على عكس ما قد يعتقده الناس، لم تكن ألمانيا التي خففت قيود الحركة مؤخرًا، ولا السويد التي رفضت عمليات الإغلاق، أقل الدول الأوروبية تسجيلًا للوفيات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا، بل سلوفاكيا الدولة الصغيرة الواقعة في وسط أوروبا، والتي يبلغ عدد سكانها 5.4 مليون نسمة فقط.

في مقال منشور في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، يشرح عضو البرلمان السلوفاكي السابق، ميروسلاف بيبلافي، والباحث السابق في مركز دراسات السياسة الأوروبية في بروكسل، كيف تمكنت بلاده من تسطيح منحنى الإصابة بعدوى الفيروس المستجد.

وأوضح الكاتب أنه حتى السادس من مايو (أيار)، كانت سلوفاكيا قد أعلنت وجود 1429 حالة إصابة مؤكدة، و25 حالة وفاة ناتجة عن مرض (كوفيد-19)، ولو كانت مدينة نيويورك الأمريكية قد سجلت نفس معدل الوفيات، لكان عدد ضحايا الفيروس قد وصل فيها إلى 40 شخصًا فقط بدلًا عن 19 ألف.

كيف نجحت سلوفاكيا في احتواء فيروس كورونا حتى الآن؟ 

يجيب الكاتب عن هذا السؤال قائلًا: يجب أولًا أن نبدد التصورات الخاطئة، فسلوفاكيا لم تحقق هذه النتائج الجيدة عن طريق الانعزال، بل على العكس فعلاقتها بالخارج متشابكة للغاية، حيث يعمل مئات الآلاف من السلوفاك في أماكن أخرى في أوروبا، سواء مسافرين يوميين أو عمالًا موسميين أو مهاجرين لفترات طويلة.

على سبيل المثال، يتنقل أكثر من 20 ألف سلوفاكي يوميًا للعمل مقدمين للرعاية لكبار السن في النمسا المجاورة، والتي شهدت تفشيًا كبيرًا للفيروس. كما أن الشباب السلوفاكي يدرسون في الخارج أكثر من نظرائهم في أية دولة أخرى من دول الاتحاد الأوروبي.

صحة

منذ شهرين
«الإندبندنت»: لماذا تشهد هذه الدولة أعلى معدل لوفيات كورونا في العالم؟

ووفقًا لبيانات برامج التعقب الهاتفية، فقد سافر نحو 50 ألف سلوفاكي إلى شمال إيطاليا المنكوب بفيروس كورونا خلال النصف الثاني من شهر فبراير (شباط) وأوائل مارس (آذار)، ومع ذلك فلم تشهد سلوفاكيا تفشيًا كبيرًا للمرض بعد عودتهم.

كما لا يمكن أن يُنسب معدل الوفيات المنخفض في سلوفاكيا إلى جودة مؤسساتها العامة. فبالرغم من كونها عضوًا في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها لم تسجل درجات عالية في مؤشر الأمن الصحي العالمي لعام 2019، والذي يقيِّم قدرة البلدان على الاستجابة للأوبئة أو التهديدات المماثلة.

واحتلت المرتبة 70 في قدرتها على اكتشاف تهديد الأمن الصحي والمرتبة 105 في قدرتها على الاستجابة لمثل هذا التحدي. وبالمقارنة، احتلت ألمانيا المرتبة العاشرة في القدرة على الاكتشاف، و28 في القدرة على الاستجابة.

وأضاف الكاتب أنه على مدى الأسابيع الستة الماضية، لاحظ الناس ما يعنيه ذلك من الناحية العملية. ففي بداية الوباء، كانت لدى سلطات الصحة العامة السلوفاكية مخزونات محدودة من معدات الوقاية الشخصية ومجموعات الاختبار التشخيصي للفيروس، ولم يكن لديها أيضًا سوى عدد قليل من الفرق المستعدة لإجراء الاختبار وتقفي أثر المخالطين للمرضى، ومع ذلك فقد كانت الفرق مكونة من موظفين مدنيين متمرسين يعملون في النسخة السلوفاكية من مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها.

وأوضح أنه حتى الآن لا يوجد في سلوفاكيا تطبيق هاتفي للتتبع، ولم يُفرض نظام عزل ذكي. وبالمقارنة مع الدول الأخرى التي نجحت في محاصرة الفيروس، كانت تايوان تمتلك نظامًا جاهزًا حتى قبل أن يبدأ الوباء، كما طورت جمهورية التشيك – التي لم تكن مستعدة في البداية – نظامًا في نهاية مارس.

ومع ذلك، يبدو أن حالات تفشي المرض اقتصرت بالدرجة الأولى على ثلاث فئات: الأفراد الفقراء من أقلية الروما (طائفة من الغجر) الذين يعيشون في الأحياء الريفية الفقيرة، ومن المرجح أنه انتشر بينهم عن طريق العائدين من المملكة المتحدة، وكبار السن الذين يعيشون في مرافق الرعاية الصحية، وأخيرًا بين المهاجرين العائدين إلى البلاد وأسرهم. صحيح أن استجابة السلطات جاءت سريعة، ولكن بعد أن ظهر تفشي المرض.

Embed from Getty Images

لماذا إذًا لم يجتح فيروس كورونا سلوفاكيا؟ 4 عوامل أساسية

يقول الكاتب إن الخبراء الذين تحدث إليهم أرجعوا هذا الأمر إلى ثلاثة عوامل رئيسة، أهمها: القرار السريع الذي اتخذته الحكومة بفرض عملية إغلاق على مستوى الدولة اعتبارًا من 16 مارس، أي بعد 10 أيام من تأكيد البلاد لأول حالة إصابة بالعدوى.

وأوضح أن هذا الإغلاق شمل إقفال جميع المدارس، والمطاعم، والحانات، والمحلات التجارية، باستثناء متاجر البقالة والصيدليات والبنوك، فضلًا عن حظر جميع المناسبات والتجمعات العامة. كما انعزل البلد على نفسه بإغلاق جميع المطارات وفرض حجر صحي إلزامي على المواطنين العائدين من الخارج. ولكن خلافًا لما حدث في بعض البلدان الأخرى، ظلت حركة تنقل الأفراد غير مقيدة إلى حد كبير.

ولم تنجح تدابير الإغلاق سوى بسبب العامل الثاني، وهو الامتثال الفوري والشامل الذي أبداه الشعب السلوفاكي. ويقول الكاتب إن الناس نفذوا ما طُلب منهم، وذلك على الرغم من أن سلوفاكيا تعاني بشكل عام من انخفاض مستوى الثقة في السياسيين والحكومة، بحسب الدراسة الخاصة بالقيم الأوروبية.

وتصرف السلوفاك طواعية دون الحاجة إلى تطبيق تدابير قسرية واسعة النطاق. وأكد التقرير أن استجابة النخب السياسية في البلاد ساهمت في هذا الامتثال، فبالرغم من أن سلوفاكيا شهدت صراعًا حزبيًا حول المسؤول عن عدم الاستعداد، إلا أنه لم يكن هناك خلاف حول خطورة التهديد أو الحاجة إلى عملية الإغلاق نفسها، وذلك على عكس ما حدث في الولايات المتحدة التي اشتبكت فيها السلطات الفيدرالية مع سلطات الولايات.

Embed from Getty Images
رئيس الوزراء السلوفاكي إيجور ماتوفيتش

وهنا يأتي دور العامل الثالث، إذ يشير بيبلافي إلى أن الخبراء ينسبون الفضل في نجاح سلوفاكيا إلى الدور الحاسم الذي لعبته وسائل الإعلام أكثر من أداء المؤسسات العامة. وقد أصبح تعميم استخدام أقنعة الوجه – الذي بدأ في مرحلة مبكرة على الرغم من موقف منظمة الصحة العالمية الرافض – رمزًا لاستجابة سلوفاكيا للفيروس.

وجاءت اللحظة المحورية في 13 مارس، عندما استضافت مذيعة البرنامج التلفزيوني الأكثر شعبية في البلاد، زلاتيكا بوسكاروفا، رئيس الوزراء المقبل إيجور ماتوفيتش ووزير الصحة في حكومته. وبدأت بوسكاروفا بالطلب من المسؤولين الحكوميين أن يكونا قدوة للشعب، وأعطت لهما قناعين للوجه، فامتثلا على الفور. واعتبارًا من اليوم التالي بدأت البلاد بأكملها في صنع أقنعة حماية الوجه وارتدائها. ومنذ ذلك الحين، لم يظهر أي سياسي سلوفاكي، أو مراسل صحافي، أو شخص مشهور علنًا دون قناع.

كما أدت الأزمة التي تسبب فيها فيروس كورونا إلى زيادة عدد قراء وسائل الإعلام الأكثر جدية. وركزت المواقع التي تروج للأفكار المتطرفة ونظريات المؤامرة – والتي تحظى بشعبية كبيرة في سلوفاكيا عادةً – على القضايا الصحية، وتجاهلت الفيروس تمامًا لعدة أسابيع. وهو ما سمح لوسائل الإعلام الرئيسة بالهيمنة على الخطاب العام. وحتى عند انتقادها إجراءات حكومية محددة – مثل سوء إدارة حظر السفر الذي فُرض خلال عطلة عيد الفصح – ظلت وسائل الإعلام الرئيسة حريصة على عدم التقليل من شأن الحاجة إلى التقيد الصارم بالإغلاق.

صحة

منذ شهرين
مترجم: هل توصلت السويد حقًّا إلى أفضل طريقة للتعامل مع فيروس كورونا؟

أوضح الكاتب أنه بالرغم من تنوع محطات التلفزيون والصحف والمواقع الإخبارية في سلوفاكيا، إلا أنها مجموعة مجزأة تعمل في سوق صغير، وتفتقر إلى النفوذ المالي أو الموارد التي تتمتع بها وسائل الإعلام في البلدان الأكبر. وعلى الرغم من ذلك تمكنت العديد من المنافذ الإعلامية من جذب الصحفيين الملتزمين واللامعين الذين دفعتهم المصلحة العامة.

وذكر الكاتب أن وسائل الإعلام لعبت دورًا كبيرًا في أزمة فيروس كورونا، ليس فقط من خلال مساءلة الحكومة، إنما أيضًا من خلال نشر المعايير الاجتماعية الجديدة بسرعة.

وقال إن الحكومة السلوفاكية بدأت في تخفيف تدابير الإغلاق في 22 أبريل (نيسان)، وبما أن عدد الإصابات اليومية الجديدة ظل في خانة الأرقام الفردية، فقد فتحت السلطات معظم المحلات التجارية والمطاعم والفنادق في 6 مايو (أيار). وبالرغم من أن الوضع أبعد ما يكون عن الطبيعي – حيث لا تزال المدارس مغلقة، ولا يمكن للمطاعم والحانات أن تقدم خدماتها سوى في الهواء الطلق – إلا أن السلوفاك احتفلوا بقص شعرهم أخيرًا من خلال نشر صور «سيلفي» لتسريحاتهم الجديدة على وسائل التواصل الاجتماعي.

واختتم الكاتب بالقول إنه في حين تلعب الإجراءات المبكرة والحازمة التي تتخذها الحكومات دورًا هامًا في مكافحة فيروس كورونا، فإن حالة سلوفاكيا تُبين أن وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني يمكنها أن تعوض ضعف مؤسسات الصحة العامة، من خلال تحقيق توافق في الآراء على مراعاة المعايير الاجتماعية الضرورية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد