قالت جودي ديمبسي في تقرير على موقع معهد «كارنيجي» إن التوترات تتصاعد في شرق البحر المتوسط بين اليونان وتركيا، وهما عضوان في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فهل يمكن للأخير حل الأزمة؟

من أجل الإجابة عن السؤال السابق، أجرت ديمبسي مقابلات مع عدد من الخبراء في مجال الأمن والدفاع والعلاقات الدولية.

إليزابيث براوز – زميل باحث في معهد رويال للخدمات المتحدة لدراسات الدفاع والأمن

عندما انضمت اليونان وتركيا إلى الناتو في عام 1952م، افترض أعضاء الناتو بأن عضوية البلدين في الحلف ستعمل على تهدئة سلوكهما بعضهما تجاه بعض. وقد دعيت الصين للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001م على أساس المنطق نفسه.

تاريخ

منذ شهر
الحرب التي أسست لتركيا الحديثة.. قصة انتصار الأتراك على اليونانيين قبل 100 عام

وتسخر الباحثة بقولها: لكن كما يؤكد مستشارو العلاقات الزوجية، لا يمكنك تغيير طبع شخص ما. وهكذا، يجد الناتو نفسه مع دولتين عضوين حليفين رسميًّا، لكن كل منهما يشك في الآخر. فكيف تتوسط بين عضوين دون انحياز؟ يبدو الناتو مشلولًا.

لكن في الواقع، يمكن للناتو حل الأزمة. ربما يؤثر الخلاف بين الدولتين في التحالف، لكن حلف الناتو ما يزال قويًّا في مهمته الرئيسية؛ وهي الدفاع عن الدول الأعضاء ضد التهديدات الإقليمية من الدول الأخرى والجهات الفاعلة غير الحكومية.

يمكن للمرء في الواقع أن يتمنى المزيد من المشاركة من اليونان وتركيا. وفقًا لأحدث إحصاءات حلف الناتو، لا يساهم أي من البلدين في حماية دول البلطيق وبولندا.

فرانسوا هايسبورج – مستشار في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية

يتمثل هدف الناتو به منظمة في ضمان الدفاع الجماعي لأعضائه على أساس معاهدة واشنطن التأسيسية. ولم ينشأ قط للفصل في النزاعات بين أعضائه. لذلك لا ينبغي التفاجؤ من عجز الناتو عن حل الصراع الحالي بين اليونان وتركيا.

في عام 1974م، عندما كانت اليونان وتركيا على أعتاب الحرب بسبب قبرص، لم يكن الناتو هو الذي منع الأعمال العدائية، وإنما تحركات أقوى أعضائه، الولايات المتحدة الأمريكية. في ذلك الوقت، اعتمدت الأخيرة بشدة على تجنب المواجهة المباشرة، وفرضت وقف إطلاق النار على القوات التركية العاملة في قبرص.

مقدونيا الشمالية

وفي عام 2020م، تبدو جهود الولايات المتحدة أضعف بكثير. وهذا ينطبق على كل من العلاقة اليونانية التركية والأزمة الأوسع متعددة الأوجه في شرق البحر الأبيض المتوسط​، التي تشمل العديد من اللاعبين المحليين والخارجيين.

 

ما نشهده هو مثال إقليمي لما يحدث في عالم متعدد الأقطاب في غياب قيادة أمريكية حازمة. كما أن هذه ليست مجرد لحظة عابرة مرتبطة بنزوة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب؛ إذ يمكن القول إن رفض الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، الالتزام بخطوطه الحمراء في سوريا في أغسطس (آب) 2013م كان اللحظة الحاسمة.

بن هودجسبيرنج – رئيس مركز تحليل السياسة الأوروبية

لا بد من حل هذه الأزمة، فالمستفيد الوحيد منها هو الكرملين. بطبيعة الحال، هناك حجج مشروعة من كلا الجانبين يجب معالجتها. ولكن لسوء الحظ، انحازت فرنسا إلى أحد الجانبين. لذا، يجب أن تقود ألمانيا الجهد الدبلوماسي بدعم أمريكي قوي وواضح وغير متحيز.

جزء من المشكلة هو أن الناتو والغرب ما يزالان يفشلان في تقدير الأهمية الاستراتيجية للبحر الأسود، وبالتالي الأهمية الحيوية لتعزيز العلاقة مع تركيا والحفاظ عليها حليفًا وشريكًا اقتصاديًّا.

يؤكد هودجسبيرنج أنه لا يبرر العديد من قرارات تركيا السيئة – مثل شراء أنظمة صواريخ روسية من طراز إس-400 – أو افتقارها للحماسة في الضغط على الكرملين بشأن ضمه غير القانوني لشبه جزيرة القرم، أو انتهاكات اتفاقية مونترو. لكن ثمة حاجة إلى إعادة صياغة العلاقة مع تركيا، والتفكير فيما بعد رجب طيب أردوغان، وإعادة بناء الثقة مع الأتراك.

سيكون المزيد من الاهتمام من جانب الناتو والولايات المتحدة لهذا الجزء من أوروبا والمزيد من الفهم للتحديات التي يفرضها المهاجرون والنفوذ الخبيث الروسي على تركيا واليونان هو المفتاح. لهذا، فإن القيادة الألمانية ضرورية.

جوليان ليندلي فرنش – رئيس ومؤسس مجموعة ألفين

للمزيد عن مجموعة ألفين.

عندما انضمت اليونان وتركيا إلى الناتو في عام 1952م، كان ذلك لضمان عدم وقوع أي منهما تحت النفوذ السوفيتي ومنعهما من قتال بعضهما بعضًا. وعلى الرغم من اللحظات التي بدت فيها الحرب وشيكة – على سبيل المثال عندما غزت تركيا قبرص في عام 1974م – نجحت تلك الاستراتيجية. ولأن تركيا اعتقدت دومًا بأنها ستحصل يومًا ما على عضوية الاتحاد الأوروبي، فقد سعت أنقرة للتعايش مع أثينا.

على صفيح ساخن: تطورات مشهد سياسي عاصف في تركيا قبيل الانتخابات البرلمانية

إن استكشاف تركيا لبحر إيجة بحثًا عن الهيدروكربونات لا يهدد باستفزاز اليونان فحسب – يؤكد فرنش – بل فرنسا أيضًا. وهذا يوضح حدود التحالف بوصفه وسيطًا للمصالح الوطنية الاستراتيجية.

وأضاف فرنش أن البيروقراطية السياسية لحلف الناتو مهووسة بفكرة التماسك. والنتيجة هي أن ذلك أتى على حساب اتخاذ الإجراءات الضرورية. إذا اعترضت دولة على أي شيء، فلا يمكن لحلف الناتو أن يعارضها. وهذا يجعل من السهل نسبيًّا على الحلفاء شبه المنفصلين مثل تركيا، أو المهووسين بأنفسهم مثل اليونان، السعي للحصول على «المنافع» من الناتو للامتثال.

إيليني باناجيوتس – زميل باحث في المؤسسة الهيلينية للسياسة الأوروبية والأجنبية

الناتو مقيد بسبب افتقاره إلى القيادة، وليس بسبب الصراع بين اليونان وتركيا، الذي تؤججه تركيا المضطربة والعدائية، بحسب الباحث، والمصممة على إحداث الفوضى من خلال التنازع على الحدود البحرية وتصاريح الحفر. بينما رُحِّب بها عضوًا مهمًّا استراتيجيًّا في الناتو، تحاول تركيا بشكل منهجي وضع كتاب قواعد جديد، مستهزئة علانية بالقواعد التي من المفترض أن تلتزم بها.

 

كان شراء أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية إس-400، انتهاكًا كبيرًا لقواعد الدفاع الجوي لحلف الناتو، ومع ذلك جرى التسامح معه، وهذا يولد المزيد من الأحادية والعدوان. إن مهمة الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرج، صعبة. يعمل حلف الناتو بالإجماع، مع وجود اختلافات في القوة بين دول التحالف الثلاثين.

أضاف الباحث أنه في ظل حكم أردوغان، تصدِّر تركيا الاستبداد المحلي والتجاهل الصارخ لسيادة القانون. وهكذا، فإنها تقوض الدفاع الجماعي لحلف الناتو والقيم الليبرالية. وكلما احتفظ ستولتنبرج بواجهة من الحياد وأخفى عجز الناتو عن اتخاذ موقف حازم، زاد الضرر الذي يلحق بالمنظمة التي من المفترض أن يخدمها.

لتجنب وقوع حادث محتمل، ينصح الباحث بإنشاء إطار عملي وذي مصداقية لخفض التصعيد، ربما عن طريق استغلال الاقتصاد التركي المتدهور.

مارك بيريني – باحث زائر في معهد كارنيجي أوروبا

على الرغم من المساهمة الإيجابية من قبل الجيش التركي، فإن قرار أنقرة 2019م بنشر صواريخ إس-400 الروسية الصنع أضر بالناتو، وكان له تأثير سلبي مباشر في بنية الدفاع الصاروخي في أوروبا.

بعد تهديدات حفتر.. هل سنشهد حربًا في البحر الأبيض المتوسط قريبًا؟

الصراع مع اليونان على الحدود البحرية ليس جديدًا. وهو يسبق العصر الحالي لحزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان. إن اللغة والأساليب المستخدمة حول هذه القضية هي التي صدمت دوائر الناتو والاتحاد الأوروبي: وضع حدود جديدة من خلال ترتيب قانوني غريب مع حكومة الوفاق الوطني الليبية ومقرها طرابلس؛ إعلان من جانب واحد أن مناطق شاسعة الآن ملك لتركيا؛ إرسال أعداد كبيرة من السفن البحرية لمرافقة منصات التنقيب عن الغاز والحفر أو مطاردة القوات البحرية والجوية للدول الأخرى؛ واستخدام نبرة قومية متعصبة.

خلقت هذه السياسة العدوانية، وإن كانت تستند إلى مزاعم جوهرية، قلقًا واضحًا داخل الناتو. وفي الوقت نفسه، تحرص تركيا على مواصلة التدريبات والعمليات المشتركة مع أساطيل الناتو الأخرى. في وقت كتابة هذا التقرير، يبدو أن سياسة حافة الهاوية هي الخيار المفضل لأنقرة، لكنها تنطوي على مخاطر وقوع حوادث في أعالي البحار – وقد حدث أحدها بالفعل.

في الوقت الحالي، القضية ليست التفاوض، بل هي كيفية إيقاف سلسلة التحركات التركية التخريبية وإظهار أن التحركات الأحادية والعدوانية ليست هي الطريق الصحيح.

جيمي شي – أستاذ الاستراتيجية والأمن في جامعة إكستر

لدى الناتو تاريخ طويل في التعامل مع النزاعات اليونانية التركية في بحر إيجة، سواء المطالبات الإقليمية، وانتهاكات المجال الجوي، والتدريبات البحرية، ومؤخرًا مراقبة الهجرة غير الشرعية من تركيا إلى اليونان.

يُنظر إلى الأمناء العامين لحلف الناتو منذ فترة طويلة وهم يتوسطون في هذه الخلافات ويخرجون بحلول مبتكرة لحلف الناتو – مثل المراقبة الجوية المشتركة فوق بحر إيجة، أو التحكيم الأخير للجنة العسكرية لحادث بين سفينتين فرنسية وتركية – بوصفه جزءًا من عملهم. لذلك، من المتوقع أن تجري الكثير من الدبلوماسية النشطة خلف الكواليس.

دولي

منذ سنتين
جيران لكن أعداء.. لماذا يستمر العداء بين تركيا واليونان لقرون؟

إن عضوية تركيا في الناتو على وجه التحديد، هي التي توفر إطارًا للنزاعات اليونانية التركية التي يجب إدارتها. إذا غادرت تركيا حلف الناتو، فستفقد نفوذها على الغرب، لا سيما عندما يتعلق الأمر بتلقي الدعم للعديد من مشكلاتها الأمنية الإقليمية. ومع ذلك، لا يمكن عزل تركيا. لذا؛ يحتاج الحلفاء الرئيسيون، وخاصة الولايات المتحدة وألمانيا، إلى الوقوف خلف ستولتنبرج وإحضار أثينا وأنقرة إلى طاولة المفاوضات – كما اقترحت تركيا.

في نهاية المطاف، سيكون من الضروري إيجاد حل يمنح جميع الأطراف حق الوصول العادل إلى احتياطيات النفط والغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​- مقابل التخلي عن النشاط العسكري الاستفزازي. لكن دعونا ننظر إلى حلف الناتو على أنه مفتاح الحل هنا، وليس بصفته الضحية التعيسة.

سنان أولجن – باحث زائر في معهد كارنيجي أوروبا

يمكن أن يكون لحلف الناتو بالفعل دور في التخفيف من حدة الصراع في شرق البحر المتوسط عبر الاستفادة من موقعه الفريد، بصفته منصة سياسية تضم أعضاءً هم الأطراف الرئيسية للنزاع. أيضًا، نظرًا إلى العواقب الكارثية المحتملة على سلامة الحلف نتيجة لتصعيد عسكري محتمل للنزاع، يجب على الناتو في الواقع إعطاء الأولوية لدرء هذا الاحتمال.

هناك دور لستولتنبرج وسيطًا موثوقًا به. ولكن يمكن أيضًا طرح القضية على جدول أعمال مجلس شمال الأطلسي، وهي هيئة صنع القرار الرئيسية في حلف الناتو، للسماح بتبادل ناضج لوجهات النظر بين تركيا واليونان وفرنسا. ثانيًا، يمكن أن يكون حلف الناتو أكثر نشاطًا في إنشاء الإجراءات الفنية ومراقبتها لمنع التضارب في شرق البحر المتوسط. ويمكن أيضًا أن يأخذ زمام المبادرة في وضع الآليات التي من شأنها منع تكرار الحوادث التي قد تؤدي إلى تصعيد خطير.

آنا ويسلاندر – مديرة قسم شمال أوروبا في المجلس الأطلسي

لا ، الناتو ليس مشلولًا. ووجود كل من اليونان وتركيا عضوين يخلق فرصًا للمساعدة في تخفيف حدة الأزمة.

لدى حلف الناتو ترتيبات طويلة الأمد لمنع التضارب، وقد أعيد تنشيطها لتسوية قضايا مثل الحد الأدنى للمسافات بين الطائرات والسفن، وما يسمى بالخطوط الساخنة على مختلف المستويات. يعمل التحالف أيضًا منصةً لليونان وتركيا للتحدث معًا، وشرح المواقف، وتبادل المعلومات. ومع تكثيف الاتحاد الأوروبي لإجراءاته ضد تركيا، يلعب الناتو دورًا واسعًا جدًّا في هذا الصدد.

ومن خلال تعزيز السلوكيات المسؤولة بين اليونان وتركيا في المجال العسكري، يهدف الناتو إلى خلق مساحة لنجاح الجهود الدبلوماسية. ومع ذلك، يتعين على ألمانيا، التي جرى تعيينها لقيادة الجهود الدبلوماسية، أن تتنقل في بيئة تختنق بالتوترات الشديدة مع فرنسا والولايات المتحدة. إن العديد من القضايا السياسية والاقتصادية الكامنة وراء الصراع خارج نطاق نفوذ الناتو.

باختصار، ما يقدمه الناتو ضروري، ولكنه غير كافٍ لحل هذه الأزمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد