمحاولة إعادة صياغة الرواية التي تحكي قصة ما كان يحدث في إسرائيل / فلسطين. ففي أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، عندما كان عديد من الدول الأفريقية يحصل على استقلاله، كانت إسرائيل تبذل جهودًا شديدة التركيز لتعبئة أكبر عدد ممكن من الدول في القارة لحجز مقعدٍ لإسرائيل في العالم الأفروآسيوي. لم تكن إسرائيل بحاجة إلى الشرعية فحسب، بل كانت بحاجة أيضًا إلى حصد الأصوات في الأمم المتحدة لمواجهة ضغط دولنا في قضايا مثل اللاجئين الفلسطينيين.

Embed from Getty Images

نرى بعض هذه القضايا تعود عبر ممرات التاريخ. فمن بين الأسباب التي دفعت إسرائيل للعودة إلى أفريقيا منذ حوالي عقد من الزمان: المحاولات الفلسطينية لتعبئة المجتمع الدولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، والتي أعتقد أنها ذكّرت الإسرائيليين كم أنهم بحاجة إلى دعم دبلوماسي من أفريقيا.

على منظورٍ أكثر إستراتيجية، نجد أن إسرائيل تقع على حدود أفريقيا. صحيح أن إسرائيل لم تعد في حالة حربٍ مع مصر، ولكن لسنوات عديدة كانت مصر هي القوة العسكرية الرئيسية في المنطقة التي تهدد إسرائيل. لذلك كان من المهم دائمًا أن تقيم إسرائيل تحالفات عسكرية مع دول الجوار المباشر، بما في ذلك بلدان القرن الأفريقي.

في بداية الكتاب، تروي كيف بدأت إسرائيل تتعامل بجدية مع أفريقيا. هل يمكنك إخبارنا بالمزيد عن تلك العلاقة؟

يوتام جيدرون: أعتقد أن هناك مفاجآت في تلك القصة: بعض القادة الأفارقة الذين يُنظر إليهم عمومًا على أنهم مناهضون للإمبريالية، ومعادون للصهيونية، ينبئنا تاريخهم بعلاقاتهم الخاصة مع إسرائيل. يخطر في الذهن أشخاص مثل الرئيس الغاني كوامي نكروما والرئيس التنزاني جوليوس نيريري.

 جزء من التوتر بين إسرائيل ومصر في ذلك الوقت كان يدور حول: من سيشكل الوحدة الأفريقية؟ هل سنقوم بتعبئة الدول الأفريقية لدعم إسرائيل في هذا الصراع، أم أن هذه الدول ستنضم إلى المعسكر العربي؟ كان هناك سباق بين إسرائيل ومصر لحشد تأييد أكبر عدد ممكن من هذه الدول.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
دبلوماسية إسرائيل العسكرية في أفريقيا.. تسليح وتدريب ومرتزقة

كان نكروما أحد الشخصيات الرئيسية التي ساندت إسرائيل في ذلك الوقت، ودعم جهودها في أفريقيا. إذ كانت غانا هي البوابة الرئيسية التي تعبر منها إسرائيل إلى أفريقيا. وما فعلته إسرائيل أساسًا في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات كان يتمحور حول استثمار الكثير في المبادرات والتطويرات التي تقودها الدولة: الدعم الفني، وبعض مبيعات الأسلحة (رغم أنها لم تكن مهمة في ذلك الحين مثلما أصبحت فيما بعد)، والتعاون بين الشركات الحكومية الإسرائيلية والحكومات الأفريقية في مختلف أنواع المشاريع التنموية. لقد كان جهدًا مُرَكَّزًا، لم تمتلك إسرائيل الموارد اللازمة للحفاظ عليه لفترة طويلة، ولكن كان من المهم للغاية التعاون مع شخصيات مثل نكروما ونيريري لحشد الدعم لإسرائيل.

كانت إسرائيل ترقص على حبلين؛ إذ أرادت الحفاظ على علاقات جيدة مع الدول الغربية و(الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا، لكنها في الوقت نفسه أرادت أن تُظهر للدول الأفريقية أن لها قدمًا في قلب حركة التضامن الأفروآسيوية. هذا جعل إسرائيل تقدم الدعم لحركات التحرير المختلفة (الاتحاد الوطني الأفريقي الزيمبابوي ZANU ،FRELIMO جبهة تحرير موزمبيق) من خلال مكاتبها في ما كان يعرف آنذاك بـ تنجانيقا (الجزء القاريّ الذي اتحد مع جزيرة زنجبار عام 1964 ليكونا سويًا جمهورية تنزانيا الاتحادية). لذلك كان من المهم بحق بالنسبة لإسرائيل أن ترقص في هذين الحفلين في الوقت ذاته.

هل يمكنك أن تحدثنا أكثر عن العلاقة بين إسرائيل ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؟

يوتام جيدرون: كانت هناك فترة حاولت خلالها إسرائيل تصوير نفسها باعتبارها واحدة من هذه الدول الأفروآسيوية، وحاولت التعبير، حتى في الأمم المتحدة، ببيانات بلاغية عن معارضتها الفصل العنصري. لكن في منتصف الستينيات، نفدت أموال هذا المشروع، وكان واضحًا أن إسرائيل تخسر هذه اللعبة في العالم العربي، بتأثير مصر و(رئيسها القومي العربي جمال عبد الناصر).

ثم اندلعت حرب 67، وانهار كل شيء؛ لأن إسرائيل لم تعد قادرة على الادعاء بأنها لم تكن قوة محتلة. كان واضحًا أنها خسرت الحرب الدعائية. حافظت إسرائيل على علاقاتها مع معظم الدول الأفريقية حتى حرب عام 1973، لكن هذه العلاقات كانت تتداعى بالفعل.

في ذلك الحين، ظهر التحالف مع جنوب أفريقيا. بعد حرب 73، قطعت معظم الدول علاقاتها مع إسرائيل. وعقدت إسرائيل بدورها تحالفًا مفتوحًا مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وأقامت معه تحالفًا عسكريًا سريًا مهمًا. وأصبح من الواضح، كما أعتقد، أن هذا التحالف كان له قيمة أكبر بكثير لإسرائيل من الناحية الإستراتيجية والعسكرية من جميع الدول الأفريقية التي قد تدعم إسرائيل أو لا تدعمها في الأمم المتحدة.

تحدثتَ في كتابكَ عن كيف كانت الأنشطة الإسرائيلية تدار في السابق على مستوى الدولة، ثم منذ فترة التسعينيات إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، نرى المزيد من الجهات الفاعلة الخاصة، مثل الوكالات الأمنية والشركات، تضطلع بدورٍ مهيمن على صعيد الدبلوماسية الإسرائيلية. أنت تصفها بأنها دبلوماسية سرية. هل يمكنك الكشف عن هذا الملف؟

هناك ديناميكية تربط بين التوريق (إصدار صكوك ذات قيمة تدر عائدًا وتباع فيما بعد إلى المستثمرين) والخصخصة، حتى أن كلا منهما تغلغل في الآخر تاريخيا. ففي الستينيات، نجد أن الفاعلين الأمنيين كانوا يتمتعون بسلطة متزايدة في تحديد علاقة إسرائيل بدول أفريقيا. وكان الموساد يتخذ خطوات من وراء ظهور جهات فاعلة أخرى، وكانت وزارة الدفاع تتخذ إجراءات، وتبيع أسلحة، وتعقد تعاونًا من وراء ظهور الجهات الفاعلة الأخرى.

Embed from Getty Images

وخير مثال على ذلك، هو: دعم إسرائيل لمتمردي جنوب السودان في الستينيات. ففي أوائل الستينيات، جاء المتمردون وطلبوا منها الدعم، فقالت لهم إسرائيل: «لا، هذا أمرٌ خارج عن نطاق اهتمامنا». ولكن بحلول أواخر الستينيات، تولى الموساد زمام الأمور، وقدم الدعم.

بعد أن قطعت معظم الدول علاقاتها مع إسرائيل، اختفت العلاقات الدبلوماسية، أو أديرت بهدوء شديد. لكن العديد من الجهات الفاعلة الخاصة التي كانت تعمل بالفعل في أفريقيا، بما في ذلك الشركات الأمنية، لم تنزع يدها من القارة بل استمرت في إبرام صفقات تجارية مع دولها. ففي دول مثل كينيا وإثيوبيا، تستطيع الجهات الأمنية إقامة علاقات وثيقة مع الحكومات التي قاومت التطبيع علنًا، أو نفت علاقتها بإسرائيل. هكذا، كانت تدار العلاقة الأمنية الاستخباراتية من وراء ستار.

وكانت الجهات الفاعلة جزءًا من الوجود الرسمي لإسرائيل في أفريقيا، سواء على الصعيد الدبلوماسي أو الأمني، وحين أنهوا أعمالهم، لم يغادروا بل ظلوا متواجدين للعمل، مقاولين خاصين ومستشارين في كل المجالات ووسطاء. نجد ذلك في العديد من البلدان، وبرز بوضوح خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات.

أينما حاولت إسرائيل إعادة بناء هذه العلاقة مع الدول الأفريقية، كانت هذه الشبكات القائمة بالفعل حاضرة لتسهيل المهمة. وبدلاً من إعادة اختراع العجلة من جديد – أي: وضع أسس العلاقة المؤسسية رسميًا بين الدولتين منذ البداية – كانت إسرائيل تكمل من حيث انتهت هذه الشبكات المُخَصخصَة، في مختلف المجالات: الصناعات الأمنية، والتعدين، وغيرها. وهذا ما يشكل عصب الوجود الإسرائيلي في أفريقيا حتى يومنا هذا.

أخيرًا، هل يمكنك أن تحدثنا عن تأثير الخمسينية (حركة دينية بروتستانتية أمريكية) وقضايا الهجرة في تشكيل العلاقة بين إسرائيل وأفريقيا؟

هناك دوافع مختلفة تقف وراء نظرة دول أفريقية لإسرائيل باعتبارها حليفًا مفيدًا محتملاً. ومنها – كما ذكرتَ – الخمسينية، التي كان لها تأثير كبير في هذه المرحلة من العلاقات بين إسرائيل وأفريقيا، بسبب التأثير المتزايد للحركات الخمسينية في السياسة في العديد من البلدان.

دولي

منذ 7 شهور
«ميدل إيست آي»: هذا هو دور دول أفريقيا في سباق التطبيع العربي مع إسرائيل

الأمر المهم هنا هو: أن الحركات الخمسينية عادة ما تكون منفتحة للغاية على تأييد اللاهوت الصهيوني، وليس ذلك بالضرورة بسبب سيناريوهات نهاية الزمان والنظر إلى العالم من منظور التدبيرية (منهج بريطاني لتفسير الكتاب المقدس)، ولكن بدافع الحصول على البركة الإلهية، استنادًا إلى الفكرة القائلة بأن من يبارك إسرائيل ويفعل ما يفيدها؛ سوف يباركه الرب.

كانت الهجرة أيضًا أحد العوامل التي دفعت إسرائيل للعودة إلى أفريقيا خلال العقد الماضي – في ظل توافد اللاجئين الأفارقة إلى إسرائيل في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين – إذ تزايد بحث إسرائيل عن شركاء في أفريقيا يرغبون في استعادة هؤلاء الأشخاص.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد