مجرد الوعد بتبادل البيانات ومشاركتها، التي ستُوفرها حملة إسرائيل السريعة للتطعيم باللقاحات المضادة لكوفيد-19، ساعدها في التوصل إلى إبرام اتفاقية للحصول على لقاح شركة «فايزر». 

نشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية تقريرًا لمراسلها في تل أبيب، مهول سريفاستافا، سلَّط فيه الضوء على حملة إسرائيل لتطعيم شعبها باللقاحات المضادة لكوفيد-19، وكيف استطاعت الحصول على لقاحات أكثر من حاجتها. 

كيف أقنعت إسرائيل الشركات المصنعة للقاح؟

في مستهل تقريره، أشار المراسل إلى أن إسرائيل كانت تتنافس بشراسة في أواخر العام الماضي مع دول أكبر منها بكثير لتوفير إمدادات اللقاحات من الشركات العالمية المصنعة في ظل تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد. لكنها حاليًا أصبحت في طليعة الدول التي لديها أسرع حملة تطعيم باللقاح في العالم؛ نظرًا لامتلاكها فائضًا من اللقاحات يزيد عن حاجتها.

Embed from Getty Images

ويتساءل المراسل: كيف أقنعت إسرائيل، التي لا يكاد يبلغ عدد سكانها 9 ملايين نسمة، الشركات المصنعة التي تغازل الأسواق ومئات الملايين من العملاء المحتملين بتلبية طلباتها أولًا؟ وأجاب قائلًا: إن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في 17 محادثة أُجريت بين ألبرت بورلا، الرئيس التنفيذي لشركة «فايزر»، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الصحة الإسرائيلي يولي إدلشتاين.

يقول المراسل: إن كلًا من نتنياهو وإدلشتاين، المسؤولَيْن الإسرائيليَيْن، وعدا بتنفيذ واحدة من أسرع حملات التطعيم في العالم، بالإضافة إلى تعهُّدِهما بمشاركة البيانات والمعلومات بشأن تأثير التطعيم على جائحة كوفيد-19، طالما ظلت إمدادات اللقاح وفيرة ودون انقطاع. وقد وافقت شركة «فايزر» على هذا، وبدأت عمليات تسليم اللقاحات بحلول منتصف ديسمبر (كانون الأول).

فائض من اللقاحات

وفي مقابلة أجرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» مع وزير الصحة الإسرائيلي، قال إدلشتاين إنه «سيكون بمقدور الشركة أن تفخر وتتباهى بحملة التطعيم في إسرائيل، بالإضافة إلى أنها ستحقق ربحًا وترويجًا للقاح. ودون ذلك لن تكترث أية شركة لمطالبنا؛ لأن الشركات تبحث عن أسواقٍ ذات حجم أكبر من حجم إسرائيل بـ100 ضعف».

ويتوقع المراسل أن تحوز إسرائيل بحلول شهر مارس (أذار) المقبل فائضًا من اللقاحات مع استلامها المزيد من الطلبات من الشركات الثلاث الرئيسة المصنعة للقاحات، مشيرًا إلى أن شحنات لقاح شركة «فايزر» بدأت في الوصول فعليًّا على متن طائرات مُحمَّلة بلقاحات «فايزر / بيونتك» إلى تل أبيب يوم الأحد من كل أسبوع تقريبًا، وتكون في استقبالها كاميرات التلفزيون الإسرائيلي.

وفي الوقت الذي تسارع فيها عدة دول أخرى إلى مضاعفة ما يمكن أن تحصل عليه من اللقاحات التي تحتاج إليها، ويواجه البعض الآخر تأجيلات في استلام اللقاحات، وفَّرت إسرائيل الجرعة الأولى من التطعيم لأكثر من 2.6 مليون إسرائيلي، بينما حصل على الجرعة الثانية ما يزيد قليلًا عن 1.1 مليون إسرائيلي، معظمهم يزيد عمره عن 60 عامًا.

مكاسب سياسية

وفي السياق ذاته صرَّح نتنياهو يوم الأحد قائلًا: «نُجرِي عملية التطعيم بمعدل يصل إلى 10 أضعاف المعدل الذي تتَّبعه الولايات المتحدة»، ووعد نتنياهو بإجراء مليون عملية تطعيم جديدة هذا الأسبوع، مؤكدًا على أنه «لم تقم أية دولة بما تمكنَّا من تحقيقه على أرض الواقع».

Embed from Getty Images

ونوَّه التقرير إلى أن الاتفاقية التي أبرمتها الحكومة الإسرائيلية مع شركة «فايزر»، إلى جانب الفعالية الفائقة لحملة التطعيم، عزَّزت مكاسب نتنياهو السياسية، في ظل سعيه لإعادة انتخابه أواخر مارس القادم. وقد تجول نتنياهو في مراكز التطعيمات، واستقبل الطائرات التي تنقل اللقاحات في المطار، وكان أول مَنْ تلقى التطعيم على الهواء مباشرةً، متفاخرًا بنجاحه في تحقيق المسعى القومي الذي أطلق عليه اسم «العودة إلى الحياة».

وألمح التقرير إلى أن إسرائيل سيصلها لقاح موديرنا الذي طلبته مسبقًا في شهر مارس، بالإضافة إلى أن ملايين من لقاحات أسترازينيكا ستكون في طريقها إلى إسرائيل في الوقت نفسه. وفي غضون ذلك تخطط إسرائيل لتطعيم معظم سكانها البالغين بلقاح «فايزر». يقول إدلشتاين: «لم يزل ما ستفعله إسرائيل بهذه الإمدادات الإضافية من اللقاحات غير واضح».

هل توزع إسرائيل فائض اللقاحات؟

 وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية أن بعض حلفاء الاتحاد الأوروبي، مثل قبرص، طلبوا من نتنياهو فائض اللقاحات، لكن إدلشتاين نفى ذلك، قائلًا: «نحن لسنا بصدد التجارة في اللقاحات الزائدة. نريد التأكد من أننا نمتلك ما يكفينا، وإذا تأكدنا من ذلك فسننْظُر ما الذي يُمكننا فعله لجيراننا المقربين، ووضع الفلسطينيين السيئ في الوقت الراهن ليس في مصلحة إسرائيل». 

ولم تزل السلطة الفلسطينية بانتظار إمدادات «لقاح سبوتنيك V» الروسي ومبادرة «كوفاكس»، التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية لتوزيع اللقاحات المضادة لكوفيد-19. 

وتابع التقرير موضحًا أن المستشفيات في جميع أنحاء إسرائيل تجمع بالفعل بيانات عن تعداد الأجسام المضادة، وترصد مدى انخفاض الإصابات بين هؤلاء الذين تلقوا الجرعة الثانية من التطعيم. وتكشف هذه البيانات أن إسرائيل، على الرغم من أن 40٪ من الإسرائيليين تلقوا الجرعة الأولى على الأقل، لم تتمكن من السيطرة على الجائحة حتى في ظل حملة التطعيم التي نفذتها بوتيرة تفوق باقي دول العالم. 

التحوُّلات الجديدة للفيروس

وأظهرت إحدى الدراسات التي أُجريت على هؤلاء الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا، والذين تلقوا جرعة تطعيم زائدة، انخفاضًا سريعًا بنسبة 60٪ على الأقل في الإصابات الجديدة، إلا أن دراسة أخرى حذَّرت من أن التحولات الجديدة للفيروس تجعل المراهقين ناقلًا مثيرًا للقلق، وسببًا في الانتشار السريع للعدوى؛ مما يعرض آباءهم للخطر. ويتمثل أحد أسباب زيادة معدل الإصابة بالفيروس بإسرائيل في أن نتنياهو بذل قصارى جهده لإقناع الإسرائيليين من اليهود «الحريديم»، الذين يدعمون حكومته الائتلافية، أن يلتزموا بتدابير الإغلاق، لكنهم لم يلتزموا بذلك.

ويذكر التقرير أن انتشار السلالة الأكثر ضراوة B.1.1.7 المتحولة لفيروس كورونا المستجد، التي اكتشفت لأول مرة في بريطانيا، بين مَنْ لم يتلقوا التطعيم بعد، أدَّى إلى استمرار تدفق أعداد غفيرة من المصابين إلى المستشفيات، واقتربت الإصابات الجديدة من المستويات القياسية. وقد علم البرلمان الإسرائيلي أن عددًا قياسيًّا من الإسرائيليين يخضعون حاليًا لتركيب أجهزة تهوية في المستشفيات. 

من ينتصر.. اللقاح أم الإصابات الجديدة؟

ويصف إدلشتاين الأمر قائلًا: «في تصوري أتخيل الوضع وكأنه سباق بين سيارتين، على اليسار سيارة بها اللقاحات، وعلى اليمين ارتفاع أعداد الحالات والإصابات المتزايدة. وأتمنى أن تفوز سيارة اللقاحات بهذا السباق وتصل أولًا». 

ومن جهته، قال المتحدث باسم شركة «فايزر» في رسالة عبر البريد الإلكتروني: إن «التحليلات المتعلقة بالأوبئة التي أجريناها مع وزارة الصحة الإسرائيلية فريدة من نوعها، إذ إنها ستساعد في إتاحة تقييم ما إذا كان الالتزام بمعدل تطعيم معين سيؤدي إلى مناعة القطيع، فضلًا عن المناعة المباشرة من الإصابة بالفيروس». وأضاف المتحدث باسم «فايزر» أن ذلك سيوضِّح ما إذا كان انخفاض أعداد الحالات كان نتيجة للمناعة التي اكتُسِبت من اللقاح أم بسبب مناعة القطيع.

صحة

منذ 4 شهور
10 أسئلة تشرح لك كل ما نعرفه عن سلالة كورونا الجديدة التي ظهرت في بريطانيا

وفي الختام استشهد التقرير بما قاله يولي إدلشتاين، وزير الصحة الإسرائيلي: «ليس هناك بيانات أو معلومات يمكن مشاركتها رسميًّا مع شركة «فايزر» حتى الآن؛ لأن إسرائيل لم تصل بعد إلى مناعة القطيع التي يُسببها اللقاح. ويشعر وزراء الصحة في الدول الأخرى بالغيرة من إسرائيل».

ويضيف إدلشتاين: «يقول لي نظرائِي في دول أخرى إنني قد أكون وزير الصحة الوحيد في العالم الذي يمكن أن تعلو الابتسامة وجهه الآن. وأنا أخبرهم أن الأمر أشبه بالممثلين المسرحيين في روايات الأساطير اليونانية؛ إذ يعلو نصف وجهي ابتسامة، والنصف الآخر يجهش بالبكاء».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد