الآراء تتغير بشأن هذا الوصف المثير للجدل، لكن تهديد المستوطنين الإسرائيليين بتهجير عائلات فلسطينية من منازلها في حي الشيخ جرَّاح يُظهر السبب وراء إطلاق هذا الوصف على إسرائيل.

نشر موقع «ذي إنترسبت» الأمريكي تقريرًا أعدَّته الصحافية داليا حتوقة، التي تهتم بالشؤون الفلسطينية والإسرائيلية، أوضحت فيه كيف ينطبق مصطلح نظام الفصل العنصري أو «أبارتايد» على الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، مشيرةً إلى أن ما يحدث مؤخرًا في حي الشيخ جرَّاح في مدينة القدس المحتلة خير دليل على ذلك.

العالم يستيقظ من غفوته

استهلت الصحافية تقريرها بالإشارة إلى اعتداء بعض الجنود الإسرائيليين على الفلسطيني محمد الكرد، أحد أبناء حي الشيخ جرَّاح بالقدس الشرقية، بعد ظهوره عدة مرات الأسبوع الماضي على التلفزيون الأمريكي على قنوات «سي إن إن» و«إم إس إن بي سي»، وفي برنامج «الديمقراطية الآن!»، وأجبروه على مغادرة منزله في حي الشيخ جرَّاح. وانتشر الفيديو الدرامي، الذي يُصور طرده من منزله، سريعًا على مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
كيف مثَّلت أحداث القدس «صفعة» على وجه إسرائيل؟

وتابعت الصحافية قائلة: عاد الكرد للظهور على التلفزيون الأمريكي يوم الخميس، وتحدث إلى برنامج «الديمقراطية الآن!» قائلًا: «الحمد لله على نعمة وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأن العالم على ما يبدو قد استيقظ أخيرًا على حقيقة أن إسرائيل نظام فصل عنصري (أبارتايد)، وتتعامل مع الفلسطينيين بمثل هذه الممارسات التي تجردهم من صفاتهم الإنسانية».

محنة عائلة الكرد

وأوضحت الصحافية أن الكرد يبلغ من العمر 23 سنة فقط، لكنه بالفعل يحمل على كاهله عبء التاريخ. وكان الكرد لم يزل في سن المراهقة عندما بدأت عائلته، مثل غيرها من العائلات في المنطقة التي تقع بالقرب من البلدة القديمة العريقة، في مقاومة طردهم من منازلهم لإخلاء المكان للمستوطنين اليهود المدعومين من دولة إسرائيل.

Embed from Getty Images

وتستطرد الصحافية موضحةً أن محنة الكرد بدأت قبل وقت طويل من ولادته. إذ أُجبرت جدته، وهي السيدة رفقة الكرد، على مغادرة منزلها في حيفا عام 1948، خلال عمليات الإجلاء الجماعي التي رافقت قيام دولة إسرائيل، وهي أحداث يُطلق عليها الفلسطينيون اسم النكبة. واستقرت السيدة رفقة في نهاية المطاف في حي الشيخ جرَّاح.

نحلات شمعون منظمة استيطانية مسجَّلة في أمريكا

لفت التقرير إلى أن حي الشيخ جرَّاح أُنشئ في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948 باعتباره حيًّا فلسطينيًّا، ولكن إسرائيل، في حرب الأيام الستة عام 1967، استولت بالقوة على القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما فتح الباب أمام أكثر من نصف قرن من النزع المستمر لملكية الفلسطينيين ومصادرة ممتلكاتهم، وهو نظام قانوني يرتكز على أسس عِرقية، وممارسات أعمال عنف متكررة والمعروفة بالاحتلال (قانون تبييض المستوطنات أو قانون التسوية لعام 2017، والذي يسمح بنزع ملكية الأراضي الفلسطينية الخاصة عن أصحابها، واستخدامها لخدمة مصالح المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة).

وألمح التقرير إلى أن المستوطنين استولوا في عام 2009 على نصف منزل الكرد، مطالبين بحقهم في المنزل، وقالوا أمام المحكمة إن المنزل بُني على أرض يملكها اليهود قبل فرارهم من حرب عام 1948. وقال محمد الكرد، في مقابلة أجراها مع الصحافية قبل طرده من حي الشيخ جرَّاح: إنه «من الغريب أن أشرح للناس أن هناك مستوطنًا استولى على أكثر من نصف منزلي ويعيش هناك منذ 12 عامًا، وأن هناك منظمة استيطانية مسجَّلة في الولايات المتحدة تعمل على نحو دؤوب لطردي وعائلتي وآخرين من الحي الذي نعيش فيه».

وأشارت الكاتبة إلى أن المنظمة التي تحاول طرد الكرد وعائلته هي «نحلات شمعون»، وهي جمعية استيطانية إسرائيلية مملوكة لشركة مسجَّلة في ولاية ديلاوير الأمريكية، حيث تمنح قوانين الشركات أصحابها حق إخفاء الهوية.

 نكبة متجددة

ونوَّهت الكاتبة إلى أن أعمال العنف تصاعدت سريعًا خلال الأسبوع الماضي، وهي عبارة عن اعتداءات إسرائيلية على المسجد الأقصى، وإطلاق صواريخ من قطاع غزة على المدن الإسرائيلية، مع الرد الإسرائيلي على الصواريخ بشن غارات جوية وقصف عنيف، لكن حي الشيخ جرَّاح يقع في قلب هذه الجولة من أعمال العنف. وظلت هذه المنطقة، التي تمتد مساحتها على تلة صغيرة وتنتشر فيها مكاتب البعثات الدبلوماسية ومكاتب الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، نقطة لاشتعال أعمال العنف لسنوات عديدة.

Embed from Getty Images

وكان الإسرائيليون يتطلعون إلى الانتقال إلى منازل الفلسطينيين في القدس بموجب قانون أملاك الغائبين الإسرائيلي (يُعرِّف القانون كلَّ مَن هُجِّر أو ترك حدود فلسطين المحتلة بسبب حرب الاحتلال، على أنه غائب، وتعد كل أملاكه بمثابة أملاك غائبين، وبهذا تتمتع حكومة الاحتلال بصلاحيات كاملة للتصرف فيها). ويصف بعض الفلسطينيين هذه الممارسات بأنه عمل يرقى إلى أن يكون «نكبة متجددة»، استنادًا إلى الظلم المستمر المفروض على الفلسطينيين منذ أكثر من سبعة عقود.

قانون أملاك الغائبين

وأفادت كاتبة التقرير أنه بموجب القانون الإسرائيلي (أملاك الغائبين)، يُعد المقدسيون الفلسطينيون، الذين هُجِّروا من منازلهم واستولت عليها إسرائيل في عام 1948، غائبين ولا يحق لهم المطالبة بممتلكاتهم من الناحية القانونية، لكن المواطنين اليهود في إسرائيل، الذين يمكنهم إثبات أن أي منزل كان يملكه شخص يهودي، لديهم الحق في الرجوع إليه. ولا ينبغي أن تكون الأسرة اليهودية هي التي تملك المنزل، مما يعني أن الجمعيات الاستيطانية القوية والممولة تمويلًا جيدًا ولديها علاقات خارجية يمكنها أيضًا المطالبة بالممتلكات. وهذا التفاوت القانوني يُعد بمثابة مظلة تنفَّذ عمليات الإخلاء الوشيكة تحت رعايتها.

وفي هذا الصدد قال الكرد: إن «الأمر المختلف في النكبة الراهنة هو أن السلطات الإسرائيلية كانت لديها القدرة على استخدام نظام قضائي صُمِّم لضمان فرض الهيمنة اليهودية على القدس بدلًا عن استخدام الأسلحة والمدفعية، وهو ما يُترَجم إلى التهجير القسري والاستيلاء على ممتلكات الغير».

وألمحت الكاتبة إلى أن المستوطنين يستهدفون منازل الأحياء الفلسطينية في مدينة القدس بصورة منتظمة، مستخدمين قانون أملاك الغائبين، ويستخدمون وثائق مزورة في كثير من الأحيان، لإخلاء سكان المنازل قسرًا. ويستولي اليهود على المنازل في محاولة واضحة منهم لإنشاء جيوب يهودية، وهو الأمر الذي يُعقِّد أي عملية تقسيم للمدينة في اتفاق سلام مستقبلي.

إعادة تشكيل الواقع الديموجرافي

وبدورها، تُطلق منظمة بتسيلم (مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان) الحقوقية الإسرائيلية على هذه الأحداث، بحسب موقع المنظمة على الإنترنت، أنها «مساعٍ إسرائيلية لتشكيل الواقع الديموجرافي للقدس الشرقية… من خلال مصادرة الأراضي وفرض القيود على البناء. وبينما تحظى الأحياء اليهودية في القدس والكتل الاستيطانية في أطراف القدس بتطور هائل وتمويلات كبيرة، تبذل إسرائيل قصارى جهدها لإعاقة أي تنمية في المناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون»، بما في ذلك استخدام قوانينها وسياساتها التي تُنفذ حاليًا في حي الشيخ جرَّاح.

Embed from Getty Images

وأشار التقرير إلى أنه في الآونة الأخيرة، وصفت كل من منظمة بتسيلم الإسرائيلية و«منظمة هيومن رايتس ووتش»، التي تتخذ من نيويورك مقرًا لها، السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين على أنها نموذج لنظام الفصل العنصري (الأبارتايد)، وهو ما لم تعلنه المؤسسات الليبرالية الرئيسة من قبل إلا منذ بضع سنوات.

وفي السياق ذاته، قال رشيد الخالدي، مؤرخ فلسطيني وأستاذ الدراسات العربية في جامعة كولومبيا: «من اللافت للنظر أن يتطرق أخيرًا الخطاب العام العالمي، والغربي الأمريكي على وجه التحديد، إلى مناقشة مصطلح مثل النكبة، ومناقشة قضايا مثل الاستعمار الاستيطاني وما تعنيه الممارسات الصهيونية بالفعل. إنها علامة على بداية أن هناك تحولًا في الصفائح التكتونية التي كانت تقف دائمًا إلى جانب مصالح الصهيونية في إسرائيل في الماضي».

إسرائيل نظام فصل عنصري «أبارتايد»

وأوضحت الكاتبة أن النخبة السياسية الموالية لإسرائيل تقاوم بشدة الحركة الليبرالية، لكن أحداثًا كتلك التي تنتشر في القدس تبرهن على صحة ما تقوله منظمات حقوق الإنسان. وتكشف التهديدات بإجلاء الفلسطينيين من منازلهم في حي الشيخ جرَّاح والاشتباكات المحيطة به، والتي بثتها وسائل التواصل الاجتماعي، عن نظام من أنظمة الفصل العنصري الذي يرتكز على أساس العِرق وهو ما يُعزز وصف النظام الإسرائيلي بأنه نظام فصل عنصري (أبارتايد).

تحولات أمريكية ضد إسرائيل

واستشهدت الكاتبة بما قاله يوسف منير، زميل باحث غير مقيم في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فرع العاصمة واشنطن، إنه «كان من الرائع رؤية استجابات متباينة من المسؤولين المُنتَخبين هنا في الولايات المتحدة. ويبدو أن هناك تحولات، والأشخاص الذين لم يتحدثوا من قبل يتحدثون علنًا في الوقت الحالي، وبدأ الذين تحدثوا عن هذه القضايا من قبل يغيرون نبرة صوتهم. ويدرك الناس أن سياسة منح إسرائيل شيك على بياض، والتي ظلت لمدة طويلة هي المعيار الذي تتبناه الولايات المتحدة، لم يعد آمنًا من الناحية السياسية بعد الآن».

دولي

منذ 4 شهور
هكذا ساهمت العقوبات ضدَّ جنوب أفريقيا في إنهاء «الأبارتايد».. فماذا عن إسرائيل؟

ولفتت الكاتبة إلى أن التحولات في الرأي العام الأمريكي بدأت تظهر للعيان، وهو ما كان يُعد من قبل حصنًا لا يمكن اختراقه من المشاعر الأرثوذكسية المؤيدة لإسرائيل: في الكونجرس. إذ استغل النواب، وخاصة الديمقراطيين الجدد الذين يستحوذون على طاقة الناخبين الشباب، قاعة الجلسة يوم الخميس للإعلان عن معارضتهم لسياسات إسرائيل.

نسمع جعجعة من الإدانات.. فهل نرى طحنًا؟

وأوضح الخالدي قائلًا: «هناك العشرات من أعضاء الكونجرس، الذين أعلنوا تأييدهم لمشروعات قوانين من شأنها أن توقف الدعم الأمريكي للعمليات الإسرائيلية لهدم منازل الفلسطينيين أو وقف اعتقال إسرائيل للأطفال الفلسطينيين. إننا في بداية التغيير، وآمل أن يؤدي هذا الأمر إلى تحرك حقيقي من الجهات الفاعلة الدولية، وليس مجرد جعجعة من الإدانات التي لا معنى لها».

وفي ختام تقريرها تشير الصحافية إلى أن المحكمة العليا الإسرائيلية أعلنت في 9 مايو (آيار) أنها ستؤجل الحكم في قضية استمرت عقودًا لطرد العائلات الفلسطينية، مع تحديد جلسة استماع أخرى في غضون شهر، لكن القرار المرتقب لم يردع الكرد ورفاقه الناشطين عن الاستمرار في حملتهم. يقول الكرد: «نحن مذهولون من الدعم الدولي والمحلي والإقليمي من المنظمات لحملتنا، كما أننا مندهشون من سير الأحداث والتطورات على الأرض. وسنضاعف من جهودنا خلال الثلاثين يومًا المقبلة. ولن تتوقف هذه الحملة مطلقًا حتى نحقق مبتغانا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد