نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية تقريرًا أعدَّه كلٌ من حسين أغا وأحمد سامح خالد، وهما باحثان منتسبان بكُليَّة سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، سلَّطا فيه الضوء على الأوضاع الفلسيطينيَّة عقب اتفاقيات التطبيع التي أبرمتها بعض الدول العربيَّة مع إسرائيل وشعور الفلسطينيين بالخذلان جرَّاء ما وصفوه بتخلي العرب عن القضية الفلسطينية.

استهل الكاتبان التقرير بالإشارة إلى انتهاء الصراع العربي الإسرائيلي من الناحية الرسميَّة، حيث شهدت الأشهر القليلة الماضية إقامة اتفاقيات لتطبيع العلاقات بين كلٍ من البحرين والإمارات العربية المتحدة والسودان والمغرب مع إسرائيل.

وربما تسلك عمان أيضًا نفس المسار، فضلًا عن اتخاذ المملكة العربية السعودية خطوات غير مسبوقة في ذلك الاتجاه أيضًا. وتحتفظ حكومات عربية أخرى بعلاقات مهمة، وإن كانت سرية، مع إسرائيل، كما أن تحقيق مزيد من التقدم نحو التطبيع مع إسرائيل يبدو أنه مسألة وقت فحسب. وقد وقَّعت مصر والأردن اتفاقيات سلام مع إسرائيل منذ عقود.

وكانت الدعوة العربية التي وُجِّهت لمرة واحدة من أجل تكوين جبهة عربية موحدة ضد إسرائيل تمتد من «المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي» قد تراجعت لإفساح المجال لإقامة علاقات تطبيع مع إسرائيل عبر هذه المساحة نفسها.

وكانت وتيرة هذا التَّحول ومداه قد قوَّضا الموقف العربي المشترك والذي انعكس في مبادرة السلام العربية لعام 2020، وبدلًا عن إصرار العرب على مبدأ «الأرض مقابل السلام» وعدم تطبيع العلاقات مع إسرائيل إلا بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود عام 1967، أعطت الحكومات العربية الأولويَّة للمصالح الذاتية.

فحصلت المغرب على اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، ورُفِعت العقوبات الأمريكية عن السودان (رُفِع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب)، وتمكَّنت الإمارات العربية المتحدة من الحصول على الموافقة على شراء أسلحة أمريكية متطورة (وافق ترامب على الصفقة وألغاها بايدن مؤخرًا).

مواقع صديقة

منذ أسبوع
ديفيد هيرست: ‎انتخابات فلسطين قفزة إلى المجهول لحركتي فتح وحماس

التطبيع العربي.. هل يعني انتهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟

وأوضح التقرير أنه إذا كان الصراع بين تلك الدول العربية وإسرائيل قد انتهى، فإن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لم ينتهِ بعد. كما إن إعادة تعريف مفهوم «السلام» ليتوافق مع احتياجات الحكومات العربية لا يؤدي إلى التَّخلص من الفلسطينين أو حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إذ ينتشر 13 مليون فلسطيني في جميع أنحاء الأرض المقدسة وفي الدول الأجنبية المختلفة؛ ويقيم ما يقرب من 7 ملايين فلسطيني في الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، ولا يذهبون إلى أي مكان.

Embed from Getty Images

إن التاريخ لا يؤيد الادَّعاء القائل إن سلام إسرائيل مع العرب سيؤدي حتمًا إلى تمهيد الطريق للسلام مع الفلسطينيين، وإجبارهم على الإذعان للشروط التي تفرضها إسرائيل تحت ضغط الواقع الجديد والعزلة المفروضة عليهم. وقد ظهرت الحركة الوطنيَّة الفلسطينيَّة الحالية على وجه التحديد جرَّاء الشعور بالهزيمة والوحدة وتخلي الحكومات العربية عن القضية الفلسطينية في أعقاب حرب 1948. وعلى الرغم من الأوضاع السيئة التي يتعرض لها الفلسطينيون الآن، ليس هنالك ثمَّة دلائل تشير إلى استسلامهم وتخلِّيهم عن حقوقهم المشروعة.

أما بالنسبة لإسرائيل، فتشير موجة التطبيع مع بعض البلاد العربية إلى أنه ليس هناك ما يكفي من الدوافع لإقناع إسرائيل بتحقيق السلام مع الفلسطينيين. ومن المُرجَّح أن يُفضي هذا إلى ترسيخ الوضع الراهن على المدى القريب. بيد أن هناك مشهدًا جديدًا يجري الإعداد له وقد شَكَّله التعامل العربي غير المسبوق مع إسرائيل؛ مما أثار مشاعر الإحباط والغضب لدى الفلسطينيين واندفاع الإسرائيليين نحو أحزاب اليمين في إسرائيل، وكل ذلك من شأنه أن يجلب في نهاية المطاف دينامية جديدة للوضع الذي يبدو أنه متجمدٌ.

وبما أن الفلسطينيين لا يتمتعون بالعمق العربي الإستراتيجي الفعَّال؛ أي استعداد الدول العربية لتقديم الدعم للقضية لفلسطينية، فعليهم أن يفكروا بإمعان الآن في إعادة ترتيب كفاحهم وسُبل معالجة الأسباب التي أوصلتهم إلى هذا الحال وكيفية تغيير تلك الأوضاع.

وبحسب ما جاء في التقرير ظلت هناك مجموعة من الفلسطينيين تشعر بالاضطراب إلى ما يقرب من 10 سنوات بعد حرب النَّكبة عام 1948، بسبب خيبة الأمل إزاء عدم جديَّة الدول العربيَّة في تقديم العون لحل قضيتهم إلى أن قرروا تولي الأمور بأنفسهم. ومن ثم نشأت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، والتي تولَّى قيادتها ياسر عرفات عام 1969.

وكانت العمليَّات المُسلَّحة التي تُجرى متفرقة في بادئ الأمر قد ساعدت في تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة. ونجحت منظمة التحرير الفلسطينية في توحيد الفلسطينيين معًا والتأكيد على هوية سياسية فلسطينية مستقلة وفرض إدراج قضيتها ضمن قائمة الاهتمامات الدوليَّة وإعادة بعض الأراضي الفلسطينية إلى الحكم الذاتي. بيد أنها لم تنجح في إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو إقامة دولة مستقلة ذات سيادة أو إجراء التطويرات اللازمة لحصول الفلسطينيين على إدارة رشيدة. ويبدو أن الوقت قد حان لبداية جديدة.

Embed from Getty Images

فشل الدبلوماسية الفلسطينية

عقب اتفاقيات التطبيع التي أبرمتها بعض الدول العربية مع إسرائيل، جاء رد القيادة الفلسطينية في البداية غاضبًا ومستنكرًا ومُتَّهِمًا الدول العربية بأنها طعنت الفلسطينيين في الظهر. بيد أن هذه الانتقادات الأوليَّة قد خفتَت حدُّتها، وكان من الصعب استمرارها. إذ أن منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها المُمثل الرئيس للشعب الفلسطيني، اعترفت بإسرائيل عام 1988 وشرعت في «عملية سلام» معها قبل ثلاثة عقود. كما حافظت القيادة الفلسطينية على التنسيق الأمني ​​مع إسرائيل؛ مما قلل من قدرتها على الاعتراض إذا أقام آخرون علاقات أمنية خاصة بهم مع إسرائيل.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن يظل الفلسطينيون مُصرِّين على أن محنتهم تمثِّل القضية العربية المركزية وأنهم الوحيدون الذين لهم الحق في معالجتها على النحو الذي يرونه مناسبًا. ومع أنهم يتذرعون على نحو منتظم بمصالحهم الوطنية و«استقلال إرادتهم»، كما ورد مرارًا وتكرارًا في بياناتهم السياسية، لم يدافع الفلسطينيون عن أنفسهم ضد أولئك الذين يدَّعون الحق في الدفاع عن الإرادة الفسلطينية المستقلة وهم يدلسون على الفسلطينيين ويرسمون لهم طريقًا مزيفًا.

وخلاصة القول: فشلت الدبلوماسيَّة الفلسطينيَّة فشلًا ذريعًا؛ إذ إن هذا الأمر يتطلب مواهب استثنائية لتحويل توافق شبه كامل في الآراء بين العرب والمسلمين بشأن مستقبل فلسطين والقدس إلى مجرد مسألة أخرى ضمن الأجندة العربية المزدحمة بالقضايا الأخرى. وكنتيجة جزئية لذلك، خسرت منظمة التحرير الفلسطينية مصداقيتها بوصفها الهيئة المنوطة باتخاذ القرارت أو بوصفها الهيئة المُمثِّلة للشعب الفلسطيني.

وأصبحت المبادئ والمقاصد التي تأسست عليها والميثاق الخاص بها لعام 1968 بمثابة ماضٍ تولَّى، وقد اختُرقت تلك المبادئ من خلال ممارسات المسؤولين الفلسطينيين أنفسهم. إن البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، القائم على حل الدولتين، يعتمد على ركائز شجبتها واستنكرتها وثيقتها التأسيسية، التي ترفض مبدأ تقسيم فلسطين على أُسس سياسيَّة وأخلاقيَّة. ولم يجرِ تنقيح الميثاق أو تحديثه رسميًّا منذ عام 1996. ولم تزل روح ذلك الميثاق باقية في مواده المُعلَّقة، ولكنها منفصلة عن السياسة العمليَّة الواقعية.

تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وتمثيل الفصائل الفلسطينية

وألمح التقرير إلى أن منظمة التحرير الفلسطينيَّة قد تأسست في الأصل بوصفها منتدى لتمثيل الفصائل، لكن تلك الفصائل الممثَّلة في المنظمة لم تعد تعكس القوى السياسية في المجتمع الفلسطيني. فضلًا عن أن نظام تحديد الحصص في منظمة التحرير الفلسطينية، الذي يُخصص مقاعد لفصائل فلسطينية مختلفة حسب حجمها المزعوم، أصبح أداة قديمة ومشوهة لتقاسم السُلطة واتخاذ القرار.

Embed from Getty Images

وقد انتهى الآن وجود عديد من الفصائل، كتلك التي كانت ترعاها الأنظمة العربية سابقًا، لكنها لم تزل تحتفظ بمقاعدها. أما حركة حماس، الحاكم الفِعلي لغزة، والفصائل الإسلاميَّة الأخرى فهي غير مُمثلة في المنظمة. وربما تسعى منظمة التحرير الفلسطينية إلى الاستجابة لتحقيق الوحدة من خلال رغبة شعبية قوية، لكن لغتها وسلوكها وتوجيهها تأثر إلى حد كبير بالماضي. فالبداية الفلسطينية الجديدة لا يمكن أن تبدأ بالوجوه والمعتقدات والآليات نفسها التي أدَّت إلى الوصول إلى ذلك الطريق المسدود اليوم.

لقد كانت الميزة الوحيدة لمنظمة التحرير الفلسطينية أنها منحت الفلسطينيين فرصة للتعبير عن أنفسهم ووفَّرت منتدى لإجراء نقاش وطني حقيقي. ومع نمو مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، أُدرِجت تقسيماتها تحت عنوان وطني رمزي، وتغاضَت الفصائل عن خلافاتها من أجل الاتفاق على أهداف أوسع نطاقًا. وكثيرًا ما تعرَّضت قيادة المنظمة لانتقادات، ولكن لم يُشكك أحد في شرعيتها أو يطعن فيها على الإطلاق.

بيد أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تُغير من شكلها أو مهمتها لتحقيق هدفها المتمثل في إقامة الدولة. وهي أبعد ما تكون عن إمكانية إجراء إصلاحات في بِنْيَتها وأهدافها. إن الفلسطينيين في حاجة إلى أدوات جديدة لتمثيلهم فضلًا عن اتخاذ إجراءات سياسية تعكس الحقائق الحالية والآفاق المستقبلية. وقد يتطلب ذلك جمعية تأسيسية جديدة، يكون لديها مهمة وميثاق وبرنامج سياسي يخاطب جميع الفلسطينيين ويعمل على تجنُّب اللغة الواهنة التي اتَّسمت بها منظمة التحرير الفلسطينية قديمًا، وأن يكون خطابًا مُشبَّعًا بروح منتصف القرن العشرين، وليس بروح القرن الحادي والعشرين.

ومنذ أن تأسست السُلطة الفلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو عام 1993 التي عُقدت بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية لإقامة سُلطة حكم ذاتي انتقالي فلسطينيَّة في الضفة الغربية وغزة، أصبحت السُلطة الفلسطينية مركز الثقل السياسي الحقيقي، مع احتفاظ منظمة التحرير الفلسطينية بالشكل التقليدي القديم لها – بوصفها الهيئة العليا لاتخاذ القرارت نظريًّا، غير أنها مُهمَّشة في الممارسة العملية.

إن طَمْس الخط الفاصل بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية والسماح للسلطة الفلسطينية بتولي مُعظم مهام منظمة التحرير الفلسطينية لم يكن سوى خطوة أضعفت كلتيهما. ويجب تنزيل رتبة السلطة الفلسطينية لتتولى دورًا إداريًّا بحتًا، وأن تتحرر من قيود السياسات العليا حتى تتمكن من إدارة حياة الفلسطينيين وحماية رفاهيتهم وأمنِهم. وينبغي أن تكون المنظمة التي ستخلف منظمة التحرير الفلسطينية بمثابة هيئة تمثيلية وسياسية للفلسطينيين وأن تكون بمنأى عن المهام المدنية، وأن تُكلَّف بالتعبير عن أحوال الفلسطينيين وتمثيلهم في كل مكان.

Embed from Getty Images

وقد كان ذلك هو النموذج المُشار إليه في بنود اتفاقية أوسلو لكنه لم يُطبَّق قط. ومن المُتوقَّع حدوث توتر بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية الجديدتين، بيد أن المكاسب الناجمة عن المسؤوليات الواضحة لكل منها تبرر ذلك التحدي بينهما.

اتفاقية أوسلو ومزيد من نقاط الضعف

وأشار التقرير إلى أنه من نقاط الضعف الأخرى التي تضمنتها اتفاقية أوسلو أنها أدَّت إلى تهميش الفلسطينيين الذين يعيشون في المهجر، كما أن الاحتمال المُستبعَد لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة، بالنسبة لهم، لا يمنحهم إنصافًا حقيقيًّا، حيث إنه لا يتناول بالأساس أمنهم أو رفاهيتهم في الوقت الحالي ولا حتى تطلعاتهم المستقبلية.

ومن ثم لا يمكن أن تقوم البداية الفلسطينية الجديدة على الرؤية القاصرة لنظرة العالم المتمركزة حول رام الله وحدها. ويجب أن يوفر البرنامج السياسي مساحة واضحة وإمكانية التعبير عن مَن هم خارج الضفة الغربية وقطاع غزة، من خلال ضمان تمثيلهم العادل في المؤسسات الفلسطينية وصياغة أجندة وطنية جديدة تعترف بالمأزق الذي يعيشون فيه الآن وتعكس احتياجاتهم. وإذا كانت الجهود المبذولة لإنهاء هذا الصراع جادَّة، فإنها ينبغي أن تشمل غالبية الفلسطينيين.

أسرى خطاب محدد

وشدَّد التقرير على ضرورة أن يبدأ «استقلال الإرادة» الحقيقي بتبني موقف واضح بشأن ما يمكن تحقيقه وما هو مأمول، ويجب أن تتجاوز عملية المراجعة للأولويات والأهداف الفلسطينية الشعارات القديمة. وللمضي قدمًا في هذا الشأن، لابد من إعادة تقييم آمال الفلسطينيين. إن حلم تقرير المصير عن طريق إقامة الدولة الفلسطينية، التي من شأنها أن تُخفف آلام المنفى والشتات وويلات الاحتلال، حلمٌ بعيد المنال.

ومن غير الممكن أن يظل الفلسطينيون أسرى غياب الدولة، ويعيشون في حالة من الإهمال والنسيان الدائم في انتظار الخلاص الذي يتضاءل بوضوح مع مرور الوقت وربما لا يحصلون عليه أبدًا.

وبات من المفهوم أن الحركة الوطنية أعطت الأولوية للمصالح الجماعية، ولكن نتيجة لذلك، أُهملت وهُمِّشَت الحقوق الفردية الأساسية، مثل حرية التفكير والتعبير عن الرأي والعمل والحياة والحركة والنجاح. ويجب على القيادات الفلسطينية أن تُولي مثل هذه القضايا اهتمامًا أكبر، لا سيما وأن سجل السلطة الفلسطينية في إدارة شؤون الفلسطينيين نادرًا ما يُقدم نموذجًا مغريًا يرقى إلى حكومة جيدة أو يوفر حياة أفضل أو يقدم قدرًا أكبر من الحرية.

Embed from Getty Images

ولم يكن حكم حماس في قطاع غزة – استولت حركة حماس على غزة بعد مواجهات عنيفة مع السلطة الفلسطينية في يونيو (حزيران) 2007 – أفضل كثيرًا، لأنه جلب مزيدًا من المعاناة والفقر وأدَّى إلى التدهور المستمر لجودة الحياة اليومية لأكثر من مليوني شخص يعيشون في قطاع غزة.

وبالإضافة إلى ذلك، يُواجه الفلسطينيون في معظم مناطق الشتات القريبة، مثل هؤلاء الذين يعيشون في لبنان وسوريا، ظروفًا قاسية أكثر فأكثر. ويجب على القيادة الفلسطينية، مهما بلغ حجم مسؤولية إسرائيل عن محنة الفلسطينيين، أن تتحمل نصيبها من المسؤولية عن سلامة شعبها ورفاهيته.

فقدان التمايز بين نقاط الحوار والمواقف الحقيقية

واستطرد التقرير موضحًا أنه سيكون من الصعب تحديد مسار جديد. وقد استبدلت منظمة التحرير الفلسطينية، منذ مدة طويلة، الدبلوماسية بـ «الكفاح المسلح»، الذي شدد عليه ميثاق المنظمة في عام 1968 باعتباره «الوسيلة الوحيدة لتحرير الأراضي الفلسطينية»، وأصبحت القيود المفروضة على استخدام القوة العسكرية واضحة على نحو متزايد حتى بالنسبة لحماس.

وفي حين أن منظمة التحرير الفلسطينية أعربت عن أسفها لأن قرابة ثلاثة عقود من المفاوضات المستمرة بلا نهاية ذهبت هباءً منثورًا، يظل ملاذ المنظمة الوحيد، على الرغم من ذلك، هو محاولة العودة إلى طاولة المفاوضات، على أمل وهمي بأن يكون الأمر هذه المرة مختلفًا، وأن تُؤدي بعض الأطر الجديدة للمفاوضات ومرور الوقت إلى تحقيق أهداف لم يكن من الممكن تحقيقها في السابق. وثبُت أنه من الصعب تحقيق هذا الأمل، إذ انتهى الأمر مع كل صيغة «سلام» ذات مصداقية إلى التقهقر، ولم يحصل الفلسطينيون على أكثر مما حصلوا عليه في السابق.

ومنذ أن وافق الفلسطينيون على القبول بدولة على جزء من أراضي وطنهم، تمثلت مأساة المفاوضات مع الفلسطينيين في عدم التمييز التام بين نقاط الحوار والمواقف الحقيقية: فليس هناك ثمة خط واضح يفصل بين ما يُصرِّح به ممثلو الفلسطينيين علنًا وبين ما يُطالبون به على طاولة المفاوضات. وعلى النقيض من ذلك، لا يُعلن نظراؤهم الإسرائيليين مطلقًا عن مواقفهم الحقيقية، فضلًا عن أن الإسرائيليين يربطون نقاط الحوار في المفاوضات بالظروف المتغيرة.

وعندما فشل الفلسطينيون في القيام بالشيء نفسه، وضعوا أنفسهم في موقف لا يُمكنهم فيه سوى القبول بجميع شروط الإسرائيليين، وهو ما أدَّى إلى اتهامهم بعدم المرونة والعِناد. ويبدو أن الفلسطينين لا يتمتعون بالمرونة وغير قادرين على التكيَّف، لأن كل مبادرة جديدة يُقدمونها تشبه تقريبًا المبادرة التي قبلها. ولم يتبقَ لهم، بعد أن قدموا أهم التنازلات قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، سوى القليل ليقدموه في المحادثات.

مواقع صديقة

منذ أسبوعين
بشير نافع: انتخابات فلسطينية.. أية أولوية وطنية؟

ومن هذا المنطق، يجد الفلسطينيون أنفسهم في فخ لا مفر منه؛ مما يجعل المفاوضات الحقيقية مستحيلة: يبدو أنهم أسرى لخطابهم، إذ يكررون بلا نهاية التأكيد على النقاط نفسها.

ديماجوجية فلسطينية؟

ونوَّه التقرير إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية سعت مرارًا وتكرارًا إلى تدخُّل الولايات المتحدة في المفاوضات، ورغم هذا كانت كثيرًا ما تنتقد تحيُّز الولايات المتحدة للجانب الإسرائيلي حتى عندما طالبت بالضغط الأمريكي على إسرائيل. ويلهث القادة الفلسطينيون وراء الولايات المتحدة وهم لا يقبلون بسياساتها، في انتظار الإنقاذ الأمريكي في وقت يرفضون فيه كل المخططات الأمريكية. كما أدَّى اعتماد الفلسطينيين على «المبادرات» الأوروبية، على أمل أن يُغير الضغط الأوروبي من موقف الولايات المتحدة، إلى إهدار جهود ومراحل دبلوماسية قيِّمة.

ويتكرر هذا الأمر أيضًا مع ترقب حدوث تغييرات إيجابية بعد تولي إدارة أمريكية جديدة أو حكومة إسرائيلية جديدة للسلطة في بلادهم. وعندما لا يحقق أحد الرؤساء الأمريكيين توقعاتهم، يغلق الفلسطينيون الباب أمام المفاوضات وينتظرون على أمل أن يكون الرئيس القادم أكثر لطفًا. وينطبق الأمر نفسه على القادة الإسرائيليين: إذ يبدأ انتظار مَنْ يخلف رئيس الحكومة الإسرائيلية بمجرد اختباره واكتشاف أنه غير قادر على إحداث تغيير. وبذلك، يظل الفلسطينيون في حلقة مفرغة مكرَّرة من الآمال العريضة والتوقعات المحطَّمة مصحوبة بالمماطلة والعجز.

التصّبُر بالأوهام

ويُشير التقرير إلى أن القادة الفلسطينيين وعدوا شعبهم بالمضي قدمًا نحو الحرية والتمكين. لكنهم مع ذلك، أتقنوا ثقافة التبعية خلال العقدين الماضيين، بدلًا عن اكتساب المهارة واتقان الحيلة، منتظرين أطرافًا خارجية لإنقاذهم بدلًا عن الاعتماد على أنفسهم. وأدَّى هذا الأمر إلى استنزاف إرادتهم في بناء مجتمعهم وتطويره وكبح جماح إرادتهم لاستكشاف فكر جديد.

لقد افتقر الفلسطينيون منذ جيل ما بعد اتفاقيات أوسلو إلى أي مَخرَج سياسي سليم وعملي، ويعيشون في حالة تمزق بين ترديد شعارات عفا عليها الزمان لم يعودوا مؤمنين بها، وبين انتظار المؤسسات الخيرية الأجنبية لإنقاذهم. كما أفسح الإصرار الوطني والمناداة بالاستقلال والشعور بالاستحقاق الطريقَ أمام التعبير عن التذمر والشكوى والعبوس في وجه القادة الفلسطينيين الذين لا يفتأون يبحثون عن قوى خارجية للحصول على الدعم والمساعدة.

وأدَّى هذا الاختلال إلى تقويض السياسة الفلسطينية وإفسادها، والحد من الحراك الشعبي، وتحفيز الانجراف السياسي. وتسبب ذلك أيضًا في نفور المؤيدين من الجهات الأجنبية الذين أصبحوا ساخطين على السلوكيات الفلسطينية. ولم يعد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية حاليًا ينبع من أي إيمان باستحقاقها وجدارتها بقدر ما ينتج عن الاعتقاد بأن وجود سلطة حاكمة هو أفضل وسيلة للحفاظ على الهدوء النسبي داخل الأراضي المقدسة.

Embed from Getty Images

دور القانون الدولي في القضية الفلسطينية

وأضاف التقرير أن الموقف الافتراضي لمنظمة التحرير الفلسطينية يتمثل في الاحتكام إلى القانون الدولي، على أمل أن المجتمع الدولي سيأتي أو يمكن أن يأتي بحق الفلسطينيين نيابةً عنها. ويُعد هذا الاحتكام للقانون الدولي بمثابة أحد أوهام القيادة الفلسطينية الأكثر استمرارية، منذ استبدال الدبلوماسية بالكفاح المسلح ومنذ أن حل النضال من أجل الحصول على الاعتراف الدولي محل الشرعية الثورية.

وفي حقيقة الأمر، لم يكن القانون الدولي نصيرًا للفلسطينيين يُمكن الاعتماد عليه (منذ وعد بلفور عام 1917، ومرورًا بخطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة في عام 1947، ووصولًا إلى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242 في عام 1967، وهو حجر الزاوية في عملية السلام).

وتابع التقرير: وفي الوقت الذي قدَّم فيه القانون الدولي يد العون للفلسطينيين من خلال الاعتراف باستحقاقهم للأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد حرب عام 1967 وحقهم في إقامة دولة، ومن خلال القيام بدور حائط الصد، الذي تتداعي قوته شيئًا فشيئًا، ضد سياسات الاستيطان ومخططات الضم الإسرائيلية، لا يتمكن القانون الدولي من إحداث الفارق إلا عندما تكون القوى الخارجية التي تزعم دعمه، وخاصة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مستعدة فعليًّا للقيام بهذا الدور.

وفي الوقت الراهن، لن نجد ما يدلل على أن هذا هو الحال، ويتضح ذلك من ابتلاع إسرائيل للقدس الشرقية العربية، واعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، بالإضافة إلى الضم الفعلي لمعظم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية حاليًا. إن قيمة القانون الدولي تدين بالفضل في نهاية المطاف إلى المناخ السياسي السائد ومواقف رُعاته الأساسيين.

منظمة التحرير الفلسطينية.. فقدان المصداقية

وأكدَّ التقرير على أن الصراع الفلسطيني مع إسرائيل ليس خلافًا قانونيًّا. ولم يساعد القانون الدولي في حل النزاعات القائمة في شبه جزيرة القرم أو قبرص أو كشمير أو كوسوفو أو إقليم ناجورنو كاراباخ. كما أن القانون الدولي لم يُجبر إسرائيل على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء أو جنوب لبنان أو غزة: لكن الذي أجبر إسرائيل على ذلك كان مزيجًا من ممارسة القوة والجهود الدبلوماسية. ومع ذلك، يتمسك عديدٌ من الفلسطينيين بفهم خاطئ غير مستنير لفاعلية القانون الدولي.

Embed from Getty Images

وقد زاد الفلسطينيون من إضعاف موقفهم من خلال اتباع نهج خاطئ في المفاوضات. وللفلسطينِيين تاريخ حافل في رفض المبادرات ثم العودة إليها لكن في ظروف غير مواتية وبتكلفة أعلى. إذ رفض القادة الفلسطينيون خطة تقسيم الأمم المتحدة للأراضي الفلسطينية في عام 1947 بسبب شروطها الجائرة، لكنهم وافقوا على التقسيم بعد ذلك في عام 1988 لكن ببنود أقل نفعًا لهم. كما رفضوا مقترح الرئيس المصري الأسبق أنور السادات بالحكم الذاتي الفلسطيني في عام 1977، لكنهم وافقوا بعد ذلك على سلطة مؤقتة أكثر تقييدًا في أوسلو عام 1993.

التمسك بالمبادئ والانقلاب عليها

وأوضح التقرير أن اتخاذ موقف قائم على المبدأ قد يكون جديرًا بالتقدير، لكن التراجع اللاحق وانتهاك تلك المبادئ نفسها تحت الإكراه هي سياسة سيئة وتضر بالروح المعنوية الوطنية. وبدلًا عن الحصول على الثقة وتقوية سواعدهم، بدَّد الفلسطينيون الأصول المتداولة من دون ضمان عوائد مستقبلية مناسبة.

وقد تتطلب الحقائق الحالية من الفلسطينيين تجاوز الرفض الصريح والتركيز على تحقيق مكاسب مرحلية مع استكشاف إمكانيات جديدة للمضي قدمًا نحو الوصول إلى هدفهم البعيد المدى المتمثل في إقامة دولة فلسطينية. على سبيل المثال، قد توفر صفقات التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية فرصًا يمكن للفلسطينيين الاستفادة منها، مثل اشتراط تنفيذ صفقة التطبيع السعودي مع إسرائيل بإنهاء إسرائيل لضمها الفعلي للضفة الغربية من خلال توسُّعاتها الاستيطانية.

وهناك تكتيك آخر أثبت عدم فعاليته يتمثل في لجوء الفلسطينيين إلى تهديد إسرائيل بإجراءات لا يعتزمون تنفيذها، ولكنهم يلجأون إليها فقط على اعتبار أنها خدعة للضغط على إسرائيل لتقديم بعض التنازلات؛ مثل المزاعم المتكررة بأن السلطة الفلسطينية ستنهي التعاون الأمني مع إسرائيل، أو أن السلطة الفلسطينية مستعدة لتسليم مفاتيح الضفة الغربية وإعادتها إلى الاحتلال الإسرائيلي المباشر (وما يترتب على ذلك من التكاليف المادية والمعنوية)، وبذلك فقدت السلطة الفلسطينية كل مصداقية مع إسرائيل أو مع الشعب الفلسطيني على حد سواء.

ويبدو أن التهديد باللجوء إلى «حل الدولة الواحدة» بلا معنى بالقدر نفسه، ومن عيوبه أيضًا أنه يؤكد على صحة المخاوف الإسرائيلية بشأن التزام منظمة التحرير الفلسطينية بحل الدولتين.

هل حان الوقت لبداية جديدة للفلسطينيين حقًا؟

المبادئ الأولى

يقول الكاتبان إنه حتى مع مجيء إدارة بايدن، يبدو من غير المرجح أن نرى ضغطًا جديًّا جديدًا في اتجاه عقد مفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين ما لم يتمكَّن الطرفان من إثبات أن الأمور ستكون مختلفة هذه المرة. ولسوء الحظ، يبدو أن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية تعتقدان أن بإمكانهما العودة إلى الصيغة القديمة من المفاوضات التي تستند إلى قرارات الأمم المتحدة وحدود 1967 باعتبارهما «الشروط المرجعية» برعاية وتأييد من مؤتمر دولي.

ولكن هناك جهات فاعلة أخرى ترى مسارات مستقبلية مختلفة، وإحدى هذه المسارات ترى أن تهميش الفلسطينيين والمضي قدمًا في اتفاقيات التطبيع مع العرب سيدفع الفلسطينيين في نهاية المطاف إلى التنازل عن مطالبهم خوفًا من أن يفوتهم القطار ويُحرموا من بقايا فرصهم الضئيلة. وهناك رأي آخر يأمل في أن يسمح الثِّقل المشترك للمُطبِّعين العرب بإطلاق عملية دبلوماسية أكثر مصداقية وقوة تشمل الفلسطينيين وتعطيهم بطاقة مساومة أقوى.

فالمجموعة التي تضم دول الخليج العربي ومصر والأردن إلى جانب الفلسطينيين تمتلك تأثيرًا على كل من إسرائيل والولايات المتحدة أكبر من تأثير الفلسطينيين وحدهم. وتفترض وجهة النظر الأولى أن الفلسطينيين سينضمون إلى ركب جهود السلام الإقليمية بدافع اليأس، بينما يرى الرأي الآخر أنهم سينضمون إلى هذا الركب من منطلق الأمل في إيجاد فرص جديدة لحل قضيتهم.

ويرى كاتبا التقرير أن كلًا من الرأيين يحمل جزءًا من الحقيقة، إلا أن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار بعض المبادئ الأولى التي غُضَّ الطرف عنها حتى وقتنا الحاضر. إذ يتمثل أحد الإخفاقات الفادحة لاتفاقيات أوسلو في أنها صوَّرت الصراع على أنه مسألة ثنائية بحتة يمكن حلَّها باتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين وحدهم.

ولكن لا يمكن أن يُحدَّد مستقبل الضفة الغربية بمعزل عن الأردن والمصالح الأردنية. فالتاريخ والجغرافيا والسياسة والتركيبة السكانية جميعها عوامل تفرض أن أجندة أوسلو بشأن الأمن، واللاجئين، ووضع القدس مصدر قلق رئيس بالنسبة للأردنيين تمامًا كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل والفلسطينيين.

والأمر نفسه ينطبق على مصر التي ترأست إدارة قطاع غزة لعقدين كاملين بعد عام 1948، فمصير غزة، نظرًا لتاريخها وموقعها وتركيبتها السكانية، لا يمكن أن يُحسَم ما لم يحظَ بموافقة القاهرة. ويمكن أن تكون الأدوار المصرية والأردنية الجديدة مصدر دعم حقيقي في الأوقات التي لا يكون فيها الفلسطينيون قادرين على الحفاظ على أراضيهم من الانتهاكات الإسرائيلية الجديدة.

Embed from Getty Images

وفي الوقت نفسه، لا يزال للأردن ثقلها القوي في الضفة الغربية. إن ميل سكان الضفة الغربية إلى اعتبار عمَّان حاضرتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية قد تزايد على إثر تراجع الحركة الوطنية الفلسطينية. كما استمر النفوذ المصري في غزة وبدا ذلك جليًّا في الدور الوسيط الذي لعبته القاهرة بين إسرائيل وحماس. وبالطبع لم يزل لمصر مصالح إستراتيجية وسياسية في قطاع غزة؛ لا سيما فيما يتعلق بأمن سيناء.

الأردن ومصر في بوتقة الصراع أيضًا

ويشير الكاتبان إلى أنه في ظل حقيقة أن الفلسطينيين هم الأغلبية في الأردن بالفعل، هناك فئات مهمة في الأردن تَعُدُّ جرَّ عمَّان إلى مستقبل الضفة الغربية ما هو إلا محاولة لتقويض الحكم الهاشمي. إلا أن الأردن يمتلك خيارات محدودة للغاية للتعامل مع الجرح المفتوح المتمثل في الصراع غير المحدد على حدوده والذي يمثِّل تهديدًا لأمنه واستقراره.

وسيكون الوجود الإسرائيلي المتوسِّع والعنف الإسرائيلي الفلسطيني المزمن أكثر كلفة على الأردن لو اختار البقاء بعيدًا عن الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية. ولا تستطيع عمَّان أن تتجاهل مسؤولياتها الأمنية على الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية المستقبلية، وقد تكون أكثر استعدادًا للانخراط في هذا الأمر إذا كان يعني ذلك حصولها على دعم معنوي وسياسي ومالي كبير من الدول العربية التي تُطبِّع العلاقات مع إسرائيل.

وبالمثل، من المرجح أن تعزف مصر عن تحمل أي مسؤولية تجاه أكثر من مليوني فلسطيني في غزة لدى كثير منهم ميول إسلامية وتاريخ من الفعالية والمقاومة. ولكن مشكلة حماس لا نهاية لها والمخاوف بشأن الأمن في سيناء قد تدفع مصر للموافقة على دور يسمح لها بمزيد من السيطرة على الأحداث في غزة. وكما هو الحال مع الأردن، لا يمكن لمصر التنصُّل من مسؤولياتها الأمنية.

ولطالما كان للقاهرة اهتمام تاريخي في العلاقات البينية المتعلقة بالأراضي الفلسطينية والأردن وإسرائيل، وكذلك الحفاظ على وجود كبير في بلاد الشام. وستبقى غزة هي نقطة الوصول إلى ذلك المجال، وهي النقطة التي لا تسمح تطلعات مصر إلى دورٍ إقليمي بتجاهلها.

الانقسام الفلسطيني.. عقبة أخرى في الطريق

وألمح التقرير إلى أن الانقسام بين الضفة الغربية وغزة يمثل عقبة أخرى أمام طموحات الفلسطينيين؛ إذ أدَّى هذا الانقسام إلى ظهور جزيرتين منعزلتين متنافستين في شكل غزة التي تسيطر عليها حماس ورام الله التي تحكمها السلطة الفلسطينية. وعززت المحاولات الفاشلة للمصالحة بين حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية الانقسام الذي أصبح إشكاليًا تمامًا مثل الانقسام الإسرائيلي الفلسطيني.

Embed from Getty Images

ومن دون إعادة اتصال حقيقي بين المنطقتين، سيتقلَّص الكيان الفلسطيني المعروف وستنحسر فرص احتواء حماس. ويقوِّض هذا الانقسام أيضًا شرعية النظام السياسي الفلسطيني بأكمله، ويهدد بشدِّة ادِّعاء منظمة التحرير الفلسطينية بأنها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. وعلى الرغم من الدعوات المتكررة لإجراء انتخابات والاتفاق على برنامج وطني مشترك، لم تُقدِّم حماس أو فتح، وهما القوتان المهيمنتان في السياسة الفلسطينية، إجابة مقنعة حول كيفية إنهاء الخلاف.

وحتى في حال أُجريت الانتخابات، كما قرر مؤخرًا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فإنها لن تُؤدي إلا إلى إضفاء الشرعية على النظام السياسي المتداعي، وليس إلى تسهيل انتقال حقيقي للسلطة؛ إذ لا أحد من الطرفين لديه استعداد لتسليم السلطة للآخر؛ ما يعني أن الانتخابات ليست إلا مجرد خدعة.

توحيد لغة الحوار نقطة فاصلة في المفاوضات الناجحة

ويوضح التقرير أن على المفاوضات أيضًا أن تناقش الانفصال الأساسي في لغة السياسة بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين وطريقة فهمهم للقضايا الحاسمة. والأمن هو المثال الجوهري هنا، فالنظرة الفلسطينية لهذه المسألة ضيقة ومحلية وتكتيكية.

أما وجهة النظر الإسرائيلية، فواسعة وإقليمية وإستراتيجية. ولذلك، عندما يناقش الجانبان القضايا الأمنية فهما يتحدثان على مستويات مختلفة؛ إذ يركز الفلسطينيون على التهديدات المتعلقة بالأفراد، في الوقت الذي تتعلق فيه المخاوف الإسرائيلية بالدول والمنظمات القوية.

وكان عباس، المعروف بأبي مازن، قد حاول معالجة هذا الاختلاف لكن دون جدوى. وعباس هو آخر الآباء الفلسطينيين المؤسسين وأول زعيم وطني فلسطيني ينبذ العنف علانيةً دون تحفُّظ ويعلن التمسك بالدبلوماسية والوسائل السلمية باعتبارها الحل الوحيد للنزاع. وبغض النظر عن عيوبها الكثيرة، لم تكن اتفاقيات أوسلو ممكنة دون قيادته الحازمة، وكذلك بالنسبة للهدوء النسبي الذي ساد خلال الخمس عشرة سنة الماضية.

إلا أن إسهاماته لم تلقَ التقدير اللائق من إسرائيل والولايات المتحدة. ففي مقابل التحول الذي أحدثه في الخطاب والفعل الفلسطيني، لم يتلقَ سوى بعض كلمات المجاملة والوعود الفارغة والفتات من الدعم المالي. وعندما فشلت إسرائيل في التوصُّل إلى اتفاق معه، ضحَّت بمكاسب إستراتيجية طويلة المدى من أجل اعتبارات تكتيكية قصيرة الأمد.

والآن استوعبت غالبية الفلسطينيين معارضة أبي مازن الحازمة للعنف، فبعيدًا عن حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، لا يوجد اليوم فصيل فلسطيني معتبر أو حركة شعبية أو خليفة محتمل يتبنى «الكفاح المسلح» أو يدعو إلى عودته.

Embed from Getty Images

أبو مازن ونهج الدبلوماسية والسلمية

يلفت التقرير إلى أن أبا مازن قد نجح، دون مساعدة تقريبًا وبعد مواجهة صعوبات هائلة، في حذف ما اعتقدَ أنها فكرة هدَّامة من معجم السياسة الفلسطينية ومن السلوك الفلسطيني السائد. والآن وفي غياب حل عادل، قد يشكك الشعب الفلسطيني في إرث أبي مازن ويعيد النظر فيه، وقد تُمحى آثار أبي مازن بمرور الوقت.

وأثناء هذه العملية ستبدو صورة السلطة الفلسطينية بالنسبة لعديد من الفلسطينيين على أن هذه السلطة ليست إلا متعهِّد فرعي للاحتلال الإسرائيلي مكلَّف بقمع المعارضة المسلحة لإسرائيل في المناطق الواقعة تحت سيطرتها (أي تحت سيطرة هذه السلطة الفسلطينية).

وقوَّضت هذه الصورة مصداقية السلطة الفلسطينية وشرعيتها، وأسهمت في تعزيز الشعور بخيبة الأمل تجاه مشروع بناء الدولة الفلسطينية. وبذلت السلطة الفلسطينية محاولة بسيطة لشرح الأساس المنطقي الذي تستند إليه للموافقة على التنسيق الأمني مع إسرائيل، ولكنها لم تحصل إلا على القليل في المقابل.

وأدَّى هذا التعاون الأمني إلى إضعاف إحساس الإسرائيليين بالحاجة الماسَّة إلى الحماية وساعد على تهميش المخاوف الفلسطينية الأساسية من خلال إعطاء الأولوية على ما يبدو لحماية الإسرائيليين بدلًا عن الفلسطينيين. وفي المحصلة، تسامحت إسرائيل مع تهديد إستراتيجي مقابل سلامة فردية فورية.

وطالما لم تحدث إصابات في صفوف الإسرائيليين نتيجة أعمال عنف فلسطينية، يمكن لإسرائيل أن تتراجع خطوة إلى الوراء وتلبي الحاجة الفلسطينية إلى حل طويل الأمد يوفر بنية أمنية أكثر استقرارًا ورسوخًا لكلا الجانبين.

ولكن حتى مع إدخال تعديلات على نهج المصالحة، تظل هناك شكوك عما إذا كانت العودة إلى المفاوضات ستؤدي إلى نهاية الصراع. وما لم يحدث تحوُّل جذري غير متوقع، أو يقع حدث صادم يفرض تسوية من شأنها رأب الصدع الذي لا يمكن معالجته حتى الآن، ليس هناك سبب قوي للاعتقاد بأن المحادثات المستقبلية ستنجح. والنتيجة الأكثر ترجيحًا هي أن يبقى الوضع الراهن على حاله مع ما يحمله من عواقب غامضة وغير متوقعة.

ويمكن لعوامل مثل الانجذاب الفلسطيني البطيء إلى فلك السياسة الإسرائيلية، أو العنف بين الجانبين، أو المشاريع التعاونية الجديدة، أو التبادلات عبر الخط الأخضر مجتمعة أو منفردة أن تعيد رسم الخريطة وتعزيز واقع الدولة الواحدة دون تمييز بين العرب واليهود في الأرض المقدسة. وبالنسبة لبعض الإسرائيليين والفلسطينيين يمكن أن يكون هذا مصدر ارتياح، بينما يمثل خطرًا وجوديًّا بالنسبة لآخرين.

Embed from Getty Images

الفلسطينيون والكفاح الجديد

يقيد التقرير أن النضال الفلسطيني من أجل دولة مستقلة ركَّز على السيادة الفلسطينية باعتبارها الترياق الذي سيداوي جراحات عقود من الاحتلال ونزع الملكية. إلا أن احتمالات تأمين السيادة الحازمة، وفقًا لمفاهيم القرن التاسع عشر للدولة القومية، مع سيطرة كاملة وتامة على الأرض والحدود والموارد تبدو بعيدة، وليس هناك ما يشير إلى أن شروط إسرائيل ستتغير لتتوافق مع مثل هذه التوقعات الفلسطينية.

وقد يبدو هذا الاستنتاج قاسيًا، إلا أن خيار الفلسطينيين قد ينحصر بين التمسك بوهم السيادة القوية الذي قد يأتي بنتائج عكسية وإضاعة أي فرصة للخلاص من مأزقهم، وبين تبني صيغة أكثر مرونة كما حدث مع بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي يوفر مخرجًا مع أنه يأتي على حساب ما يُعد حتى اليوم امتيازًا وطنيًّا.

وفي ظل السيادة المرنة، يجب أن تكون الترتيبات الأمنية على الحدود بالتنسيق بين ثلاثة أطراف في كل من الضفة الغربية (الأردن، وإسرائيل، وفلسطين) وغزة (مصر، وإسرائيل، وفلسطين). وقد تكون الشروط الدقيقة لهذه المقايضات قابلة للتطبيق، ولكن الشرط المسبق لذلك هو تعديل الخطاب السياسي وهو الأمر الذي لم تتبنَّه النخبة السياسية الفلسطينية بعد.

ومن الواضح أن الفلسطينيين بحاجة إلى مقاربة جديدة؛ نهج يقوم على رؤية إستراتيجية جديدة أُعِيد النظر في تفاصيلها وتطلعات أُعِيد ضبطها. ويجب أن تأخذ الطريقة المستقبلية الجديدة في الاعتبار إنشاء جمعية تأسيسية جديدة تمثِّل المزيد من الفلسطينيين وتشركهم في الأمر، وتفسح المجال لسماع صوت أولئك الذين تعرَّضوا للتجاهل أو التهميش، وتعطي الأولوية لرفاهية الفلسطينيين وأمنهم.

وعلى هذه المقاربة إعادة ترتيب العلاقات بين السلطة الفلسطينية الجديدة ومنظمة التحرير الفلسطينية الجديدة، وحل الانقسام بين الضفة الغربية وغزة. ويجب أن تطوِّر أفكارًا جديدة حول الحقوق الفردية والجماعية، وتشجع النقاش والحوار الداخلي وتبنِّي ثقافة التسامح. ويجب أن تُدرك أن الخلاص يأتي من الداخل بينما تعيد النظر في علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتعمل على الاستفادة من اتفاقيات التطبيع العربية لصالح الفلسطينيين، وتُشرِك مصر والأردن في أي محادثات جديدة.

Embed from Getty Images

وعليها أيضًا أن تعيد تعريف مفهوم السيادة الفلسطينية، وتراجع المفهوم الفلسطيني حول الأمن والتوقف عن التنصل من مسؤولياتها أو الانغماس في تهديدات غير موثوقة.

ويختم الكاتبان بالقول: هذه اللحظة تُذكرنا بالأيام الأولى لمنظمة التحرير الفلسطينية حيث المشهد الفلسطيني مهيَّأ لصدمة أخرى تحمل معها المزيد من الوعي الذاتي والتمكين، إلا أن طبيعة هذه الصدمة غير واضحة بعد. ولكن ما لم تجرِ تهدئة الفلسطينيين أو استيعابهم على نحو عادل، فإن قضيتهم ستستمر في الاشتعال، وستظل آفاق السلام والاستقرار الحقيقيين بعيدة المنال.

عربي

منذ أسبوعين
«المونيتور»: ما هي خطة «حماس» للانتخابات الفلسطينية المرتقبة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد