نشرت مجلة «فورين بوليسي» تقريرًا للكاتب مارتن جيلين حول قرار اليابان بزيادة الهجرة إلى البلاد؛ لمواجهة التحديات السكانية ونقص العمالة. وعززت الحكومة اليمينية في اليابان مسألة الهجرة دون أن تلقى أية معارضة؛ الأمر الذي دفع الكاتب إلى محاولة التعرف على كيفية تجنب الحكومة اليابانية ردود الأفعال السياسية التي يعاني منها الغرب عند إقدامه على خطوة مماثلة.

اليابان.. التحول من مجتمع متجانس إلى متنوع

يستهل الكاتب المشهد بوصف حي أوينو الصاخب في وسط طوكيو، حيث تشم في الشوارع رائحة لحم الضأن المُتبل بالكمون، والشيش كباب، والكفتة. وتعلن إحدى واجهات المتاجر عن خدماتها المالية بأكثر من 20 لغة، وتبيع المتاجر الوجبات الكورية الخفيفة الجديدة، وتقدم الشاي التايواني، ووجبات الكاري البنجابي. وفي أحد مطاعم العشاء الياباني التقليدية القريبة، يجلس مجموعة من الشباب السنغاليين يدردشون بلغة الوُلوفية السنغالية المحلية.

ومثل هذه المشاهد قد تكون مألوفة في نيويورك أو هونج كونج، لكنها أقل شيوعًا في طوكيو، المدينة غير المعروفة تقليديًا بتنوعها العالمي. ويستدرك الكاتب قائلًا: لكن هذا الوضع بدأ يتغير. ففي حين تتسم منطقة أوينو بتعدد الثقافات نسبيًا مقارنة ببقية مناطق طوكيو منذ ثمانينات القرن الماضي، أصبحت العاصمة بأكملها تتسم بالتنوع على نحو متزايد.

وفي العقود المقبلة، سوف تنتشر أحياء مماثلة في جميع أنحاء اليابان، مع مضي البلاد قدما في إجراء إصلاحات جذرية تتعلق بالهجرة. ولكن حتى مع نمو الهجرة في هذا البلد المتجانس تقليديًا، يبدو أن اليابان تتجنب حدوث رد فعل عكسي يميني متطرف كالذي اجتاح الغرب في السنوات الأخيرة.

يضيف الكاتب: في أوروبا والولايات المتحدة، يبدو أن قضيتي الهجرة والهوية الوطنية تستهلكان كل السياسة. أما في اليابان، على الرغم من سمعتها بأنها دولة مغلقة ومتجانسة وتتسم برهاب الأجانب، فإن الزيادة الكبيرة في الهجرة قوبلت في الأغلب بقدر من اللامبالاة. وبالرغم من أن المشاعر المناهضة للمهاجرين منتشرة على نطاق واسع، إلا أنها غير متجذرة، أو هذا ما يشي به عدم وجود معارضة جوهرية لها.

فرصة ذهبية للمهاجرين للاستقرار

يعيش اليوم ما يقرب من ثلاثة ملايين مهاجر في اليابان، من أصل عدد سكانها البالغ 126 مليونًا. وهذا الرقم يُمثل ثلاثة أضعاف عدد المهاجرين في عام 1990. وبينما تعاني اليابان من تسارع شيخوخة السكان، وتقلص القوى العاملة المحلية، فإنها تتطلع لزيادة أكثر في هذا العدد (من المهاجرين).

Embed from Getty Images

وفي شهر أبريل (نيسان) عام 2019، نفذت طوكيو إصلاحًا تاريخيًا في مجال الهجرة، فوسعت برامج التأشيرات لتسمح لأكثر من 345 ألف عامل جديد بالهجرة إلى اليابان خلال السنوات الخمس التالية. وبذلك سيتمكن العمال ذوو المهارات المتواضعة من الإقامة في اليابان لمدة خمس سنوات، بينما سيسمح للعمال الأجانب ذوي المهارات المتخصصة بالبقاء إلى أجل غير مسمى، إلى جانب أفراد أسرهم؛ مما يشير إلى أن العديد من هؤلاء العمال قد يبقون إلى الأبد.

وتزايدت الهجرة إلى اليابان وعدد العمال الأجانب في البلاد على نحو مطرد منذ عام 2013، عندما وسعت الحكومة برامج المتدربين لجذب مئات الآلاف من المهاجرين المؤقتين. وفي عام 2017، بسّطت اليابان هجرة العمال الأجانب المهرة بمشروع قانون جديد أقرته سريعًا. وبحسب ما ذكرت أستاذة الأعمال في جامعة شوا للنساء في طوكيو، ناوهيرو ياشيرو، يُقدّر أن يشكل العمال الأجانب 40% من صافي زيادة القوى العاملة عالية المهارة في اليابان على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويخلص الكاتب إلى أن هذا النمو في الهجرة، بدوره، يغير صورة اليابان من متجانسة عرقيًا إلى متنوعة إلى حد ما. فمن بين سكان طوكيو في عمر العشرينات، أصبح واحدًا من كل 10 مواليد من أصل أجنبي. ولم تعد طوكيو مكانًا شاذًا. فكثير من تدفقات الهجرة تحدث في المدن الصناعية الصغيرة في جميع أنحاء البلاد، مثل شيموكابو في وسط هوكايدو، وأويزومي في مقاطعة جونما، حيث يشكل السكان المهاجرون أكثر من 15% من السكان المحليين. وفي مقاطعة مي شبه الريفية، الواقعة شرق أوساكا وكيوتو، عوضت الهجرة الأجنبية معدل الخسائر البشرية التي منيت بها المنطقة على مدى سنوات.

أسباب ديموجرافية وراء التوسع في الهجرة

يقول الكاتب: على الرغم من هذا التوسع، لم تشهد اليابان شيئًا يشبه رد الفعل الشعبوي الحادث في أوروبا أو الولايات المتحدة، حيث تصاعد الاستقطاب السياسي بصورة متزايدة بسبب الآراء المختلفة بشأن الهجرة والهوية الوطنية. والواقع أن إصلاحات الهجرة الأخيرة لم تلق تدقيقًا أو اهتمامًا يُذكر من وسائل الإعلام. وفي هذا الصدد، قالت ناوهيرو ياشيرو: «بوجه عام، لم يكن هناك الكثير من الجدل حول القانون».

ويمكن أن يُعزى كثير من تلك الأوضاع إلى الرسائل الحكومية الواضحة من وراء هذه الإصلاحات، ومن يقف وراءها. فرئيس الوزراء المحافظ شينزو آبي لم يستند في دعمه لسياسة الهجرة المتغيرة على أي مخاوف إنسانية، بل استند على حجج ديموجرافية (سكانية) براجماتية (حيث تتغير الحقيقة بتغير الواقع) فقط.

Embed from Getty Images

فبحلول عام 2050، من المتوقع أن يزيد عدد سكان العالم بمقدار ملياري شخص، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، ولكن من المتوقع أن يتقلص عدد سكان اليابان بما لا يقل عن 20 مليونًا. وفي الوقت نفسه، انخفض معدل الخصوبة في اليابان إلى 1.4 طفل لكل امرأة، بينما يبلغ 28% من سكان البلاد أكثر من 65 عامًا. وهذا يعني أن عدد سكان البلاد ينخفض ​​بحوالي 400 ألف نسمة سنويًا.

وفي ظل بطالة تقل باستمرار عن 3% في السنوات الأخيرة، حتى بعد الجائحة، يطلق أرباب العمل أجراس الإنذار بصورة متزايدة بشأن نقص العمالة. والعام الماضي، وللمرة الأولى في تاريخ اليابان، كان عدد الوظائف المتاحة أكثر من عدد الباحثين عن عمل في جميع محافظات اليابان الـ47.

في بلد معروف منذ زمن بعيد بحدوده شديدة الإحكام، يُنظر إلى الهجرة الآن على أنها الحل الأكثر وضوحًا لهذا التحدي الديموجرافي. وبدلًا عن تخفيف قيود الهجرة بوجه عام، طورت اليابان برنامجًا فريدًا للهجرة صاغته بناءً على طلبات محددة للعمال من مختلف البلدان.

العولمة الانتقائية للحفاظ على المجتمع الياباني

يصف الكاتب هذا النهج بأنه نوع من العولمة الانتقائية (حسب الطلب)؛ إذ تطلب اليابان قوى عاملة محددة في 14 قطاعًا تشتد حاجتها إليهم، بما في ذلك الممرضات وعمال الرعاية، وبناة السفن، وعمال المزارع، وميكانيكيّي السيارات، وعمال صناعات صيد الأسماك والبناء.

قال إيجي أوجوما، عالم الاجتماع والمؤرخ في جامعة كيو في طوكيو، الذي أمضى معظم حياته المهنية في البحث والكتابة عن الهجرة والهوية اليابانية: «من المهم أن نفهم أن حكومة آبي أدخلت هذه الإصلاحات؛ ليس لتغيير المجتمع الياباني، ولكن للحفاظ على المجتمع الياباني».

ولكن بالنظر إلى أن مشروع القانون الأخير يسمح بمسار أسهل للعمال الأجانب المهرة للتقدم بطلب للحصول على الإقامة الدائمة، وفي نهاية المطاف، للحصول على الجنسية اليابانية؛ فإن القانون قد يحقق أهدافًا أكثر من مجرد الحفاظ على المجتمع.

وأضاف أوجوما: «سيحاول المزيد من العمال البقاء هنا على الدوام». وتابع: «وحتى إذا لم يكن المقصود من مشروع القانون هو: تغيير اليابان، فمن المؤكد أن لديه القدرة على تغيير المجتمع الياباني على المدى الطويل».

سياسة يابانية متسامحة مع المهاجرين

يوضح التقرير أنه عند مناقشة سياسة الهجرة اليابانية، فإن أول ما يخطر في الأذهان على الفور هو وصف تاريخ اليابان الطويل كدولة منعزلة عن العالم ومنغلقة على نفسها. وجادل مؤرخو السياسة اليابانية بأن سياسة الهجرة المُقيدة وضوابط الحدود الصارمة تشكلت إلى حد كبير من خلال الاحتلال الذي جرى بعد الحرب (العالمية الثانية)، والاستياء التاريخي أيضًا تجاه الأجانب.

Embed from Getty Images

طبق نظام الاحتلال الأمريكي بعد الحرب منطق الحرب الباردة الذي تطلب حدودًا صارمة مع كوريا والصين. وفي كتاب «حدود اليابان: الأجانب والضوابط الحدودية في حقبة ما بعد الحرب»، تقول المؤرخة تيسا موريس سوزوكي: إن «إطار القوانين والمؤسسات التي تقيد الهجرة إلى اليابان اليوم نشأت بالفعل خلال احتلال الحلفاء لليابان بعد الحرب». وخلال العقود التي تلت الحرب، ظهرت صورة جديدة لليابان على أنها «أمة قائمة بذاتها، وفريدة من نوعها، و(نقية) عرقيًا»، بحسب تيسا موريس.

وتحتل اليابان مرتبة عالية إلى حد ما في المؤشرات العالمية الخاصة بقبول المهاجرين والتسامح معهم. ولذلك، فشلت الأصوات القومية اليمينية المتطرفة المعادية للأجانب التي تحتج على القانون الجديد في اكتساب الزخم (اللازم لإعاقته). وفي الواقع يدعم معظم المجتمع الياباني سياسة الهجرة المتغيرة.

وفي استطلاع حديث أجرته شركة نيكي، قال 70% تقريبًا من اليابانيين إنه «من الجيد» رؤية المزيد من الأجانب في البلاد. وفي هذا الصدد، قال إيجي أوجوما، «تشكل الجماعات القومية المناهضة للمهاجرين هنا 1% إلى 2% فقط من الناخبين. إنها ليست مثل أوروبا. ولم يرفعوا أصواتهم (يعترضوا) ضد هذا الأمر حتى الآن».

ويساعد ذلك آبي وحكومته المحافظة على تمرير قانون إصلاح الهجرة. وتجنب آبي وصف مشروع القانون بأنه «سياسة هجرة»، واختار بدلًا عن ذلك تسويقه على أنه استجابة عملية لمطالب قادة الأعمال المحليين.

اتفاقات ثنائية تخدم مصالح الطرفين

يذكر الكاتب أن أحد العوامل المهمة في سياسة الهجرة الجديدة هو: الاتفاقات الثنائية التي صاغتها اليابان مع دول مثل إندونيسيا والفلبين، والتي ستسمح لها بإرسال عشرات الآلاف من العاملين في مجال الرعاية إلى اليابان سنويًا. ويرى كلا البلدين هذا الاتفاق بمثابة انتصار لكلا الجانبين. فاليابان تحصل على العمالة التي تشتد الحاجة إليها، بينما تحصل الفلبين على زيادة في تحويلات المغتربين، وسيعود العديد من العمال في نهاية المطاف إلى بلدانهم، بعد أن تعلموا مهارات جديدة قيمة.

ويضيف الكاتب أن الدعم الأقوى لمشروع القانون جاء من أكثر الأجنحة المحافظة في البرلمان، أما المعارضة فجاءت إلى حد كبير من حزب آبي اليساري، مدفوعة بمخاوف من عدم وجود لوائح تنظم واجبات أصحاب العمل، وهو الأمر الذي يُخشى أن يؤدي إلى الاستغلال.

ويُجبر العديد من العمال الأجانب بالفعل على العمل وقتًا إضافيًا، ويتقاضون أجورًا أقل، وهم عرضة لأن يصادر أصحاب العمل جوازات ووثائق سفرهم. وتذكر الخادمات وعمال الرعاية القادمون من الفلبين بانتظام أن العملاء يعاملونهم معاملة رهيبة، ويبصقون عليهم، ويضربونهم، ويكيلون لهم السباب والإهانات العنصرية. وتلاحظ «شبكة التضامن مع مهاجري اليابان» أن بعض المصانع في مقاطعة جيفو شبه الريفية أقامت حمامات وغرف تبديل ملابس منفصلة (عنصرية) للخدم والعمال الأجانب.

Embed from Getty Images

معاملة العمال المهاجرين ليست على ما يرام

يذكر كاتب التقرير أن العمال الأجانب يلقون معاملة سيئة في اليابان طوال عقود. ووفقًا لتحليل نشرته صحيفة «يابان تايمز» مؤخرًا، اعتمادًا على بيانات حكومية، فإن المشاركين في برنامج المتدربين المثير للجدل في اليابان من المرجح وفاتهم بنسبة أكثر من الضعف مقارنة بنظرائهم من اليابانيين لأسباب تتعلق بالعمل. ولذلك وعدت حكومة آبي، العام الماضي، بإقامة 100 مركز استشاري في جميع أنحاء البلاد للتعامل مع قضايا الإساءة التي تقع في محل العمل ضد العمال المهاجرين والمتدربين.

ووقعت بعض هذه القضايا عندما أُجيز قانون الهجرة الجديد في ديسمبر (كانون الأول) 2018. وكانت المخاوف التي أثيرت في البرلمان تدور في الغالب حول الاندماج الاجتماعي وحقوق العمل.

وينقل الكاتب الأسئلة المتداولة في هذا الشأن، مثل: كيف نستعد لتوفير سبل معيشتهم؟ وكيف نحمي حقوقهم كعمال؟ وماذا عن رفاهيتهم الاجتماعية؟ وماذا عن سكنهم؟ وماذا عن تعليمهم اللغة اليابانية؟ أجاب أكيرا ناجاتسوما، من الحزب الديمقراطي الدستوري المعارض في اليابان، في مقال رأي: «لم يجر التعامل مع أي من هذه الأمور».

كان هذا الجدل شائعًا في نقاش الهجرة في أوروبا والولايات المتحدة في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، عندما كان المحافظون المؤيدون لأصحاب الأعمال يضغطون في الغالب من أجل السماح بمزيد من المهاجرين والعمال الضيوف، في حين عبرت النقابات العمالية عن قلقها بشأن حقوق العمال والضغوط التي تمارس لخفض الأجور.

ماريا الفلبينية تخطط للبقاء إلى الأبد في اليابان

ويسرد الكاتب القصة التالية: في العام الماضي، زرت منزل شخصية تلفزيونية يابانية، وزوجته الأمريكية، وخادمتهما الفلبينية، ماريا، في حي ميجورو الراقي في طوكيو. وتعمل ماريا، التي طلبت عدم ذكر اسمها الأخير، لدى العائلة طوال العقد الماضي، لكنها تعيش على بعد ساعة في بلدة كاناجاوا. وفي السنوات الأخيرة، نشأ جيب صغير من المهاجرين الفلبينيين في تلك البلدة، وتتوقع ماريا وصول المزيد من المهاجرين في المستقبل. وقالت إن مشروع قانون الهجرة الجديد سيغير قواعد اللعبة بالنسبة للجالية الفلبينية في طوكيو.

قالت ماريا: «لدي أربعة أقارب يخططون للانتقال إلى هنا الآن للعمل بعد إقرار قانون الهجرة الجديد. ابنة أخي ممرضة مُجازة في بلدها، لكنها عاطلة عن العمل لسنوات، لذا سوف تنتقل إلى هنا هذا الصيف أيضًا». وأضافت: «كثير من الناس في الفلبين متحمسون للغاية؛ لأنهم يعرفون أن بامكانهم كسب المزيد من المال هنا الآن».

Embed from Getty Images

وعلى مدار العام الماضي، نشرت الصحف اليابانية في كثير من الأحيان قصصًا متفائلة حول مئات الممرضات والعاملين في مجال الرعاية الذين يصلون إلى اليابان من الفلبين. وحصلت ماريا على إقامتها الدائمة منذ عامين، وتخطط للبقاء هنا إلى الأبد. كانت العملية القانونية طويلة ومكلفة، لكن الأسرة التي تستخدمها دفعت معظم الرسوم القانونية. وفي ظل مشروع القانون الجديد، من المتوقع أن تكون عملية طلب الإقامة الدائمة أكثر سلاسة.

تعيش ماريا مع زوجها، عامل صيانة في مدرسة دولية، وابنتهما التي تعمل في مصنع لتجهيز طبق الـ«رامن» (حساب المعكرونة) الياباني. وقالت: «أعتقد أنني بدأت أشعر بأنني أنتمي إلى هنا». وتابعت «لقد كنت هنا منذ فترة طويلة. الناس لطفاء بوجه عام. أعاني من التنمر من حين لآخر، ومعظم المتنمرين من كبار السن، وليسوا من الشباب مطلقًا».

عنصرية اليابان أرحم من نظيرتها في أمريكا

ويؤكد الكاتب أن كراهية الأجانب المنتشرة على نطاق واسع في اليابان ليست خرافة. ففي عام 2010، اتهم خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة اليابان بالعنصرية، والتمييز، واستغلال العمال المهاجرين. لكن الهجرة المتزايدة لم تغير سياسات اللجوء الصارمة للبلاد؛ إذ شهد عام 2018 الموافقة على 42 طالب لجوء فقط، من بين حوالي 10 آلاف متقدم.

ويمكن لمعظم الأجانب هنا مشاركة الكثير من الحكايات عن العنصرية التي يصادفونها. وحول هذا الأمر، يقول باي ماكنيل، وهو أمريكي من أصل أفريقي عاش في طوكيو منذ عقدين: إنه يتعرض للعنصرية كل يوم تقريبًا، «لكنها ليست سيئة كما هو الحال في أمريكا».

وقبل بضع سنوات، كتب ماكنيل تعليقًا في مدونته، حاز انتشارًا واسع، وتناول ما أسماه «مقعد  جايجين» والتي تعني «أجنبي» باللغة اليابانية. وذكر ماكنيل أنه كلما جلس في مترو الأنفاق، وكان إلى جواره مقعدًا خاليًا، يرفض السكان المحليون الجلوس عليه. وأضاف ماكنيل: «عادة ما أسمع الناس يقولون باللغة اليابانية إنه من المخيف جدًا الجلوس إلى جانب رجل أسود».

ومع ذلك، يقول ماكنيل إنه يفضل رهاب الأجانب العرضي في اليابان على العنصرية الهيكلية في أمريكا. ويضيف: «إن العنصرية هنا أشبه بمن يضربك في عراك بالوسائد».

وتشير الأمثلة التي لا حصر لها من الإساءة والمضايقة في مكان العمل إلى مشكلة أكبر تتعلق بالاندماج الاجتماعي. فعاجلًا أم آجلًا، ربما تواجه اليابان نقاشًا على الصعيد الوطني حول معنى أن تكون يابانيًا في القرن الحادي والعشرين. ويستطيع عدد قليل فقط من الدول التي تمر بتحولات ديموجرافية أن يتجنب هذه التحديات.

لكن تصرفات الدول المجاورة في هذا الشأن تدعو للتشاؤم. فعندما قبلت كوريا الجنوبية 500 لاجئ يمني في عام 2018، حدثت عاصفة من الاحتجاجات، وشهدت الشوارع مسيرات تطالب بإعادة اليمنيين إلي بلدانهم، واصفة إياهم بـ«اللاجئين المزيفين».

Embed from Getty Images

حياة السود.. مسألة تستحق الأهتمام

إن الاحتجاجات التي جرت في جميع أنحاء العالم لدعم حركة الولايات المتحدة المناهضة للعنصرية التي ترفع شعار «حياة السود مهمة» اكتسبت زخمًا في اليابان. ففي أوائل شهر يونيو (حزيران)، شارك الآلاف من الأشخاص في احتجاجات «حياة السود مهمة» التي جرت في طوكيو، والتي أسهمت في إثارة نقاش على مستوى البلاد حول مضايقة المهاجرين والأجانب، وكذلك العرق. لكن القضية لم تحل بعد؛ فعندما غردت نجمة التنس اليابانية نعومي أوساكا، ثنائية العرق، داعمًة للاحتجاجات، قوبلت بفيض من المضايقات عبر الإنترنت.

وقال أستاذ الأعمال ياشيرو إنه يتوقع الكثير من «الاحتكاك الاجتماعي» في اليابان على مدى السنوات القادمة، حين يصل مئات الآلاف من المهاجرين الجدد إلى بلد لم يعتاد على التنوع. لكن أوجوما وخبراء آخرين يستبعدون أن تشهد اليابان ردة فعل قومية، وليس واردًا على الإطلاق أي ذكر للتمرد السياسي المنظم.

لكن إذا ظهر رد فعل معادٍ للأجانب في نهاية المطاف، كيف سيبدو؟ يستبعد معظم الخبراء الذين استطلع التقرير آراءهم أن يتخذ شكلًا سياسيًا منظمًا. «فالقوميون الذين يكرهون الأجانب لا علاقة لهم بالسياسة بوجه عام. وقال أوجوما: «إذا كان هناك رد فعل، فمن المرجح أن يبدأ على أنه انتفاضة محلية ضد طوكيو، أي ثورة شعبية ضد الحكومة المركزية، كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي.. لكني لا أرى أن ذلك قد يحدث الآن. فاليمين المتطرف هنا مُشرذم للغاية، وكل فصيل يريد أشياء مختلفة. لذلك أنا لا أشعر بالقلق حيال حدوث انتفاضة منظمة».

ويخلص الكاتب في ختام تقريره إلى أنه من الصعب التكهن بالنتائج السياسية لجائحة فيروس كورونا المُستجد. فمن خلال الإنفاق التحفيزي الهائل ونظام الرعاية الصحية القوي والشامل، نجحت اليابان في تجاوز هذه الجائحة إلى حد ما. وبلغت نسبة البطالة في شهر أبريل 2.5%.

وفي حين كانت هناك بعض القصص عن زيادة المضايقة العنصرية للعمال الأجانب، مصحوبة بالتشكيك الناشئ تجاه العولمة والهجرة، فإن اليابان في الوقت الحالي هي واحدة من البلدان القليلة التي لا يُعد الاستياء فيها من المهاجرين أحد السمات المميزة للسياسة. وعلى الرغم من اشتهارها بأنها دولة منعزلة وكارهة للأجانب، أصبحت اليابان حالة مميزة على الساحة السياسية العالمية، وأظهرت أن الهجرة يمكن أن تتزايد دون أن يحدث رد فعل جماعي مناهض.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد