تراجعت العلاقات ما بين الولايات المتحدة والصين بحدِّة خلال جائحة فيروس كورونا، حتى إن بعض المسؤولين الصينيين يحذرون من احتمالية انزلاق العلاقات الأمريكية الصينية إلى الصراع. يورد تقرير منشور في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية خمسة جوانب ازداد فيها التنافس، والأثر المحتمل لهذا التصعيد بالنسبة للسياسة والاقتصاد العالميين، وتبعات ذلك على القضايا الحاضرة الملحَّة وعلى رأسها تفشِّي الفيروس.

Embed from Getty Images

1- التنافس العسكري

كان التنافس العسكري بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية مشتعلًا قبل بدء جائحة فيروس كورونا. وبمجرد تجنب بكين للنزاعات الإقليمية مع جيرانها، استطاعت استخدام توسعها الاقتصادي المستمر منذ عقود لبناء ترسانةٍ عسكرية هائلة. ينوِّه المقال إلى أن الصين أرهبت الدول المجاورة لها، واستولت على الأراضي المتنازع عليها، وتدخلت في حرية الملاحة بالقرب من شواطئها، وكذلك تسببت في زيادة مخاطر عمل الجيش الأمريكي في آسيا. وبالتالي، يعتقد العديد من المسؤولين الأمريكيين بنيَّة بكين إضعاف التحالفات الأمريكية، وطرد القوات والقواعد الأمريكية من قارة آسيا تمامًا.

ويبدو أن الوباء يصعِّد من حدَّة التنافس العسكري الصيني الأمريكي. أعلنت بكين مؤخرًا عن مناطق إدارية جديدة في بحر الصين الجنوبي، وتتبعت السفن الماليزية والفلبينية، وأجرت مناورات خطيرة، والتي قد يكون هدفها تخويف اليابان، وفيتنام، وتايوان، وفقًا للتقرير. تستغل الصين تعثر منافسيها وحالة الإرباك لدى جيرانها، وترى في الجائحة فرصةً على ما يبدو؛ لتغتنم أيَّ أفضلية لها وتؤكد سلطتها بالقوة.

في الجهة المقابلة، تكثِّف هذه الإجراءات من المعتقدات في واشطن بضرورة بذل المزيد لردع الصين في آسيا. في أوائل شهر أبريل (نيسان)، قدمت قيادة منطقة المحيط الهادئ الهندية الأمريكية قائمة بقيمة 20 مليار دولار من الاستثمارات الدفاعية المقترحة إلى الكونجرس، ورغم عدم وصول المشروع لصياغة التفاصيل بعد، فإن الرغبة في تعزيز القدرات الأمريكية وطمأنة الحلفاء القلقين من التصعيد الصيني المتزايد، تبدو مدعومةً من الحزبين.

يطرح التقرير احتمالية موافقة الجيش والمشرعين في الولايات المتحدة على ضرورة الحفاظ على الموارد المخصصة للمنافسة العسكرية مع الصين، رغم الصدمة الاقتصادية الناجمة عن الجائحة، والتي ستحدُّ من ميزانية الدفاع الإجمالية على الأغلب.

تستغل الصين تعثر منافسيها وحالة الإرباك لدى جيرانها، وترى في الجائحة فرصةً على ما يبدو؛ لتغتنم أفضليتها وتؤكد سلطتها بالقوة.

2- فكُّ الارتباط الاقتصادي

هل نما اقتصاد الولايات المتحدة والصين ليصلا لحالةِ «الاتكال المتبادل»؟ كان هذا السؤال محور جدلٍ مستمر قبل بدء الجائحة، إذ يعتقد الكثيرون أن التشابك الاقتصادي خلق مخاطر على سلاسل التوريد والوظائف الأمريكية والأمن القومي، ولاسيما حيث ترتبط الشركات الصينية بالحكومة المركزية، أو عند وجود إمكانية استخدام البيانات الأجنبية لتحقيق مكاسب وطنية. دفعت هذه المخاوف صناع السياسات إلى النظر فيما إذا كان عليهم «فك ارتباط» الاقتصادين الأمريكي والصيني، وما هي الخطوات التي ستحتاج واشنطن إلى اتخاذها لتقييد الاستثمار الصيني في الصناعات الحساسة، وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تحافظ على تنافسية اقتصادها الخاص.

أضفت الجائحة إلحاحًا جديدًا على هذه الأسئلة، وكشفت عن مدى النقص في المعدات والمواد الحيوية التي تعتمد عليها الحياة. يشير المقال إلى إدراك الولايات المتحدة ودولٍ أخرى مدى اعتمادها على الصين في المنتجات الدوائية، والأقنعة الطبية، ومستلزمات الرعاية الصحية الأخرى، وبذا يتحول الجدل السابق من التركيز على التقنيات والاستثمارات المتطورة إلى التصنيع بالمستويات الأدنى. يتقدَّم مشروع قانون مدعوم من الحزبين من خلال الكونجرس الآن، ويهدف هذا القانون إلى الحدِّ من اعتماد الولايات المتحدة على الصين في إنتاج الأدوية، ويتزايد الحديث عن التخطيط الصناعي الأمريكي الوطني. كانت العلاقات الاقتصادية تُعد موضع ثقلٍ بين الولايات المتحدة والصين، ولكن الجائحة ستؤثر فيها، وفقًا لتحليل المقال.

Embed from Getty Images

3- التكنولوجيا

كانت واشنطن وبكين تتنافسان في عدد من مجالات التكنولوجيا الناشئة قبل بدء الجائحة، ويشمل ذلك مجالات المراقبة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ولاسيما تقنيات الجيل الخامس للأنظمة اللاسلكية (G5). بفضل الدعم الصيني الحكومي الذي سمح للشركات الصينية بإتاحة البنية التحتية الرقمية بشكل أسرع وأرخص من نظيراتها الأمريكية أو الأوروبية، كانت شركة هواوي العملاقة للاتصالات تستعد للسيطرة على سوق شبكات الجيل الخامس، بالرغم من أن الشركة تنفي الدعم الحكومي، وفقًا لما يشير إليه المقال.

حاججت الولايات المتحدة الأمريكية أنه لا يمكن الوثوق بأمان شبكات جي5 خاصة هواوي؛ لأن النظام السياسي في الصين يحول دون السماح للقطاع الخاص برفض طلبات الحكومة للحصول على البيانات، ولكن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فشلت إلى حد كبير في جهودها لإقناع الدول الأخرى بعدم العمل مع هواوي.

تتنافس واشنطن وبكين في عدد من مجالات التكنولوجيا الناشئة، بما في ذلك مجالات المراقبة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ولاسيما تقنيات الجيل الخامس للأنظمة اللاسلكية (G5).

ستتفاقم هذه المسألة في مرحلة التنافس التقني ما بعد جائحة كورونا. أوضحت الحكومة الصينية بالفعل أنها ستمضي قدمًا في جهودها للسيطرة على المساحات التكنولوجية الجديدة: أعلن الحزب الشيوعي الصيني ضمن خطته للانتعاش الاقتصادي، التوجه لتوسيع الجهود لنشر شبكات الجيل الخامس ومراكز البيانات حول العالم، رغم أن حلفاء الولايات المتحدة يعيدون النظر الآن في فكرة التعامل مع هواوي من الأساس. ليس من المستغرب أيضًا أن تركز الصين تركيزًا أكبر على البنية التحتية الرقمية، يذكِّر المقال هنا بمبادرة «حزام واحد طريق واحد» الصينية، والتي تعتمد على الشركات المملوكة للدولة والبنوك المرتبطة بها، علمًا بأن المشروعات الرقمية أرخص من مشروعات الطاقة أو النقل.

يشير المقال أيضًا إلى اعتماد الصين ودول آسيوية أخرى على تكنولوجيا المراقبة الرقمية لإدارة الجائحة حاليًا، وهو ما قد تسعى إلى تصديره بوصفه جزءًا من خطتها لإنعاش طريق الحرير الرقمي. قد يزيد التصعيد الصيني في المجال التكنولوجي الرقمي من حدَّة التنافس التكنولوجي، ولاسيما في حال فشلت الولايات المتحدة في اعتماد حلولها الرقمية الملائمة.

Embed from Getty Images

4- مستقبل النظام

من قبل تفشي الجائحة، يوجد تنافس ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين على مستقبل النظام الدولي: المعايير والقواعد والمؤسسات التي تحكم السياسة الدولية. يشعر الاستراتيجيون الأمريكيون بالقلق من أن بكين تسعى إلى تقويض أو إضعاف مكونات النظام الدولي الليبرالي، ولاسيما مع استمرار نهوض الصين.

يتحدث المعنيِّون عن إضعاف الصين لمعايير حقوق الإنسان، وانتهاكها للقوانين والقواعد البحرية في بحر الصين الجنوبي، والغموض المتعلق بمبادرة «الحزام والطريق» الصينية، والتي تنشر عبرها النموذج الصيني للتنمية، وتضع الدول المتلقية في وضعٍ مجحف. بالمقابل، يعتقد المفكرون الصينيون أن الولايات المتحدة تشغل موضع الزعيم المنافق للنظام العالمي؛ إذ لا تلتزم بالقواعد والأعراف إلا عندما تناسب مصالحها، ولا ترغب في توفير مساحة أكبر للصين. يدافع المفكِّرون الصينيون عن مفهومٍ جديد «مجتمع المستقبل المشترك» والذي سيجعل النظام الدولي أكثر ودًّا مع الأنظمة غير الديمقراطية.

دولي

منذ 3 أسابيع
«ذي أتلانتك»: كيف تنظر الصين إلى العالم؟ وكيف يجب على العالم أن ينظر إليها؟

كانت الأسابيع الأولى لقيادة أزمة الجائحة – في حد ذاتها- منافسة على مستقبل النظام الدولي. فبعد أن سيطرت الصين على تفشِّي الفيروس المحلِّي لديها، توجهت نحو العمل الدولي لتقدِّم عروضها للإمدادات الطبية والتنسيق مع دولٍ أجنبية مختلفة. قدَّمت الصين استجابتها لجائحة فيروس كورونا بوصفها نجاحًا للنموذج السياسي الصيني، متشدقة بشعارات الصحة العالمية.

ومن ناحية أخرى، وبعد توكيد الصين لمكانتها، بدت الولايات المتحدة الأمريكية مهتمةً بحظر بكين أكثر من التقدم في برامج الإنعاش واسترداد العافية الحيوية. يشير المقال إلى أفعال الولايات المتحدة المتكررة في هذا السياق: إذ أحبطت إجراءً في قمة مجموعة السبع ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وأصرَّت على استخدام المصطلحات الخلافية المتعلقة بالفيروس، وأوقفت التمويل لمنظمة الصحة العالمية بسبب النفوذ الصيني المزعوم، وذلك في ذروة أزمة الصحة العالمية.

ويحذِّر التقرير من أنه في حال بقاء المنظمات الدولية، والتجمعات رفيعة المستوى، في أماكن تستهدفها واشطن وبكين لتأكيد امتيازاتها، فإن هذا سيسرِّع من تصورات فشل أشكال النظام السائدة، وستوجِّه حينها كلٌّ من واشنطن وبكِّين أصابع الاتهام نحو الطرف الآخر.

5- المنافسة المعلوماتية

تعتقد أمريكا منذ زمنٍ بعيد بجاذبية نظامها وقيمها الليبرالية بالنسبة للعالم، ولذلك تستمر في الترويج لها على صعيدٍ دوليٍّ. وبالمقابل تأتي نهضة بكين التي صاحبها ترويج لمزايا النظام السلطوي الحديث، مشيرة إلى النمو الاقتصادي السريع للصين والتماسك الاجتماعي لديها (أو الضوابط الرقابية مجتمعيًّا كما يستدرك المقال).

صرَّح الرئيس الصيني شي جين بينغ بأن الصين «تقدِّم خيارًا جديدًا للبلدان والأمم الأخرى التي تريد تسريع تنميتها مع الحفاظ على استقلالها». يناقش الخبراء مدى كون شي نموذجًا سياسيًّا متطورًا بالفعل، ولكن – يشدد المقال – ليس هناك شك في أن الصين سعت بشكل متزايد إلى توفير بيئةٍ أكثر أمانًا وترحيبًا بالأنظمة الاستبدادية في هذا العالم، وكذلك استخدام أساليب الرسائل الاستراتيجية لتعزيز قضيتها.

ولكن يبدو أن نهج المعلومات الصيني قد تغير بشكل ملحوظ خلال فترة الجائحة، فبالرغم من تركيزها لفترة طويلة على نشر الروايات المواتية للحزب الشيوعي الصيني وقمع الروايات المخالفة أو غير الملائمة له، فإن استراتيجية الصين أصبحت أكثر حزمًا وعالمية في الآونة الأخيرة. يقول المقال إن المسؤولين الصينيين يعمدون الآن إلى استخدام حملات التضليل على الطريقة الروسية، والتي تهدف لخلق الارتباك والالتباس حول الحقائق، على سبيل المثال، الادعاء بأن فيروس كورونا المستجد هو في الحقيقة من تصنيعِ ونشر الجيش الأمريكي.

في المقابل، أثنى ترامب في البداية على قيادة الرئيس الصيني لفترة الجائحة، وسرعان ما تحوَّل بعدها لإلقاء اللوم على الصين في انتشار الفيروس، وهو ما يرجِّح المقال أن السبب وراءه يتمثل في أمل ترامب في تشتيت الأنظار عن سوء إداراته المحلية قبل انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني). إذن: يسعى كل من قادة الولايات المتحدة والصين إلى إخفاء إخفاقاتهم في الحكم؛ ولذا يرجَّح استمرار لعبة اتهام التبادلات على المنوال نفسه.

Embed from Getty Images

هل لهذا نهاية؟

لا ينبغي للتنافس الاستراتيجي ما بين الولايات المتحدة والصين أن يمنع التعاون الضروري لمكافحة الجائحة. يرى الطرفان أنفسهما بمثابة متنافسين، إلا أن الولايات المتحدة والصين لديهما حوافز مشتركة لتسهيل الانتعاش الاقتصادي العالمي؛ لأنه يتعذر على أيٍّ من الاقتصادين الأمريكي أو الصيني العودة إلى قوتهما الكاملة، في حين ما يزال العالم يترنَّح. يعدُّ تعهد مجموعة العشرين بتخفيف عبء الديون عن البلدان المنخفضة الدخل خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح، إذا ما التزمت الصين به، وبينما تضع الولايات المتحدة والصين نفسيهما في حالة تنافس في البحث عن لقاحٍ لفيروس كورونا، لن يتوفَّر أي أمان لأيٍّ من البلدين، طالما استمر تفشِّي الفيروس في أي مكانٍ في العالم، ولذا يمكن القول إن كلا البلدين لديهما اهتمام موحَّد بإنتاجِ لقاحٍ عالميٍّ.

لا يحجب التعاون حقيقة استمرار التنافس: يقول المقال إن التنافس سيكون من أجل الميزات الاقتصادية، والهيمنة العسكرية، والتفوق التكنولوجي، وكذلك التنافس الإيديولوجي والفكري، وسيشكِّل هذا التنافس جزءًا من اعتبارات الجغرافيا السياسية لسنواتٍ قادمة. وضَّحت جائحة فيروس كورونا الأمور أكثر: المنافسة بين الولايات المتحدة والصين باقية، وعلى واشنطن إيجاد طريقة لاستكشاف طريقها ضمن هذا الواقع في فترة الجائحة وما بعدها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد