كان لزيادة حموضة المحيطات أثرٌ حاسمٌ في واحدٍ من أكثر الانقراضات مأساويةً في تاريخ كوكبنا الأرض، ويرفع العلماء أصواتهم اليوم محذرين من ارتفاع حموضة مياه البحار مجددًا. ماذا يعني هذا لكوكبنا؟ وهل من احتمالٍ لحدوث موجة انقراضات جديدة؟ يتناول روبنسون ماير دراسة حديثة متعلقة بهذا الشأن في تقريره ضمن مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية.

 أسوأ يوم في تاريخ الحياة الأرضية

وقعت أعظم كارثة وأسوأ يوم في تاريخ الحياة على الأرض منذ حوالي 66 مليون عام بالضبط، عندما اصطدم كويكب بحجم مانهاتن تقريبًا بشبه جزيرة يوكاتان المكسيكية.

Embed from Getty Images

لا بد أن القصة مألوفة لك، ضرب نيزكٌ قطره 9 كيلومترات شبه الجزيرة تلك، مُحدثًا فتحةً عرضها 180 كيلومترًا وعمقها 20 كيلومترًا على سطح الكوكب. ترك هذا الكويكب أثرًا جسيمًا بقدومه، لدرجة أنه يمكن وصفه بالـ«كويكب الذي غيّر تاريخ الأرض»، إذ تسبب ارتطامه بالأرض بتسخين الصخر حد التبخير وقذفه إلى منتصف الطريق حتى القمر -كما يشرح التقرير.

اهتز الكوكب بزلزالٍ بلغت قوته 12 درجة، مطلقًا موجات تسونامي على امتداد خليج المسكيك. تكثف بعض الحطام المقذوف إلى طبقات الغلاف الجوي، ليسقط عائدًا إلى الأرض على شكلِ أجسامٍ حارقة من الزجاج المنصهر تسببت بدورها بإشعال الحرائق في اليابسة محوّلةً الغابات إلى عواصف نارية. ظلّت بقية الحطام معلقةً عالية في الفضاء، لتحجب أشعة الشمس وتبدأ بتبريد سطح الكوكب.

ومع نهاية هذا الفصل، انقرض حوالي 75% من الأنواع الحية على الأرض، بما في ذلك جميع الديناصورات غير الطيرية. انتهى العصر الطباشيري بهذا الحدث ليبدأ العصر الثلاثي (أو الترياسي)، وسُمي الحدث نفسه باسم «انقراض العصر الطباشيري الثلاثي» أو اختصارًا «انقراض K-T».

الكويكب الذي غيّر تاريخ الأرض، ضرب شبه جزيرة مكسيكية ليحدث تغييرات بيئية جذرية ويتسبب بانقراض قرابة 75% من الأنواع الحية على الكوكب.

اُقترحت فرضية تأثير K-T لأول مرة عام 1980، ومن حينها أصبح يومًا أسطوريًا تقريبًا اليوم الذي انقرضت فيه الديناصورات. لكن الأسئلة ما تزال معلّقة بشأن النظرية: لم تحدث أيّ انقراضات كبرى جماعية أخرى على الأرض بسبب تأثير كويكب، فلماذا أنهى هذا الكويكب تحديدًا عهد الديناصورات الذي استمرّ تاريخيًا حتى 180 مليون عام؟

Embed from Getty Images

 لماذا هذا الكويكب؟

إجابة محتملة تقدمها دراسة جديدة نُشرت الأسبوع الماضي ضمن دورية «Proceedings of the National Academy of Sciences» العلمية: غيّر أثر الكويكب من المحتوى الكيميائي للمحيط، متسببًا بزيادة حامضيّة مياه البحر جاعلًا إياها غير مواتية للعوالق البحرية الدقيقة (البلانكتون) والتي تشكل أساس سلسلة الغذاء البحري. مع الوضع بعين الاعتبار بقية التأثيرات الأخرى للكويكب – بما في ذلك السماء المظلمة والموجة المفاجئة للتبريد العالمي – فقد أدى هذا الاضطراب البيئي إلى هلاك معظم الحياة على وجه الأرض آنذاك. قد تُرضي هذه النتائج مشجعي نظرية الكويكب، لكنها نذيرة بالشؤم وفقًا للتقرير: لأن تحمّض المحيطات الذي كان السمة المميزة للانقراض الجماعي السابق للأرض، يحدث مرة أخرى اليوم.

Embed from Getty Images

كيف يتسبب كويكب في الانقراض؟

يختار الموقع الصحيح للاصطدام. تشرح مؤلفة الورقة البحثية پينسيلي هول – وهي بروفسيرة الجيولوجيا في جامعة ييل – كيف كانت شبه جزيرة يوكاتان موقعًا ممتازًا لتحقيق موجة الانقراضات تلك، إذ ينقل التقرير عنها أن شبه الجزيرة كانت عبارة عن «شعاب قديمة مدفونة»، تراكم من الشعاب المرجانية الميتة وغيرها من الحيوات البحرية التي يبلغ سمكها الآن أكثر من ميل. عندما ضرب الكويكب المكان، أصبحت ميغونات تلك المادة العضوية القديمة التي لا حصر لعددها غبارًا على الفور – وقد كانت غنية بالنيتروجين والكبريت –  وانطلقت مرتفعةً إلى الغلاف الجوي.

وسرعان ما بدأ هباء المادة العضوية المنثور في الفضاء بالتساقط عائدًا إلى الأرض، على شكل أكسيد النيتريك الآن وحمض الكبريتيك، أو كما تصف الأمر هول: «كانت السماء تمطر الحامض والكبريت». لا بد أن الهواء كان يعبق حينها برائحة أعواد الثقاب المحترقة والكبريت اللاذع. أما الحمض المتراكم في المحيطات فيؤثر على أصداف البلانكتون الدقيقة بلا هوادة، متسببًا بتآكلها واختفاء أساس سلسلة الغذاء البحرية بذلك.

Embed from Getty Images

ارتفعت حموضة المحيطات بنسبة لا تقل عن 0.3PH خلال بضعة قرون من التأثير، وهو ارتفاع جسيم. ربما استمرت هذه الزيادة في تحمض المحيطات لأقل من 1000 عام، وقد كان هذا التصاعد «طويلًا بما يكفي ليفتك بنظمٍ إيكولوجيةٍ بأكملها» وفقًا لهول. يوضح التقرير آثار تحمض المحيطات المحتملة الأخرى، إذ يمكن أن يتسبب بتفاقم التغيرات البيئية الساحقة الأخرى الناجمة عن تأثير الكويكب أيضًا، مثل الظلام الذي دام لسنوات بسببِ الحطامِ في المدار وكذلك الرماد من حرائق الغابات العالمية.

تسبب تأثير الكويكب بتحمّض المحيطات وتآكل البلانكتون أساس الغذاء البحري وتغيّرات بيئية أخرى أدّت مجتمعةً إلى الفتك بنظمٍ إيكولوجية بأكملها. 

ارتباط زيادة حموضة المحيطات بالانقراض

مع هذا الاكتشاف الجديد، يبدو الآن تكرر ظهور تغير حامضية المحيطات مع أسوأ ثلاث حالات انقراضٍ جماعي في تاريخ الأرض. يشمل ذلك: انقراض العصر الطباشيري الثلاثي- انقراض نهاية العصر الترياسي: حين تسببت براكين في نيوجيرسي بمقتل 75% من الأنواع على وجه الأرض- انقراض نهاية العصر البرمي الرهيب، ويعرف بـ«الموت العظيم» أو بـ«أسوأ انقراضٍ في تاريخ الكوكب» إذ قتل ما يقرب من 85% من جميع الأنواع كما تسبب بتعقيم المحيطات تقريبًا.

Embed from Getty Images

هذا نمطٌ مقلقٌ بلا شك، خاصةً حين تعلم بأن المحيطات تزداد حامضيتها مجددًا اليوم. معروف أن ثاني أكسيد الكربون يلوّث الهواء ويتسبب في حدوث الاحترار العالمي، لكنه أيضًا يذوب منحلًّا في المحيطات متسببًا في زيادة حامضيّة مياه البحر. منذ أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، اتجهت محيطات الكوكب لارتفاع حامضيتها بمقدار 0.02 pH كل عقد، وفقًا لتقريرٍ صدر الشهر الماضي من اللجنة الدولية للتغيرات المناخية. وجد التقرير أيضًا أن أكثر من خمس التلوث الكربوني المعاصر قد ذاب بالفعل في المحيطات.

ارتبط ارتفاع حامضية المحيطات مع ثلاثٍ من أسوأ الانقراضات الحيوية التي مرّت على وجه الأرض، ويزداد ارتفاع حمضية المحيطات مجددًا في يومنا هذا.

يشرح التقرير أن زيادة الحامضية الحديثة ليس بنفس حجم ارتفاع انقراض العصر الطباشيري الثلاثي، وتعقب هول بأنه: «يمضي نحو ذلك المقدار، ولكنه لم يصل إلى هناك بعد»، موضحةً أن ما يوحّد عالمنا الحالي وفترة الانقراض تلك، إمكانية تداخل الكوارث البيئية المتعددة مع تحمّض المحيطات لإنتاج انقلابٍ أو اضطراب جذري.

تلخّص هول أمر تحمّض المحيطات بالشكل التالي: «ينبغي عليك التفكير به باعتباره القشة التي قصمت ظهر البعير –خلال انقراض العصر الطباشيري الثلاثي- الظلام يعمّ، والبرد شديد بعد التأثير، والمحيط تحمّض».

 Embed from Getty Images

تبعات ومعطيات الدراسة

تشكّل هذه الورقة البحثية الجديدة «قفزةً كبيرة» في فهمنا للانقراض، وفقًا لما ينقله التقرير عن كريس لوري الذي يدرس المحيطات في الماضي في جامعة تكساس في أوستن. يوضح لوري في رسالة إيميلٍ موجهة لكاتب التقرير: «عرفنا منذ زمن أن هناك قدرًا من تحمّض المحيطات يعود لتأثير تشيكشولوب، لكن هذه هي المرة الأولى التي قُدر فيها التحميض فعلًا»، وفي قوله إحالة للمنطقة الواقعة في شبه جزيرة يوكاتان التي سميت بها فوهة البركان.

يوضح كريس لوري أن علماء الحفريات افترضوا لفترةٍ طويلة علاقة تأثير الكويكب بإحداث انقراض العصر الطباشيري الثلاثي، ولكن هذه الأدلة الأولى الداعمة لتلك الآليات. ورغم أن الكويكب ضرب المكسيك حينها، إلا أن الأدلة الحاسمة جاءت من كهفٍ في هولندا يحفظ حفرياتٍ من المحيطات تعود للعقود أو القرون التالية مباشرة لذلك التأثير. جمع العالم مايكل هينهان –وهو الآن بروفيسور في مركز الأبحاث الألماني لعلوم الأرض- أكثر من 7000 من حفريات البلانكتون الدقيقة من الكهف –كل واحدة منها بنصف حجم حبة الرمل- وسحقها ليحلّل بصماتها الكيمائية. تعقّب هول: «تطلب الأمر جهدًا جبارًا للحصول على تلك القياسات. هناك مكان واحد فقط في العالم نعتقد أن الحفريات حُفظت به».

جديرٌ بالذكر أن نتائج الدراسة هذه لا تدعم فكرة تسبب الانفجارات الهائلة من البراكين في موضع الهند المعاصرة بزيادة تحمض المحيطات وما يتبع ذلك من انقراض جماعي، ويشدد لوري على أن هذه الرسالة «تظهر بشكلٍ قاطع أن تلك الانفجارات لم يكن لها تأثير على كيمياء المحيطات» رغم اصطفاف العديد من المؤيدين لهذه الفرضية من مدافعين جيولوجيين مسلّحين بحججهم الخاصة.  

مترجم: الانقراض الجماعي للحياة البرية.. هل أوشكت الطبيعة على الفناء؟

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد