نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا لأوليفيا إينوس، كبيرة محللي السياسات في مؤسسة هيريتيدج التي تدرِّس حقوق الإنسان في آسيا، وهاردين لانج، نائب رئيس البرامج والسياسات في منظمة اللاجئين الدولية، سلَّطا فيه الضوء على أزمة اللاجئين الإيغور.

وخلصا في تقريرهما إلى أن الوقت قد حان لواشنطن للبناء على الزخم الذي حدث بعد إعلان وزارة الخارجية الأمريكية أن الأعمال التي ارتكبتها الحكومة الصينية بحق أقلية الإيغور المسلمة في منطقة شينجيانج (تركستان الشرقية) تعد إبادة جماعية، وإعطاء الأولوية لإعادة توطين الإيغور في الولايات المتحدة.

واستهل الكاتبان تقريرهما بالإشارة إلى ما حدث مع طاهر حموت، مواطن مسلم من الإيغور، والذي اتخذ قرارًا صعبًا في عام 2017 بالفرار مع عائلته من موطنه شينجيانج بالصين. وقد سمع طاهر حموت عن اختفاء أصدقاء وزملاء من الإيغور وحتى أقاربهم في ما نعرفه الآن بمعسكرات «إعادة التثقيف» السياسي، حيث احتجزت الصين ما يصل إلى 3 ملايين من أقلية الإيغور والأقليات العِرقية الأخرى.

وفي أغسطس (آب) من ذلك العام، استخدم حموت، وهو شاعر ومخرج أفلام إيغوري معروف، تأشيرة سفر لزيارة الولايات المتحدة. وبعد ذلك بأربعة أشهر فقط، وبسبب التقارير التي تفيد بتفاقم الأوضاع في شينجيانج، تقدَّم بطلب لجوء في الولايات المتحدة.

دولي

منذ شهرين
مترجم: بوريس جونسون يندد بانقلاب ميانمار.. لكن لماذا لم يتحدث عن الروهينجا؟

الإيغور الفارُّون.. انتظارٌ وقلقٌ

ولفت التقرير إلى انتظار حموت وعائلته ثلاث سنوات حتى تَبُتَّ الحكومة الأمريكية في طلب اللجوء. لكنه لا يعرف كم من الوقت سيتعين عليهم الانتظار؛ إذ إنه يعرف آخرين كُثر من الإيغور في الولايات المتحدة الذين انتظروا ست سنوات أو أكثر للرَّد على طلبهم. وليس من المستغرب أن الخوف الذي يقضُّ مضاجعَهم من العودة إلى شينجيانج حال عدم موافقة واشنطن على طلبهم قد يُلحقُ ضررًا نفسيًّا بالغًا بعائلته، وفي هذه الأيام، لا يسَع حموت فعل شيء إلا التساؤل عما إذا كان هناك حلول للمضي قُدمًا.

وقد شرعت واشنطن بالفعل في اتخاذ خطوات لمساعدة الإيغور الذين يتكبدون معاناة الاضطهاد، ولكن ما يزال يتعين عليها فعل المزيد. وفي آخر أيام عمله، قرر مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي السابق، أن الصين ارتكبت «جرائم ضد الإنسانية» وجرائم «إبادة جماعية» ضد الإيغور. وفي لحظة إجماع بين الحزبين، وافق خليفته في المنصب، أنتوني بلينكين، على توصيف بومبيو لما حدث مع الإيغور.

اضطهاد الإيغور

ومن هنا، يتعين على واشنطن البناء على هذا الزخم ودعم اللاجئين الإيغور. وتتمثل إحدى الطرق لتقديم هذا الدعم في تسمية الإيغور مجموعةً ذات أولوية لإعادة التوطين في الولايات المتحدة في أقرب وقت ممكن.

وأشار التقرير إلى أنه وفي حين تظل قضية حموت معلَّقة، أصبح العالم الآن أكثر إدراكًا لحجم الفظائع الحقوقية التي يواجهها أشخاص مثله. ومنذ منتصف عام 2010، احتجز الحزب الشيوعي الصيني مسلمي الإيغور في معسكرات إعادة التثقيف السياسي، والتي يزعم الحزب أنها مدارس ومراكز تدريب مهني تعمل على التخلص من التطرف والإرهابيين المحتملين.

لكن من الواضح أن الحزب الشيوعي الصيني يستهدف الإيغور على أسس دينية وعِرقية. وفي الوقت نفسه، أجبرت الحكومة الصينية شعب الإيغور على نبذ الإسلام، وتواترت التقارير أمام سمْع المجتمع الدولي وبصره التي تفيد بأن الحزب الشيوعي الصيني هدم المساجد، ونقل رجال الإيغور مكبَّلين في الأصفاد على متن قطارات إلى معسكرات التأهيل، والتعقيم القسري لنساء الإيغور.

وأوضح التقرير أن تسمية بومبيو للإبادة الجماعية، التي حفَّزت دعم الولايات المتحدة للإيغور، كانت في حد ذاتها جزءًا من سلسلة من الإجراءات لمعالجة معاملة بكين للأقلية المسلمة. وقد جاءت تلك التسمية بعد صدور «قانون سياسة حقوق الإنسان تجاه الإيغور» الذي مرَّره الكونجرس في منتصف عام 2020، والذي سمح باستخدام أكثر تحررًا للعقوبات المفروضة على أعضاء الحزب الشيوعي الصيني المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضد الإيغور.

وقد أدَّى هذا الإجراء إلى اتخاذ واشنطن قرارًا بمعاقبة تشين كوانغو، سكرتير الحزب الشيوعي الصيني في إقليم شينجيانج، وغيره من المسؤولين في الحزب الذين يتحملون مسؤولية الإشراف على حالة المراقبة التي جعلت من الاحتجاز الجماعي الهائل للإيغور في شينجيانج أمرًا ممكنًا.

أزمة الإيغور..  حلولٌ واقعيةٌ

ويرى كاتبا التقرير أن استخدام واشنطن الكامل لبرنامج قبول اللاجئين يُعد الأمر الأكثر واقعية الذي يمكن أن تفعله حكومة الولايات المتحدة لدعم الإيغور، والذي كان منذ مدة طويلة وسيلة عملية لتخفيف المعاناة عن أولئك الذين يواجهون أزمات في بلادهم، وذلك يتحقق بجعل الإيغور مجموعة ذات أولوية لإعادة التوطين في الولايات المتحدة.

وخصَّ التقرير بالذكر ضرورة منح الولايات المتحدة الإيغور حالة الأولوية 2 (P-2) في برنامجها الخاص باللاجئين من خلال تسميتهم مجموعة «تتطلب اهتمامًا إنسانيًّا خاصًا». وحالة الأولوية 2 هذه تُمكِّن المرشحين للجوء من تجاوز الإحالة من كيانات أخرى مثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، أو سفارة ما، أو منظمة غير حكومية، وتقديم طلب مباشر إلى سلطات الولايات المتحدة لإعادة توطينهم، سواء كانوا داخل بلدهم الأصلي أو خارجه في الوقت الحالي.

وتمتلك واشنطن سجلًّا حافلًا بالنجاح مع تطبيق حالة «الأولوية 2» في عديد من المناسبات، فقد شملت هذه الوضعية الخاصة مساعدة، على سبيل المثال، اللاجئين من ميانمار في تايلاند، والأقليات الدينية في الشرق الأوسط، والأفراد الذين ساعدوا حكومة الولايات المتحدة في العراق. ومن بين المجموعات الأخرى التي تنظر واشنطن حاليًا في منحها حالة الأولوية 2 الناجون من الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق ومواطني هونج كونج.

وشدَّد التقرير على أن وضع الأولوية 2 يمكن أن يوفر شريان حياة لا غنى عنه لأولئك المواطنين الإيغور الذين فرُّوا بالفعل من الصين ولكنهم ما يزالون يواجهون مخاطر الاضطهاد. ففي تايلاند، على سبيل المثال، يواجه مواطنو الإيغور السجن خارج نطاق القضاء.

وفي تركيا، وبالنظر إلى أن الحكومة التركية تتعرض لضغوط كبيرة من بكين، فإنها تواصل ترحيل الإيغور إلى الصين، حتى أولئك الذين منحتهم حق اللجوء بالفعل. والخبر السار هنا هو أنه يمكن تقديم مشروع قانون يقدم حالة الأولوية 2 للإيغور في وقت لاحق من هذا الشهر.

ونوَّه التقرير إلى أن الإيغور الذين تواجه طلبات اللجوء الخاصة بهم تجاهلًا حاليًّا داخل أروقة نظام اللجوء في الولايات المتحدة لا تنقصهم المصاعب المالية أو العاطفية؛ إذ إن ابنة حموت على وشك التخرج من المدرسة الثانوية، ونظرًا إلى أنها لم تحصل بعد على وضع اللجوء، يتعين على أسرتها دفع بدلات تعليم دولية عالية التكلفة لكي تلتحق بالكلية، الأمر الذي قد يمنعها من متابعة تعليمها العالي. وقال كل من حموت وابنته إنهما يعيشان في خوف دائم من رفض طلبهما وإعادتهما إلى شينجيانج، حيث سيكون السجن مصيرَهما الحتمي.

ولأن حموت وأسرته يعيشون بالفعل في الولايات المتحدة، فإن حالة الأولوية 2 لن تحل التحديات التي يواجهونها. لكنها سوف تسرِّع من وتيرة البَتِّ في أمر الإيغور الآخرين من البلدان التي فروا إليها وإعادة توطينهم، وضمان عدم تعرض الوافدين الجدد لمصاعب مماثلة. وبالنسبة لحالات مثل حالة حموت، ينبغي لواشنطن أن تعمل على ضمان حل طلبات اللجوء المعلَّقة في الوقت المناسب وعلى نحو جذري.

العمل مع الدول الأخرى من أجل مسلمي الإيغور

وأضاف التقرير أن على الحكومة الأمريكية في هذه الأثناء أَنْ تَضْغطَ على الدول الأخرى لمنح الإيغور ملاذًا آمنًا. وكذلك يتعين على الولايات المتحدة أن تعطي الأولوية للدبلوماسية مع البلدان الأساسية التي تستضيف الإيغور، بما في ذلك تركيا، وماليزيا، وتايلاند، وكازاخستان. والواقع أن الصين تمارس ضغوطًا هائلة على كل هذه الدول لترحيل الإيغور إلى شينجيانج.

الإيغور

وبوسْع واشنطن أن تبعث برسالة دعم واضحة للإيغور من خلال مضاعفة جهودها ومنحهم حالة الأولية 2، الأمر الذي من المأمول أن يعزز استعداد هذه البلدان لقبول اللاجئين الإيغور داخل حدودها.

وفي الختام، يؤكد كاتبا التقرير ضرورة أن تعمل واشنطن مع حلفائها وشركائها الدوليين في هذه الجهود، ذلك أن أوروبا وأستراليا وكندا يهتمون بأزمة الإيغور أيضًا، ومن الأهمية بمكان أن يتفقوا مع الولايات المتحدة على مسارات الأمان. وهذه فرصة سانحة للولايات المتحدة، مع بدء إدارة جديدة، ليس لدعم مجموعة مضطهدة من الناس فحسب، بل كذلك لإظهار قيادة عالمية قوية وإثبات التزامها بحقوق الإنسان.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد