نشرت مجموعة الأزمات الدولية، وهي منظمة دولية غير ربحية وغير حكومية، على موقعها على الإنترنت بيانًا يُعد جزءًا من مبادرة مشتركة بين المجموعة ومشروع الشرق الأوسط للولايات المتحدة (USMEP) للمساعدة في حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وتشير المجموعة إلى أن البيان استفاد من مداولات مجموعة عمل حول السياسة الفلسطينية الإسرائيلية عقدتها مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي ومشروع الشرق الأوسط خلال المدة بين عامي 2019 و2020.

ويرى البيان، الذي يحوي ما يشبه التوجيهات لما يجب أن تقوم به الإدارة الأمريكية الجديدة، كثيرًا من النقاط التي تخالف تمامًا ما كانت عليه الأوضاع في عهد ترامب. ولعل من أبرز النقاط التي تدعو إليها تلك التوجيهات أن تتنصَّل الإدارة من خطة ترامب التي طرحها في يناير (كانون الثاني) 2020 والتعامل معها على أنها لا تمثل السياسية الأمريكية. 

وفي يناير 2021، ستواجه إدارة بايدن مسؤولية تخفيف الضرر الناجم عن سياسة الرئيس ترامب المُدمِّرة تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وسيتمثَّل التحدي الذي تواجهه هذه الإدارة الجديدة في التراجع عن إرث ترامب دون الاكتفاء بإعادة الوضع الذي كان قائمًا قبل رئاسته.

يجب تعلُّم دروس الماضي

وفي البداية، يرجِّح البيان أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لن يكون أولوية بالنسبة للإدارة الأمريكية الجديدة، لكن مسار الصراع وتداعياته على المصالح الأمريكية يجب أن يثير قلق صانعي السياسة الأمريكيين. ويجب أن تتعلم الإدارة الجديدة من دروس الماضي: بمعنى أنها يجب أن تكون طموحة من حيث السعي لتغيير شروط النقاش، ومتواضِعة فيما يتعلق بإمكانية إنهاء الصراع في أي وقت قريب.

Embed from Getty Images

ويفيد البيان أنه على مر السنين، كان لسياسات الولايات المتحدة تأثير مؤسف، غير مقصود في بعض الأحيان، أدَّى إلى تسهيل ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين. ومن الواضح أنه ما لم يكن مقصودًا أصبح هدفًا في ظل إدارة ترامب، التي شجَّعت بناء المستوطنات وأصدرت «خطة السلام من أجل الرخاء» التي انحازت على نحو حاسم لصالح استمرار الاحتلال الإسرائيلي. ويجب أن يهدف الانخراط الأمريكي على الأقل إلى التخفيف من عدم التكافؤ الأساسي في القوة بين إسرائيل والفلسطينيين، ولكن بدلًا من ذلك، غالبًا ما حدث العكس وبذل البيت الأبيض في عهد ترامب أقصى جهد في هذا الشأن.

أسس البناء

وشدَّد البيان على أن ما نحتاجه اليوم ليس حصد جائزة نوبل للسلام بعد التوصُّل إلى اتفاق سلام نهائي، بل بالأحرى نحتاج إلى الصبر لوضع أسس البناء المطلوبة لتوجيه الأجيال القادمة من الإسرائيليين والفلسطينيين نحو مستقبل أكثر سلامًا وعدلًا. وتشمل أسس البناء هذه: الجمهور الإسرائيلي الذي يتفهَّم عواقب الاحتلال الدائم وأن الطريقة الوحيدة لتجنب تلك العواقب هي دَمْج الفلسطينيين على نحو فردي بوصفهم متساويين في الحقوق والواجبات، وعلى نحو جماعي من خلال احترام تطلعاتهم إلى تقرير المصير الوطني.

وتشمل الأسس أيضًا نظام حكمٍ فلسطينيًّا متماسكًا ذا قيادة يمكنها رسْم مسار فعَّال للمضي قدمًا وتحدي الوضع الراهن بوسائل غير عنيفة وبطرق تتماشى مع القانون الدولي. كما تشمل تلك الأسس تغيير الاتجاهات القانونية والسياسية المُستخدَمة في الماضي والتي هاجمت المشهد الدبلوماسي بوحشية وفشلت في ضمان حقوق الإنسان الأساسية للفلسطينيين.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
جوزيف مسعد: الحُكَّام العرب وقادة إسرائيل.. تاريخٌ سرِّيٌ طويلٌ من التعاون

إن التركيز على هذه الأسس الأساسية من شأنه أن يساعد في تغيير العدسة التي تنظر واشنطن من خلالها إلى الصراع، وسينقلها من مقعد المتفرج الذي يركِّز على مجرد متابعة ما يجري من أجل المتابعة فحسب، وسيساعدها في تهيئة الظروف لإجراء محادثات هادفة مع حماية أولئك الذين تُنتَهك حقوقهم في المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.

ويكاد يكون من المؤكد أن الإدارة القادمة ستوضح أن حل الدولتين هو إطارها السياسي المفضل، على غرار توافق الآراء الدولي الذي انعكس في خطاب وزير الخارجية جون كيري في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2016. وفي هذا السياق، يجب على الولايات المتحدة أيضًا أن توضح أنه في حال استمرار إسرائيل في عرقلة إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة وقابلة للحياة، فإن أي بديل يجب أن يحترم الحق في المساواة الكاملة وحرية التصويت لجميع أولئك الموجودين في أي مكان تسيطر عليه إسرائيل.

ووفقًا لذلك، فإن نقطة الانطلاق لسياسة إسرائيلية فلسطينية جديدة يجب أن ترتكز على الدعائم الثلاث التالية:

1- التخفيف من الضرر الناجم عن إرث ترامب والتخلي عن التركيز على الاستمرار في عملية السلام وتبني خيار آخر يتمحور حول حماية حقوق الناس ورفاهيتهم على أرض الواقع.

ألمح البيان إلى أن قرارات إدارة ترامب المتعددة -بما في ذلك الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل وقطع المساعدات عن الفلسطينيين وإغلاق القنصلية الأمريكية في القدس وإغلاق بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن والتأييد الفعلي لشرعية النشاط الاستيطاني الإسرائيلي- قد أضرَّت على نحو خطير بآفاق حل عادل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني واستنفدت احتياطي مصداقية الولايات المتحدة. ويجب أن يكون التراجع عن سياسات ترامب الرئيسة أولوية للإدارة القادمة، لكن لا ينبغي أن يكون بمثابة العودة إلى الوضع السابق، عندما أصبح إنقاذ عملية السلام -بدلًا من تحقيق السلام أو تهيئة الظروف لتحقيقه– هو الهدف في كثير من الأحيان.

Embed from Getty Images

وكانت النتيجة توفير غطاء ضمنيًا للأعمال الإسرائيلية، لا سيما بناء المستوطنات وتدعيمها. وبدلًا من ذلك، يجب على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية لوقف أعمال الضم الزاحف لأراضي الضفة الغربية وحماية الفلسطينيين فيها، بما في ذلك القدس الشرقية وغزة، حيث تسبب الحصار في حدوث حالة طوارئ إنسانية ويهدد بالتصعيد في أي لحظة. وعلى وجه التحديد، يجب على الإدارة الجديدة أن تقوم بما يلي:

أ- التنصل على نحو لا لبس فيه من خطة ترامب التي طرحها في يناير 2020، وإصدار بيان واضح بأن الخطة لا تمثل سياسة الولايات المتحدة.

ب- التركيز على السياسات الهادفة إلى حماية حقوق الفلسطينيين والإسرائيليين. وفي حين أكدت الولايات المتحدة تاريخيًّا على حقوق الإسرائيليين في العيش بأمن وأمان وسَعَت إلى حماية ذلك، فقد كانت أقل اهتمامًا بحقوق الفلسطينيين في التحرر من العنف والقيود المفروضة على حرية التنقل وهدم المنازل والاعتقال الإداري المطول ونزع الملكية الإجباري.

ج- إعادة التأكيد على أن المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية، وأن الولايات المتحدة لن تعترف بضم إسرائيل لأي جزء من الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية.

د- إعادة التأكيد على التمايز بين إسرائيل والأراضي المحتلة في جميع التعاملات الأمريكية، بما في ذلك إعادة فرض القيود الجغرافية على المؤسسة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة للبحث والتطوير الصناعي (BIRD) والمؤسسة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة للعلوم والصندوق الأمريكي الإسرائيلي المشترك للبحوث الزراعية والتنمية، مما يترتب عليه عدم منح التمويل لمشاريع البحث والتطوير الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.

هـ- توضيح أنه، في ثنايا المعارضة للحملات التي تقودها حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) تجاه إسرائيل، لا ترى الولايات المتحدة أن المقاطعة، من الناحية الشكلية، معادية للسامية وأنها، أي الولايات المتحدة، تضمن الحق في حرية التعبير.

و- إعادة التواصل مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسماح لمنظمة التحرير الفلسطينية بإعادة فتح بعثتها في واشنطن.

ز- إعادة إنشاء القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية على نحو منفصل عن سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل، والدعم النشيط لإعادة فتح المؤسسات الفلسطينية في القدس الشرقية، والتأكيد على نية الولايات المتحدة في فتح سفارة لفلسطين في القدس الشرقية.

 ح- تركيز الجهود على إنهاء الحصار المفروض على غزة وتحقيق الأمن لأولئك الذين يعيشون في جنوب إسرائيل وغزة، من خلال تعزيز ترتيبات وقف إطلاق نار دائم بين الفصائل المسلحة العاملة في قطاع غزة والحكومة الإسرائيلية.

ط- الضغط على إسرائيل لعدم تهديد المجتمعات الفلسطينية في المنطقة (ج) بمزيد من التهجير ومصادرة الأراضي والقيود على الحركة وتطوير البنية التحتية والبناء والوصول إلى الأراضي الزراعية. 

ك- العمل على إزالة العوائق الإسرائيلية أمام تنمية القطاع الخاص الفلسطيني. 

ل- إعادة تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) التابعة للأمم المتحدة، التي تُعنى باللاجئين الفلسطينيين إلى حين الوفاء بحقوقهم.

2- الكفُّ عن الإجراءات التي تسهِّل السياسات الإسرائيلية التي تسعى إلى الحيلولة دون إبرام أي صفقة سلام أو قيام دولة فلسطينية وتمكِّن لها، بما في ذلك تشجيع الجهات الفاعلة السياسية التي تتطلع إلى تحقيق النتيجة غير المقبولة لدولة يهودية واحدة غير ديمقراطية بين الأردن والبحر الأبيض المتوسط.

ويؤكد البيان على أنه يجب أن يكون للولايات المتحدة مصلحة في تشجيع الظروف الأكثر ملاءمة لإحداث تحول في السياسة الإسرائيلية نحو السعي لتحقيق سلام قابل للاستمرار وإنهاء الاحتلال. وحتى قبل إدارة ترامب، كانت السياسة الأمريكية في كثير من الأحيان تجعل من السهل جدًّا على الإسرائيليين افتراض أن الاحتلال يمكن أن يكون من دون تكلفة دائمًا مع إمكانية تجنب الخيارات الصعبة. وبهذه الروح، يجب على الإدارة الجديدة أن تضطلع بما يلي:

Embed from Getty Images

أ- الامتناع عن استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عندما يؤدي ذلك إلى تقويض القانون الدولي أو يتعارض مع سياسة الولايات المتحدة. 

ب- العمل مع الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه والأطراف الخارجية الأخرى، بما في ذلك المنتديات الدولية، لتحقيق الأهداف المذكورة أعلاه. ويجب على الولايات المتحدة التوقف عن عرقلة الجهود التي تبذلها الهيئات المتعددة الأطراف والجهات الخارجية للتمييز بين إسرائيل والأراضي المحتلة، بما في ذلك ما يتعلق بتحديث قاعدة بيانات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الخاصة بالمؤسسات التجارية العاملة في المستوطنات.

ج- تجنب الدخول في مفاوضات مع إسرائيل حول ما يسمى بالتوسع الاستيطاني المقبول.

د- ضمان قدر أكبر من الشفافية ومراقبة الاستخدام النهائي والمساءلة فيما يتعلق بالمساعدة الأمنية لإسرائيل، بحيث يمكن إخضاع إسرائيل لمعايير حقوق الإنسان الأمريكية والمعايير الأخرى التي تُطبَّق على الدول التي تتلقى المساعدات.

3- المساعدة في تسهيل قيام الفلسطينيين بالتجديد السياسي بأنفسهم وتشجيعهم على ذلك، وتبني سياسات ديمقراطية وخاضعة للمساءلة، ودفع المصالحة الداخلية وتوفير متنفس لاستراتيجيَّات اللاعنف لتحقيق أهدافها. والقيادة الفلسطينية ليست بريئة –لأن أجهزتها الأمنية تسيء معاملة شعبها وأجهزتها الوطنية ليست ممثلة أو مسؤولة أمام جمهورها- كما أنها فشلت في اتباع نهج متماسك وفعَّال. ولقد أسهمت تلك القيادة الفلسطينية في نشوء وضع ينقسم فيه الفلسطينيون ويفتقرون إلى استراتيجية موثوقة. وفي ضوء ذلك، يجب على الإدارة الأمريكية الجديدة أن تفعل ما يلي:

Embed from Getty Images

أ- العمل مع الشركاء الدوليين لتشجيع التجديد السياسي الفلسطيني وتسهيله، بما في ذلك انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني والانتخابات الرئاسية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وإزالة العقبات الإسرائيلية أمام مشاركة الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية في مثل هذه الانتخابات.

ب- دعم المصالحة السياسية الفلسطينية الداخلية وتعزيزها، وأن يكون انخراط الولايات المتحدة مشروطًا بإقامة حكومة وحدة فلسطينية والتزام تلك الحكومة بعدم اللجوء إلى العنف.

ج- العمل مع الجهات الخارجية لدفع إصلاحات الحكم الفلسطيني، وضمان قدر أكبر من الشفافية والمساءلة في شؤونها المالية. كما ينبغي العمل مع الفلسطينيين للسعي إلى إصلاحات في المساعدة المالية التي تقدمها السلطة الفلسطينية لعائلات الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية، بحيث ترتبط هذه المساعدة بمستوى الضائقة المالية التي يواجهونها أو تواجهها عائلاتهم.

سياسة مخلصة

وأوضح البيان أن هناك عناصر أخرى بالطبع. وقد رحَّب الرئيس المنتخب بايدن باتفاقات التطبيع بين إسرائيل وعديد من الدول العربية ويمكننا أن نتوقع أن تواصل إدارته المزيد على هذا الصعيد. ولكن عند القيام بذلك، يجب أن تضمن الإدارة الأمريكية أن مثل هذه الاتفاقات تساهم في رفاهية الفلسطينيين وحل النزاع، بدلًا من الانتقاص منها، وأن تعزز على نطاق أوسع خفض التصعيد الإقليمي وتحقيق السلام. بالإضافة إلى ذلك، يجب على إدارة بايدن أن تتبنى نهجًا متعدد الأطراف نحو الصراع والتنسيق مع أوروبا وإعادة دمج الأردن بنشاط في جهودها.

دولي

منذ 4 شهور
«فورين بوليسي»: لا تتفاءلوا.. لهذه الأسباب لن يحسم بايدن القضية الفلسطينية

والنقطة الأشمل هي أن إدارة بايدن قد تميل إلى قَصْر انخراطها في قضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على التخفيف من الأضرار التي تسببت فيها إدارة ترامب واستئناف المفاوضات. وسيكون ذلك مفهومًا ولكنه غير فعَّال. والنتيجة المرجحة لمثل هذا النهج هي تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وزيادة التشرذم الفلسطيني وزيادة الإحباط واليأس.

واختتم البيان ناصحًا الإدارة الأمريكية قائلًا: ولتوجيه الأطراف نحو العودة إلى منطقة قد يكون الدفع الدبلوماسي القوي فيها مثمرًا، سيكون من الأفضل لإدارة بايدن اتباع سياسة مخلصة نحو التزامها المعلن بالمعايير الدولية واحترام حقوق الإنسان والتعددية والدبلوماسية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد